إدريس الجاي: صوت الرومانسية المغربية الأنصع

كان يُنظر إلى تعاطي الشعر في المغرب، منذ أواخر القرن التاسع عشر، باعتبارها مجرّد ثقافة مكملة لشخصية العالم، وسرعان ما صار جزءا من المعركة ضد الاستعمار؛ حين سعى رجال الحركة الوطنية إلى «إحياء» الشعر المغربي وربطه بأصوله التراثية ودمجه في محيطه العربي، كجزء من رسالة خطابهم النهضوي، تحت تأثير النشاط الشعري والنقدي، الذي كانت تصل أصداؤه من المشرق، ومن مصر تحديدا، مع الكتب والمجلات والصحف بوتيرة منتظمة.
ثم تطورت الحركة الشعرية إلى ما يشبه تقاطبا ثنائي الأبعاد؛ رومانسيا وواقعيا، أطلق العنان لمخيّلات الشعراء الشباب بقدر ما قلص نفوذ نظرائهم الشيوخ ودائرة شعر الإصلاح والمناسبات. وفيما كان الواقعيّون؛ من أمثال علال الفاسي ومحمد الحبيب الفرقاني ومحمد الوديع الأسفي، يسعون إلى التعبير عن هموم الوطن وواقع الإنسان المغربي، أوجد نظراؤهم الرومانسيون من الشباب صُوَرا وقِيَما فنية جديدة هي امتداد للتيار الوجداني في الشعر العربي الحديث، وهم يتغنّون بمشاعر الذات الوجدانية والخيال، وجمال الطبيعة والمرأة في عالم بديل، ويضفون على أشعارهم روحا إنسانية مطلقة. وكان بعض هؤلاء الرومانسيون على اتصال مباشر بالغرب، فرنسا وإسبانيا تحديدا، مثل: عبد السلام العلوي، وعبد المجيد بن جلون، وإدريس الجاي، ومحمد الصباغ وغيرهم ممن انفتحوا على مدارس الشعر الأوروبي، من كلاسيكية ورومانسية وبرناسية، وتعاطوا معها بوعي خاص في أبعاده الجمالية والإنسانية.

استعادة إدريس الجاي


يأتي إدريس الجاي (1924- 1977) في طليعة الرومانسيين المغاربة. مثل في شعره نموذج الشاعر الإنساني المتفتح، فهو الذي تشبع بالثقافة العربية الأصيلة وتراثها الشعري، وانفتح على الأدب الأوروبي، حيث درس في إسبانيا، وعاش ردحا من الزمن في فرنسا التي عمل بها منتجا ومحررا للبرامج العربية في إذاعة باريس. بعد الاستقلال عاد إلى المغرب ورأس قسم البرامج في الإذاعة الوطنية، ويعدّ برنامجه «ناشئة الأدب» زهرة البرامج التي ظلت تفوح في روض الشعر المغربي، إذ تخرّج منه جيلٌ من الشعراء الشباب، ومن جملتهم محمد علي الرباوي الذي قال فيه: «كان شاعرا مجددا تخرّج من حقيبته أغلب شعراء جيلي».
صدر له ديوان وحيد تحت عنوان «السوانح» عام 1967 بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني عن المطبعة الملكية، وقدّم له العلامة عبد الله كنون. تتوزع نصوص الديوان بين الوجدانيات، والتأملات، والإخوانيات، والقصائد الوطنية. ورغم التزامه الشكل التقليدي، إلا أن حساسيته الرومانسية في بعديها الإنساني والفلسفي، جعلت مضامينه الشعرية تتفجر بالمعاني الجديدة، بل إنه جرب كتابة قصيدة النثر خلال بدايته الشعرية في الأربعينيات، باسم مستعار (عابر سبيل). غنى بعض قصائده كبارُ مطربي زمانه، من أمثال عبد الهادي بلخياط، ووردة، وعبد الوهاب الدكالي، وعزيزة جلال، وأحمد البيضاوي، فكان بحقّ «حالة شعرية مرت في زمان الشعر»، حسب تعبير الشاعر عبد الرفيع جواهري.
وفاء لذكرى الشاعر واستعادة صوته المتفرد، نظم منتدى كفاءات إقليم تاونات بشراكة مع بيت الشعر في المغرب، فعاليات الدورة الأولى من مهرجان تاونات للشعر المغربي، التي حملت اسمه، وجائزة باسمه موجّهة إلى ناشئة الشعر من الشعراء الشباب الموهوبين دون سن الثلاثين، وذلك أيام 28-29-30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بحضور بعض أقربائه، في طليعتهم نجل الشاعر سليم الجاي، وعدد من الشعراء المكرمين (مليكة العاصمي، أحمد مفدي، محمد علي الرباوي)، والنقاد الذي بسطوا في أوراقهم النقدية، أبرز خصائص شعر إدريس الجاي، وما تركه من أثر ذي بال في سيرورة تحديث الشعر المغربي المعاصر.

عبد السلام المُسَاوي: الشاعر الذي ترك أثرا
لم يكن إدريس الجاي مجرد شاعر بديوان واحد. كان، قبل ذلك وبعده، واحدا من تلك الأصوات الهادئة، التي صنعت جزءا مهما من الوعي الأدبي في المغرب خلال العقود التي تلت الاستقلال. شاعر وإعلامي ومثقف عام، عرف كيف يجعل من الميكروفون جسرا بين الكلمة ومتلقيها، وكيف يربط بين الشعر، في صفائه، ووظيفة تربوية ظل يمارسها طوال حياته دون ضجيج.
ولد الجاي في فاس سنة 1924، قادما من منطقة الجاية في إقليم تاونات، في تقاطع رمزي بين الذاكرة القروية الصافية، والفضاء الفاسي الذي شكّل، لسنوات طويلة، مركزا للثقافة المغربية الحديثة، لم يكن من أصحاب النشر المتواصل، لكنه كان من أصحاب الحضور الدائم، كلمته موزونة، وصوته رصين، ونبرته الإذاعية ظلّت، لسنوات، جزءا من ذاكرة جيل كامل. ديوانه الوحيد «السوانح»، الصادر سنة 1967 بأمر من الملك الحسن الثاني عن المطبعة الملكية، وبمقدمة من العلامة عبد الله كنون، يبدو اليوم وثيقة شعرية، أكثر مما يبدو كتابا عاديا. نصوصه تتوزع بين الوجداني والروحي والوطني، محافظة على الشكل العمودي، لكنها متخففة من الخطابة الثقيلة. كان الجاي يكتب بلغة واضحة، وصور رشيقة، وتوتر شعوري يخبرك بأن صاحبه أقرب إلى شعراء التأمل الهادئ منه إلى أصحاب الزخارف البلاغية، ورغم أنه حافظ على القصيدة العمودية، فإن حساسيته الشعرية لم تكن بعيدة عن التحولات التي عرفها الشعر العالمي. ثمة نزعة فردية تذكّر ببودلير، وهدوء في الانفعال يجعل المعنى جزءا من التجربة، لا من الزخرف اللفظي. كان محافظا في الشكل، حديثا في الروح، وهذا ما جعله حلقة وصل بين جيلين: جيل يودّع الشعر التقليدي، وآخر يبحث عن لغته الجديدة.
قيمة إدريس الجاي الكبرى لم تكن في ديوانه الوحيد فقط، بل في عمله الإذاعي. فقد تحوّلت برامجه الشهيرة، مثل «حقيبة الأربعاء» و»مع ناشئة الأدب»، إلى مدرسة حقيقية في الذائقة. هناك، عبر الميكروفون، كان يقرأ نصوص الشباب، يعلّق عليها، يشجع، ويوجّه. كان لحن صوته، وطريقته الهادئة، ونظافته اللغوية، تمنح النصوص تلك الهيبة التي يفتقدها كثير من الشباب عند بداياتهم. كان الجاي، من خلال ذلك، يمارس فعلا ثقافيا وبيداغوجيا نادرا: إنه يربّي الأذن على الشعر. ومن خلال هذا الدور، ساعد في صقل عشرات التجارب التي خرجت من عتمة البدايات إلى أفق الكتابة، وكثير من هذه الأسماء شكل شعراء ما يسمى بجيل السبعينيات. وقد ظلّ، طوال مسيرته، وفيا لفكرة بسيطة وعميقة: إن الثقافة ليست خطابا نخبويا، بل علاقة يومية مع الجمهور، وتواصلا مباشرا مع الناس.
واليوم، حين نعود إلى سيرة إدريس الجاي، نكتشف أننا لا نستعيد شاعرا رحل فحسب، بل نستعيد زمنا بكامله؛ زمنا كان فيه المثقف صوتا عموميا، وكان للّغة هيبة، وللشعر قدرة على تهذيب الذوق قبل أن يكون نصا مكتوبا. ولعل هذا ما جعل الجاي حاضرا حتى بعد رحيله: لأنه ترك ما هو أعمق من الديوان، ترك أثرا.

