إدارة رداءة اتسع خرقها على الرّاقعين

روى خبير الاقتصاد آلان مينك أنه كان في وفد أوروبي زار الصين قبل أعوام فقال لهم الرئيس شي جين بينغ وهو يبتسم: إنكم تعتقدون، معشر الغربيين، أن أساس المجتمعات هو ما تسمونه الديمقراطية. ولكنّ هناك أساسين آخرين للمجتمع، إنهما التاريخ والكفاءة. ثم زادت ابتسامته اتساعا وقال: وإننا متمكنون من كليهما! ويعلق مينك على هذا بأن الصينيين يمتازون بحسّ الزمن المديد، بحيث أن ما يُعَدُّ زمنا طويلا عند الغربيين هو زمن بالغ القصر عندهم. كما أنهم يتحلون بكفاءة فكرية وعلمية وتقنية عالية، ويخرّجون نخبا ذوات تكوين متين.
وواضح أن ما ذهب إليه الاقتصادي، في مسألة الزمن، إنما يتركز أساسا على قدرة الصينيين على التخطيط، في مجال السياسات العامة، على مدى بعيد يتراوح من ثلاثة عقود إلى خمسة على أقل تقدير، فضلا عما يتميزون به من طول نفس في مجال الاستثمارات الخارجية والتوظيفات المالية، بدليل أنهم الآن أكبر دائن للخزينة الأمريكية. ولعل هذه هي أول مرة في التاريخ العالمي تكون فيها إحدى القوتين العظميين (الولايات المتحدة) مدينة مثقلة الذمة بجبال من الديون لغريمتها (الصين) التي تهددها، بمحض صعودها الصاروخي المشهود، بقرب افتكاك الزعامة الدولية منها. ولكن المعروف أن التخطيط البعيد المدى هو من صفات معظم الأنظمة الاستبدادية المستقرة، حيث يتاح للحاكم إذا كان ذا مشروع نهضوي (اقتصادي بحت، أو حضاري عام) أن يحدد غايات وطنية يقتضي تحقيقها عقودا من العمل المدروس والبناء المنظم. ذلك أنه في حِل من إكراهات الزمن السياسي الوجيز والآجال الدستورية المحدودة ببضع دورات انتخابية (ولعل نموذج هذا الحاكم هما ستالين ولي كوان يو سابقا، وبوتين وجين بينغ حاليا. أما الطغاة العرب، من ملكيين و«جُمْلُكيّين»، فلا محل لهم من الإعراب أصلا لأن الأمر يتعلق حصرا بالمستبدين الذين يحملون مشروعا نهضويا لأممهم، وليس بحكام الاستبداد المجاني الأجوف الذين لا غاية لهم سوى التسمّر، حتى الرمق الأخير، في الكرسي الصدئ الذي سترثه العائلة بالطبع والبداهة).

النهضة الصينية المعاصرة قد تغذت، ولا تزال، بقوة الوعي التاريخي عند نخبها وجماهيرها

إلا أن ثمة معنى آخر قصده جين بينغ بإثارة مسألة الزمن: إنه ذلك المتعلق بقوة الذاكرة الوطنية. إذ الثابت أن النهضة الصينية المعاصرة قد تغذت، ولا تزال، بقوة الوعي التاريخي عند نخبها وجماهيرها، أي بحس المظلومية التاريخية والرغبة المشروعة في الانتقام الحضاري من القوى الغربية الإمبريالية، وأولها بريطانيا، التي غزتها في القرن التاسع عشر ظلما وعدوانا بزعم الدفاع عن حرية التبادل التجاري. بينما الحقيقة أن الصين قد كانت من الحذق الصناعي بحيث لم تكن في حاجة لاستيراد أي شيء من بريطانيا مطلقا! ولهذا استخدمت الإمبراطورية الاستعمارية الماكرة «دبلوماسية المدافع» (الزوارق الحربية) لإجبار الصين على فتح أسواقها للمنتجات البريطانية. ولم يكن لبريطانيا آنذاك، كما هو معلوم، من سلعة تعرضها، بل تفرضها، إلا الأفيون الذي أغرقت في لججه المظلمة بلاد الصين وغيبت به وعي أبنائها لجيلين أو ثلاثة.
أما مسألة الكفاءة فهي من الأهمية بمكان لأي نظام سياسي أيا كان نوعه. إذ إن إحدى أبرز خصائص الدولة الحديثة أن أمرها قد آل إلى نخب سياسية وإدارية وعسكرية عالية الكفاءة. ولا يزال مستوى رجال الدولة في الديمقراطيات الأوروبية، في تقدير الكاتب السياسي المخضرم آلان دوهاميل، عاليا نسبيا رغم أن كفاءتهم هي اليوم أدنى بكثير من كفاءة أسلافهم أثناء القرن العشرين. إلا أن درك الرداءة الذي انحدرت إليه الولايات المتحدة منذ مجيء ترامب قد حولها إلى استثناء صارخ إلى حد الضحك المبكي. إذ لا يكاد يوجد في الإدارة الأمريكية اليوم شخص واحد كفء وجدير بالمنصب: من وزير الدفاع الموصوم بالانحراف الأخلاقي (والموشوم بعلامة الكفر) إلى وزير الصحة المسلّح ضد أنوار العلم بظلمات الخرافة والوهم.
وقد تجلت أحدث آيات الرداءة عندما التقى ترامب ببوتين في ألاسكا. فقد كان الفارق بين الوفد الروسي والوفد الأمريكي واسعا سعةَ الفارق بين صلابة المحترفين المجربين العارفين بفنون الدبلوماسية وبدقائق الملفات وبين هشاشة الهواة الأغرار الارتجاليين الخابطين خبط الغريق. ومن جماليات رداءة فريق ترامب أن الإهمال بلغ بهم حد نسيان الأوراق السرية المتعلقة باجتماع قمة ألاسكا. معقول؟ أي نعم! لقد تركوها خلفهم في جهاز الطباعة العمومي في الفندق! ولما فاح الخبر لم يكن من إدارة الرداءة إلا أن هوّنت الأمر بكل استخفاف مثلما فعلت عقب كل من السقطات الفاضحات السابقات.

كاتب تونسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية