إريك زمور ليس هو دونالد ترامب

تعيش فرنسا ظاهرة المفكر الشعبوي إريك زمور، الذي انتقل إلى ممارسة السياسة، ويعد الفرنسيين بتخليصهم من «شرور الهجرة» و»الإسلام» وإعادة الاعتبار إلى الثقافة الفرنسية. وبدأ بعض المحللين يتحدثون عن إريك زمور، وكأنه ظاهرة أشبه بدونالد ترامب الذي نجح في الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2016، لكن يوجد فرق كبير بين الحالتين.
وعادة في أوقات الأزمات الاجتماعية والفكرية، وبحث الدول عن بوصلة جديدة لتحقيق قفزة نوعية، تجنبا لوقوع الأسوأ مثل التخلف عن ركب الدول الكبرى، أو الإقليمية، أو الخوف من انفجارات اجتماعية، تعتبر بمثابة حرب أهلية منخفضة، يظهر مفكرون يحاولون لعب دور «المخّلص والمنقذ» من السقوط المرتقب. حدث هذا في الكثير من المناسبات عبر شخصيات بعضها نجح، والبعض الآخر فاقم الأزمة.
وتمر فرنسا في أزمة حقيقية منذ نهاية عهد الرئيس جاك شيراك، أو نهاية الطبقة السياسية المخضرمة خلال العقد الأول من القرن الحالي، بسبب التغيير المتسارع في خريطة العالم الجيوسياسية، فمن جهة يتعاظم دور الصين ـ روسيا، ومن جهة أخرى تعمل واشنطن على استعادة التنسيق الأنكلوسكسوني لقيادة العالم، ومن عناوينه البارزة الحلف البحري «أوكوس» بين بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا، وكانت فرنسا من ضحاياه. في الوقت ذاته، ينظر الفرنسيون بعين القلق إلى فقدانهم تأثيرهم في القارة السمراء، ومنها في شمال افريقيا، علاوة على النزاعات الداخلية النسبية التي سببها الهجرة. كل هذا يؤدي إلى تساؤلين رئيسيين وهما: هل ما زالت فرنسا قوة عظمى؟ هل ما زالت فرنسا تحافظ على هويتها الثقافية والدينية والاجتماعية؟ ولم تعد فرنسا تنتج المثقف العضوي الباحث عن إيجاد حل لمشاكل المجتمع، خاصة في عالم يزداد تعقيدا، بل بدأت تطفو «طفيليات فكرية» مسلحة بخطاب شعبوي له تأثير بالغ في صفوف غالبية الناس. وتستفيد هذه «الطفيليات الفكرية» من تراجع ما يمكن أن نسميه «الرقابة الإيجابية» بمعنى تلك الرقابة التي تقف سدا منيعا في وجه انتشار الأفكار الهدامة، وذلك بسبب حرية وسائل التواصل، وتعدد المنابر الإعلامية بفضل ثورة الإنترنت. وفي الماضي، زمن تقنين الإعلام، كان من الصعب على «الطفيليات الفكرية» الوصول إلى وسائل الإعلام العمومية، أو تلك الرزينة لنشر سمومها. وفي هذا الصدد، من الصعب تخيل منح القناة الفرنسية الأولى، أو جريدة «اللوموند» حيزا لمفكر شعبوي مثل إريك زمور لنشر أفكاره.

إريك زمور لا يتردد في اختصار كل مآسي فرنسا في «المهاجر» القادم من العالم الثالث، وأساسا المسلم، متجاوزا طروحات اليمين المتطرف

منذ قرابة عقد، برز اسم إريك زمور بقوة في الصحافة، وتحول إلى مرجع للكثير من الفرنسيين الحالمين «بفرنسا الكبرى» وبصم أفكاره في ثلاثة كتب خلال السبع سنوات الأخيرة وهي «الانتحار الفرنسي» سنة 2014 و»قدر فرنسا» سنة 2018 بمبيعات تجاوزت نصف مليون نسخة لكل كتاب ثم «فرنسا لم تقل كلمتها النهائية بعد» الذي صدر مؤخرا وتجاوز 80 ألف نسخة في أسبوع واحد.
إريك زمور لا يتردد في اختصار كل مآسي فرنسا في «المهاجر» القادم من العالم الثالث وأساسا في «شخصية المسلم» إلى مستويات تتجاوز أطروحات اليمين المتطرف بزعامة ماري لوبين، بل لا يستبعد اندلاع حرب أهلية بسبب الهجرة والإسلام. ويتولى وظيفة النذير بالتحذير من اندثار فرنسا الأوروبية – المسيحية لصالح فرنسا المتعددة الأعراق والثقافات. وبهذا، يكون قد استغل نقطة ضعف نسبة مهمة من الفرنسيين، الذين يرغبون في «رواية تاريخية وطنية» بعيدا عن رواية العولمة في رؤيتها للأوطان. نجح أريك زمور نسبيا في خلق حالة من القلق وسط الرأي العام، ووسط اليمين، سواء المتطرف أو المعتدل منه، وذلك بتلويح محيطه بشأن إمكانية ترشحه للانتخابات الرئاسية، التي لم يبق عليها سوى شهور معدودة. وقد يحصل على نسبة من أصوات النرجسيين والقوميين، ما يشكل ضربة لحظوظ اليمين. والانتقال المرتقب لإريك زمور إلى السياسة من خلال فرضية الترشح للانتخابات الرئاسية، يجعل الكثير من المحللين يتحدثون عن نسخة أوروبية من تجربة الرئيس دونالد ترامب، الذي وصل إلى البيت الأبيض بخطابه الشعبوي، مثلما أفادت جريدة «إندبندنت» البريطانية، ولكن يوجد فرق كبير بين الطرفين، وبالتالي لا يمكن تصور إريك زمور رئيسا مقبلا لفرنسا.
دونالد ترامب كان مشروع عدد من التيارات المؤثرة في الاستبلشمنت الأمريكي، سواء في الاستخبارات أو الدبلوماسية، أو رجال الأعمال، وأساسا المؤسسة العسكرية. لقد كان الغرض بالدفع بشخصية، وإن كانت مثيرة للجدل، مثل ترامب هو إعادة رسم أجندة الولايات المتحدة لتحقيق ثلاثة أهداف: الأول وهو محاولة محاصرة وتقزيم الصين، من خلال التقليل من التبادل التجاري معها، ومحاصرة نفوذها في العالم حتى لا تهدد ريادة الولايات المتحدة للعالم. ويتجلى الهدف الثاني في الحد من الهجرة اللاتينية، دون باقي الهجرات خوفا من ارتفاع نسبة اللاتينيين إلى 25% من الشعب الأمريكي، ما قد يؤدي إلى حرب أهلية. ويعد الهدف الثالث هو بناء وحدة الدول الأنكلوسكسونية في ظل تردد أوروبا في مواجهة الصين. ورغم خسارته بعدما تخلت عنه تيارات الاستبلشمنت، نتيجة انعكاسات منعطف اغتيال جورج فلويد خلال مايو 2019 خوفا على وحدة البلاد، تستمر رئاسة بايدن الحالية في تطبيق برنامج ترامب، خاصة في ما يتعلق بمحاصرة الصين، ثم دعم الصف الأنكلوسكسوني من خلال حلف أوكوس.
في المقابل، لا يشكل إريك زمور مشروع أجندة دولة بقدر ما هو مشروع «صوتي نشاز» له القدرة على زعزعة عواطف الفرنسيين القوميين، من دون أجندة تمنح فرنسا قوة، فهذا المفكر يدعو إلى بناء فرنسا، في حين أن قوة فرنسا تكمن في بناء الاتحاد الأوروبي، نظرا لافتقار فرنسا لمقومات الدول الكبرى مثل روسيا والولايات المتحدة والصين. إن مفكراً مثل إريك زمور، بخطابه العنصري المقيت، سيساهم في مزيد من إضعاف فرنسا في الخارج، خاصة في القارة الافريقية في وقت بدأ الأفارقة يطالبون فرنسا بالحساب عن فترة الاستعمار.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية