ميخائيل ميلشتاين
حول فشل 7 أكتوبر، كان المستوى السياسي في إسرائيل قد طور “حجة غبية”، مزعومة، لم يحذر جهاز الأمن بموجبها من الهجوم المرتقب، وذلك رغم أن القصور، مزعومة، وبموجبها لم يحذر جهاز الأمن من الهجوم المرتقب، وذلك رغم أن القصور تطور قبل ذلك بسنوات وبمشاركة عميقة من السياسيين. هذه الذريعة لا تسري في ضوء تسونامي دولي يحل على إسرائيل وربما يكون البداية. ثمة إخطار بالتحدي كان مصدره كثيرون (بمن فيهم كاتب هذه السطور) على مدى الأشهر الأخيرة، ويبدو أن جهاز الأمن طرحه هو الآخر، لكن الحكومة رفضت التأثر بالتهديد المرتقب.
لقد طرح الإخطار قبل بضعة أشهر، عندما أعلنت فرنسا والسعودية عن مبادرة لاعتراف دولي واسع بدولة فلسطينية في أثناء انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول القريب القادم. واصطدمت التحذيرات في الغالب بأن الخطوة تنبع من أزمة سياسية داخلية لدى الرئيس ماكرون، وأنه لا معنى عملياً للإعلان، وأن الولايات المتحدة تقف إلى جانب إسرائيل وستأذن لها عمل كل ما يروقها، وأساساً على الصعيد العسكري.
ما اعتبر رذاذاً لا يضر أصبح في الأسبوع الماضي طوفاناً مع إعلان بريطانيا وكندا نيتهما الاعتراف بدولة فلسطينية في أيلول، وثمة إشارات مشابهة من دول أخرى (بما في ذلك دول صديقة، وعلى رأسها ألمانيا)، وكذا حظر فرضته هولندا على دخول الوزيرين سموتريتش وبن غفير إلى نطاقهما. هذا تعبير خطير عن تسونامي متصاعد ينطوي في إشارات أوروبية على فحص تقليص التعاون في مجالات التجارة والعلوم.
رد إسرائيل يعكس عدم فهم عميقا لجوهر التحدي، وانعدام وسيلة. تقر الغالبية بأن المشكلة تكمن في إعلام رسمي فاشل، خصوصاً إزاء الأزمة الإنسانية في غزة
رد إسرائيل يعكس عدم فهم عميقا لجوهر التحدي، وانعدام وسيلة. تقر الغالبية بأن المشكلة تكمن في إعلام رسمي فاشل، خصوصاً إزاء الأزمة الإنسانية في غزة. وآخرون في قيادة الدولة يسيرون شوطاً أبعد: يتهمون دول الغرب بتعزيز حماس، بما في ذلك المسؤولية عن تصليب مواقفها في المفاوضات على الصفقة؛ ويدعون إلى إقامة دولة فلسطينية في أراضيها: يحذرون من أنها تعزز الإسلام في أراضيها. وكالمعتاد، الأكثر فظاظة هو بن غفير الذي “شخص” عودة ألمانيا إلى تأييد النازية.
إسرائيل لا تعي بأن معظم العالم لم يعد يرى في مذبحة 7 أكتوبر مبرراً لما تفعله في غزة، وبالمقابل يبدأ بوصف إسرائيل كعنصر مشاغب يقوم على أساسين: الأول، استخدام القوة في كل ساحة وكل وضع، بدون غلاف استراتيجي أو فعل سياسي؛ والثاني رؤية أيديولوجية تستند إلى إيمان عميق وتطلع لتغيير راديكالي للواقع ينعكس من دعوات لضم مناطق في غزة والضفة، وتشجيع الهجرة (دون أن يعرف العالم إلى أين “سيهاجر” الغزيون)، وإعادة تنمية الاستيطان في غزة وتكثيف الاستيطان في الضفة.
المشكلة هي بالفعل إعلام (هسبرا)، لكن ليس بمفهوم كشف الصورة الحقيقية بل إيضاح وجهة إسرائيل. الفجوة لا تدور فقط حول الأزمة الإنسانية في غزة، التي تعكس فشل الجهد الإسرائيلي الذريع لتغيير الوضع في المنطقة من الأساس، بل تتعلق أيضاً بالضفة، حيث تتصاعد إمكانية انفجار على خلفية تكاثر الاحتكاكات بين المستوطنين والفلسطينيين، ما دفع حتى الأمريكيين للمطالبة مؤخرا بإيضاحات عقب قتل فلسطيني يحمل جنسية أمريكية قرب رام الله.
إن نهج الحكومة في ضوء التسونامي يعكس خليطاً بين فكر قسم كبير فيها (لكن ليس لنتنياهو) بروح “لا تراعي الأغيار” ولا يولي أهمية كبيرة للساحة الدولية، وبين الإيمان الذي بموجبه بقي ترامب إلى جانب إسرائيل، ولا يسمح بوقوع أي ضرر لها، وهو تقدير عززه توجيه ترامب انتقاده لدول الغرب بعد إعلان نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية. لقد قررت إسرائيل عملياً المراهنة على كل الصندوق. التعويل على رئيس معروف كغير مرتقب، رغم تعاظم التحفظات إزاء سلوك إسرائيل؛ ففي حزبه بخاصة وفي الجمهور الأمريكي بعامة، ثمة إمكانية لأن يبدأ العالم العربي، وبخاصة السعودية، الحليف الهام لواشنطن، قريباً ممارسة ضغط شديد على ترامب، مطالبة بتغيير النهج تجاه إسرائيل.
إن عناد أصحاب القرار السياسي بعدم عرض استراتيجية ودون بحث الموضوع الفلسطيني –وهو نهج ساد في أوساطهم عشية 7 أكتوبر وحمل “مساهمة” مهمة لنشوء المفهوم المغلوط- هو عناد يوقع إسرائيل في عزلة متزايدة، ويمس صورتها بشدة، فضلاً عن ضرر جسيم لحقها بسبب حرب استنزاف تترافق ومصابين، وخلافاً داخلياً صعباً، وابتعاداً عن هدف تحرير المخطوفين، واقتراباً من احتلال كل القطاع، وهو سيناريو تدفعه به قدماً أقلية لا تتكبد عناء توضيح المعاني العميقة لمثل هذه الخطوة.
وكي لا يدعي أحد بأن التهديد المقترب لم يرفع إلى السطح – في إعادة صياغة لادعاءات سموتريتش عن عدم سماع تهديد من حماس قبل 7 أكتوبر، وعن الطوق الإيراني– فإننا نشدد: الموجة التالية والقوية في التسونامي السياسي ستكون في أيلول المقبل. التهديد المحدود نسبياً (والرمزي) المرتقب هو اعتراف دولي واسع بدولة فلسطينية، والأخطر من ذلك – اتساع الخطاب حول فرض عقوبات غير مسبوقة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، ما سيؤثر دراماتيكياً على حياة كل الإسرائيليين وعلى مكانة إسرائيل في أسرة الشعوب. قبل لحظة من دخول إسرائيل لتحل مكان روسيا بقيادة بوتين، وصربيا في عهد ميلوسوفيتش، أو جنوب إفريقيا في عهد الأبرتهايد، فقد بات المطلوب من الحكومة وأساساً رئيسها، صحوة سريعة لملاحظة الهوة التي تقاد إليها الدولة، ورصد تهديد ينشأ من السياسة المتخذة إزاء الموضوع الفلسطيني.
يديعوت أحرونوت 3/8/2025