سعيد بكور: ومن أصدق من الشعر شهادة

محظوظون هم الشعراء، فقد مُنحوا هبة ربّانية تجعلهم يسكنون وجدان الناس وزوايا الذاكرة، وبطون الكتب، وقد كتب لهم أن يشغلوا الناس بما يبدعونه في حياتهم وبعد مماتهم، وذاك شيء لا يحظى به غيرهم. إذا مات الشاعر ترك شعره شاهدا عليه، مخلدا لذكراه، مسجلا للحظات عمره، ونبضات فكره، وخفقان قلبه، فيصير شاهد عدل لا ترد شهادته في وقت تُردّ فيه شهادة النقاد. ومن أصدق من الشعر شاهدا؟ لم يكن إدريس الجاي بدعا من هؤلاء، فقد ملأ الدنيا وشغل الناس بشعره، بما فيه من عنفوان وصدق وتأمل ونبض وجموح وجنوح. لقد آمن شاعرنا بصرخة العقاد «إنما الشعر وجدان»، فجعل كثيرا مما قاله منبجسا من ذاته التي تعتريها حالات متقلبة، تسجل سيرتها الوجدانية وتجاربها الخاصة بلغة خاصة، وشخصية أسلوبية متفردة أسهم في تشكيلها انصهار التجارب الشعرية الأخرى في الذات والفكر، وتشهد أغلب القصائد الوجدانية التي جعلها خالصة للتغني بالذات والتأمل الفلسفي والتوجّع بأن شعره يمتّ بصلة لحياته، مع قليل أو كثير من جموح الخيال الذي لا بد منه لكي يصير الشعر شعرا. من هذه القصائد: «الرباعيات الجديدة»، و»خريف العمر»، و»فراغ»، و»هواجس الضمير»، فكلها تصدر عن الذات وترد إليها.
يعرض الجاي في شعره حالات النفس المتقلبة، مصورا واقعه النفسي والفكري الذي لا يختلف عن الإنسان العادي الذي يحيا الشقاء مثلما يحيا السعادة، غير أن وعيه الشقي يجعله ينظر إلى الوجود نظرة جادة حادة، تخلّف له قروحا فكرية وجروحا نفسية غائرة، تمتد في كيانه لتفرز الرجّات والكدمات والصدمات.
في وجدانياته يختلف إدريس الجاي عن غيره من الوجدانيين المعاصرين، سواء في المضمون، أو صورة التعبير الحاملة للمعاني والمشاعر. لقد آمن الرومانسيون بأن الشعر صدى للشعور، لكن ذلك لم يوقعهم في التجارب المستنسخة، فالشعر في النهاية يكتسب ملامحه من أسلوب الشاعر وطريقته في النظم، وقبل ذلك من شعوره وفكره قبل أن يصير تجليا لغويا. بناء على ذلك، تشهد قصائد إدريس الجاي، بأنه يمتلك تصورا واضحا للشعر جعله يكون مفهوما محددا، فهو عنده، ابن الشعور، وابن الخيال، أو كما قال البارودي «نبض وجدان وتألق خيال»، ولا يعني ذلك الانفصال عن الحياة، ففي شعره حرص على الانفتاح على كل الموضوعات، دون استثناء أو إقصاء.
لم يكن الشاعر الرومانسي بعيدا عن الواقع منفصلا عنه، ويشهد شعر إدريس الجاي بالارتباط المتين بالواقع، الذي جعل تعبيره في كثير من القصائد يميل إلى التأمل الذي يحرص على أن يبقيه ضمن دائرة الشعر، ونراه يلبس جبة الفيلسوف، فيقوم بمراجعات وجودية يختلط فيها الشعوري بالفلسفي، وتبرز تصوره للحياة وقيمة الوجود، وهو ما يجعل قصائده دروسا في فقه الوجود، قبل أن تكون نصوصا تعبيرية جميلة. كان من الذين فهموا رسالة الشعر ووظيفة الشاعر، فكان القول الشعري عنده منفتحا على كل الاحتمالات التعبيرية، دون تعصب لمعنى محدد، ففلسفته الإبداعية قائمة على شعرية التلوين، ونراه كيف يبوح بكل ما يتحرك فيه فكره ويضطرم فيه شعوره. هذا كله يشهد بقريحة شعرية تتقن القول في كل المعاني، من دون عجز. كان يؤمن بالاختلاف الذي يؤسس لوجود الإنسان بعامة والشاعر بخاصة، وهو اختلاف يمكن أن يشهد به أسلوبه ورؤيته الشعرية ونظره إلى الموجودات، كل هذا أهّله لأن يكون شاعرا مختلفا عن غيره، وذاك سرّ استمرار شعره وتداوله وتقبّله.

نصرالدين شردال: أفق إنساني متسامح

لم يكن إدريس الجاي في شعره، شاعر قصر فقط، أو شاعر حزب أو جماعة محددة، وإنما كان شاعر رؤية قومية عربية، تمتد من المحيط إلى الخليج، وتنطلق من فاس، وقريته الجبلية الأولى في منطقة الجاية، لتعانق كل الآفاق، حيث يوجد الإنسان الطامح دوما إلى ما هو أجمل وأبهى. بالعودة إلى المتن الشعري، نجد أن الشاعر دوّن، وتفاعل مع كل الأحداث، وسجل الأفراح والأتراح، والوقائع المفصلية والمهمة في تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، على عهدي الملك محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما؛ بحيث إن جزءا كبيرا من هذا الشعر، يمكن أن يتأطر ضمن الرؤية الرومانسية التي تنوس بين العشق والحلم والانكسار، والتحدي والمواجهة والبناء. ففي كل اختياراته الشعرية ظلّ وطنيا حتى النخاع، وأغلب قصائده قيلت، أو نظمت بمناسبات وطنية؛ مثل: عيد العرش، وجلاء الجيوش الفرنسية عن أرض الوطن، وذكرى ثورة الملك والشعب، وعيد الاستقلال، وذكرى تأسيس القوات المسلحة الملكية. هذا الخط التاريخي الكرونولوجي للقصائد، ليس مجرد ترتيب زمني فحسب، بل هو تأريخ لمحطات مهمة من تاريخ بناء الدولة المغربية الحديثة، وبناء أسس الديمقراطية والتنمية والتقدم، بناء تلتحم فيه إرادة الشعب مع عزيمة ملوكه، لذا فهو ينتصر للملكية، ويشيد بفضائلها، حتى في وصفه ومدحه لملك المغرب محمد الخامس، يجعله امتدادا للتاريخ وللطبيعة في تجددها وشموخها.
وفي خضم الوطنيات والحماسيات والمدح والرثاء والوصف والغزل، والتأملات، كان الشاعر يكتب تاريخ الأشخاص البسطاء، وأحلامهم وتطلعاتهم. كما كتب القصيدة التي تؤرخ للتاريخ الشخصي، لسفرياته في الخارج، وما عاشه من أحداث، وما صادفه من أشخاص، وما عرفه من ثقافات وعادات وتقاليد، حتى أمكننا قراءة حياته من خلال شعره. فنحن نلحظ أن الشاعر كان يؤرخ للحظات من حياته، سواء في بلاد المهجر، أو في الوطن، ونحس به ينقل التجارب والمعارف والثقافات إلى شعره، بغية التأريخ للمرحلة، وتثقيف القارئ، متسامحا، وساعيا إلى بلورة أفق إنساني منفتح.

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية