إسرائيليون لزامير: ستتهم بجرائم ضد الإنسانية.. بدأنا نعي ما يفعله النرجسيون

حجم الخط
0

إسرائيل تتقدم نحو ارتكاب جريمة ضد الإنسانية. معنى احتلال غزة، الذي صادق عليه الكابنيت رغم موقف جهاز الأمن، وعلى رأسه رئيس الأركان، هو تدمير من الأساس وتنفيذ لجرائم حرب التي لا يمكن العودة عنها – تجاه المخطوفين وجنود الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين. 

أجزاء واسعة في قطاع غزة أصبحت مدمرة وغير صالحة للعيش. يجب الاستماع إلى واضعي السياسات والنظر إلى ما حدث في رفح – التي دمرت تماماً – المشاهد من هناك تذكر بتدمير هيروشيما، لكي نعرف ماذا سيحدث في غزة. الآن الدمار الشديد الذي تسببت به إسرائيل للقطاع، وقتل عشرات آلاف الأبرياء، بما في ذلك الأطفال، يثير نقاشات قانونية وأخلاقية صاخبة. ولكن تدمير مدينة غزة سيكون خطوة بعيدة جداً. ليس عبثاً أن امتنعت إسرائيل عن تدمير مدينة غزة حتى الآن، ليس بسبب خوفها على سلامة المخطوفين الذين ربما يكونون محتجزين في أنفاقها. غزة عاصمة القطاع الذي يحمل اسمها، ومركز الحياة السياسي والاقتصادي. غزة رمز. 

لذلك، فإن تدمير المدينة سيكون محواً لـ “قطاع غزة” ككيان، ولـ “الشعب الفلسطيني في قطاع غزة”. من ناحية رمزية، بدرجة كبيرة أيضاً من ناحية عملية، هذه المفاهيم ستفقد معناها. هذه ستكون تدميراً لكيان سياسي واقتصادي، ولمنطقة جغرافية تتحول إلى منطقة غير صالحة للعيش، ولمجموعة إنسانية ستتفكك، ولإحدى المدن العالية الأكثر اكتظاظاً والتي ستصبح مخيم لاجئين كبيراً، بدون قيادة، وبدون صوت يمثل سكانها، وبدون أي حقوق سياسية. بدون الدخول إلى المسائل والتفاصيل القانونية الدقيقة، فهذا هو معنى جريمة ضد الإنسانية: تصفية كيان سياسي وثقافي في منطقة جغرافية معينة. 

أجهزة القضاء وإنفاذ القانون أُضعفت جداً، والشرطة أصبحت ذراعاً يخدم السلطة وليس الجمهور، والمعارضة السياسية مستخذية ومن دون تأثير، و”الشاباك” في خطر الوقوع في أيدي المسيحانية، ووسائل الإعلام أصبحت متحيونة وهروبية، والقطاع العام وفروعه يتضورون جوعاً في أفضل الحالات وفاسدين في أسوأ الحالات. 

الواقفون الآن بين عملية مخيفة ستوصم وجه إسرائيل إلى الأبد، وبين الداعين إلى العقلانية، هم جهتان: يمثل إحداهما رئيس الأركان، الجنرال إيال زامير، الذي عبر عن معارضته لاحتلال مدينة غزة، وحتى إنه اعتبرها عملية شرك مميت يعرض المخطوفين للخطر. الجهة الثانية هي الجمهور الواسع. 

في الدولة التي ما زالت ديمقراطية ظاهرياً، يبدو أن رئيس الأركان ملزم بتنفيذ تعليمات المستوى السياسي. ليس من شأنه أخذ الأمور السياسية في الحسبان، مثل مكانة إسرائيل في العالم، ورأيه عن الحكمة السياسية في سير الحرب غير مهم. ولكنه ملزم بفحص اعتبارات عملية وقيمية، وإذا كان مقتنعاً بأن ما هو ملقى عليه يخالف قيمه وقيم الجيش الإسرائيلي؛ وإذا اعتقد أن الجيش متعب وضعيف بعد سنتي قتال تقريباً؛ وإذا اعتقد أن الاعتبارات الموجودة وراء تعليمات الاحتلال ليست أمنية، فعليه رفض العملية. وإذا كان معنى الرفض هو إقالته، فليكن. وإلا فدماء المخطوفين وجنود الجيش الإسرائيلي الذين سيقتلون ستكون على يديه، وسيتهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وستلطخ الكثير من الضباط والجنود بارتكاب جرائم حرب. 

خلافاً لعدد من أصدقائي في حركة الاحتجاج، أنا لا أخشى من إقالة رئيس الأركان بسبب احتجاجه على تعليمات الحكومة لاحتلال مدينة غزة. إذا وصلت الأمور إلى هذا، فإن ليلة غالنت ستبدو لا شيء مقارنة مع ما سيحدث في الشوارع. العامل الثاني، الجمهور الواسع، في الواقع لا يمسك بمفتاح من يعطي الأوامر، لكن لديه القوة لمنع تنفيذ هذا الأمر. إن معارضة حازمة للجمهور، التي سبق وتم التعبير عنها بعدم امتثال متزايد للاحتياط والضغط المتزايد لعائلات جنود الجيش النظامي، قد تصعب على الجيش الإسرائيلي تنفيذ الأمر. في هذا الوضع، سيزداد الخطر على حياة الجنود بسبب العبء الكبير الذي سيلقى على عدد قليل، الأمر الذي من شبه المؤكد أن يؤدي إلى صعوبة في التركيز، وإلى حوادث عملياتية والتعرض المتزايد للخطر على يد عصابات حماس. 

الأغلبية الساحقة في الجمهور تدرك بأن الحرب في غزة لا تخدم أي مصالح أمنية، بل تخدم مصالح شخصية وسياسية ومسيحانية. عندما تغلغل هذا الإدراك في الوعي، فمن غير المرجح أن يصمت الجمهور على التخلي عن المخطوفين ليموتوا، والموافقة على توسيع دائرة الثكل وإضافة آلاف المتضررين نفسياً وجسدياً، والموافقة على ارتفاع دراماتيكي في عدد المنتحرين، وتنفيذ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، التي ستلطخ سمعة إسرائيل من ناحية أخلاقية وتعزلها عن عائلة الشعوب. 

الجمهور خلافاً لرئيس الأركان، مجبر على الاهتمام بكل ثمن لاحتلال غزة وتدميرها. أيضاً بمصير المخطوفين وجنود الجيش الإسرائيلي، ولكن أيضاً التداعيات السياسية والاقتصادية والأخلاقية لعملية لا يمكن التراجع عنها – وأن يحتج بكل القوة. ستكون التداعيات دراماتيكية، وربما لا يمكن التراجع عنها، سواء على الدولة أو على اليهود أينما وجدوا. عائلة الشعوب المتنورة ستدين إسرائيل، وستعاقبها بحظر السلاح وفرض عقوبات اقتصادية، أما هجرة الأدمغة فستتسارع، وألسنة لهب اللاسامية ستزداد، ولن يشعر الإسرائيليون واليهود بأنهم في أمان في معظم دول العالم، ولن يكون بعيد اليوم الذي ستكون فيه إسرائيل معرضة لخطر وجودي حقيقي. 

يوم الإضراب في الأسبوع الماضي أظهر قوة الجمهور الكبيرة، وهكذا أيضاً أيام الغضب والتشويش أثناء الاحتجاج على الانقلاب النظامي. المواطنون الذين يتجندون لنشاطات التشويش والمعارضة آخذ في التزايد. يبدو أننا على شفا انعطافة، وجمهور آخذ في التزايد أصبح يدرك حقيقة أن القوة وحدها ستحدث التغيير. 

كلما تعاظمت هذه المعارضة ووصلت إلى عصيان مدني واسع، يزداد الأمل في نجاة إسرائيل من أنياب شخص نرجسي، متوحش وعديم الضمير، يسعى للتحول إلى ديكتاتور. ومن أنياب مجموعة حالمة مستعدة لتدمير كل ما بني هنا خلال عشرات السنين فقط لتجسيد طموحاتها المسيحانية. إذا خفنا ولم نكن مستعدين لدفع الثمن الشخصي، والنفسي والاقتصادي، المترتب على هذا العصيان، فسنكون شركاء في التضحية بحياة المخطوفين وتوسيع دائرة الثكل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. لن يكون بعيد اليوم الذي نجد فيه أنفسنا في وضع أصعب بأضعاف، حتى لو صعب تخيل ذلك.

أوري عراد

هآرتس 27/8/2025

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية