إبدالات الممارسة التنظيرية

تستدعي المسألة التدبيرية التي يحاصر الكائن بملحاحيتها، سواء في مجالات الفكر أو المعيش، توافُرَ شروط الانتقال بموضوعها من مستوى الفرضيات التخمينية، إلى مستوى التنفيذ الفعلي والعملي، المتوج براهنية مردوديته. والمقصود بشروط الانتقال، مجموع تلك القوانين التنظيمية، المساهمة في إشاعة أجواء موضوعية ومتكاملة، من التفاعل العام والمشترك. علما أن القوانين التنظيمية، هي الأصل في بناء الأنساق، التي تأخذ شكل ترسيمات توجيهية، تستأنس بها الذات خلال تدبيرها لشأنها المعرفي، أو الحياتي، ذلك أن الإشكال المطروح باستمرار في هذا السياق، ذو طبيعته فلسفية، قوامها حتمية وجود خيط ناظم، لمختلف التشكلات والدلالات المادية والرمزية، التي يحفل بها الواقع، مهما بدت متنافرة ومتعارضة وعصية على التآلف والتكامل. فلهذا الخيط الناظم فقط، يعود الفضل في بناء أنساق مستوفية لمقوماتها الدلالية، التي يستمد منها الوجود الإنساني جدواه ومعناه، ويتعذر من دونها استيعاب ما يحدث داخل الذات أو خارجها.
وغني عن القول، إن الأفق الذي يتطلع الإطار النظري إلى استشرافه، يتمثل في الارتقاء بفاعليته الإجرائية، إلى مستوى ما يستدعيه بناء النسق المنتج للمعنى من متطلبات، يمكن إجمالها في صيغة قوانين، تسري أحكامها على المتعاملين بها. علما بأن طبيعة القانون في السياق النظري الذي نحن بصدده، لا يتجاوز حدود الفرضية المراوحة عادة بين إمكانية تحققها على أرض الواقع، واحتمال فشلها. وضمن هذا المنطق المراوِح بين حديه المتناقضين، سيكون من الضروري وضع الفرضية في سياقها الموضوعي، باعتبارها محض عامل مساعد، قد تنجح وساطته كما قد تفشل، في ضبط خصوصية الموضوع، وتعيين آليات اشتغاله.
ومن الواضح أن إشارتنا هنا، تتوجه إلى القناعات المتطرفة في اعتدادها بالمرجعية النظرية، على خلفية التعامل معها بوصفها سلطة متعالية، لا مناص للباحث من امتثاله لتعاليمها، وتسليمه بما تنتهي إليه من خلاصات واستنتاجات.
إذ رغم إقرارنا المسبق، بجدوى وضرورة استحضار المعرفة النظرية في القطاع الأكاديمي، سبيل المثال لا الحصر، لما تتميز به من مردودية ملموسة في إغناء الكفايات التطبيقية لدى الباحثين، إلا أننا لا ننفي جاهزية تحولها إلى أداة تهجينية وتلفيقية، تسيء إلى موضوعاتها، أكثر مما تحسن إليها، كلما طالتها أيدي القاصرين، المتهافتين على توظيفها في مقاربات تطبيقية، تفتقر إلى حدها الأدنى من شرط الموضوعية العلمية.
ذلك أن الحد التطبيقي، يعتبر في حد ذاته المحك المؤهل بامتياز، للكشف عن أعطابها، بالنظر إلى تعدد المزالق المعرفية الحافة به، بفعل سوء استيعاب الخطاب النظري، المؤدي حتما إلى سوء توظيف مقوماته. فضلا عن احتمال تنافر المقومات ذاتها، مع خصوصية المقومات النصية المعتمدة في المقاربة. والملاحظ أن الخللين معا يهيمنان بشكل كبير على مجمل السياقات، التي دأبت فيها الفعالية التنظيرية على اختبار نفوذها التطبيقي. ومرد ذلك، وجوبُ تماسك البناء النظري، على قاعدة انسجامه مع مجموع البنيات النصية المعنية بمساءلته، حيث تتحقق وبصورة جدلية، تلك الاستجابة المتبادلة بين الطرفين.
ولعل الأصل في هذه الأعطاب، يعود إلى لعنة المحاكاة التي تضيق معها مساحة التفكير الحر، والإبداع الخلاق. لعنة، تقنع برتابة العزف على الأوتار الجاهزة سلفا في الذاكرة، كي يستعين بها «الملعون!» على تخطي ما تراكمه الصدفة والضرورة في طريقه من حواجز، حيث يجد في المحاكاة الحل التلقائي لتوظيف خطاطة جاهزة، تعفيه متاعب الاجتهاد العقلي، وملحقاته. كما لو أن الأمر يتعلق بمدرسة كونية، تُلزم فيها الذات بترديد ما يتم تلقينها به من تجارب، وقيم، ومفاهيم. ما يعني استمرارية مراوحة المقولات في دوائرها المغلقة. وهي الحالة التي تتظافر فيها كل من جهود السلط المهيمنة، قصد إجبار المعنِيِّ، على تفعيل أسئلته، خارج حدود اقتراحاته واجتهاداته الشخصية، فالسلطة بمختلف تلويناتها المعرفية، لا تملك من سعة الصدر ما يسمح لها بفتح حوار حر، منفتح مع المؤشرات المفضية ذاتيا إلى أطياف الحقائق. بمعنى أنها تتدخل بشكل مباشر من أجل إجبار الحقيقة المعرفية، على الحديث بلسان منهاجيتها ولغاتها ليس إلا. ومع ذلك، وفي جميع الأحوال، تظل مصداقية الإطار النظري، منوطة بعمق الاطلاع المعرفي الذي يشمل كل الإشكاليات الحافة به، بما تعنيه الكلمة من توافر شروط الارتقاء بديناميته من مستواها السكوني، إلى آخر محكوم بحركيته المنفتحة، على ممكنات القول ومحتملاته. علما بأن الشيء/الموضوع، يتميز بحقائقه المتجددة، المؤثرة في تجدد وظائفه وآليات تكوينه، ما دامت خصوصية الشيء، هي التي تتحكم في اختيار الإطار النظري المؤهل لمقاربته. وطبعا، دون استبعاد إمكانيات الاستفادة من الخلاصات التي تمدنا بها منهجيات الموضوعات المحايثة، خاصة إذا ما نحن تعاملنا مع المعرفة، باعتبارها أداة إجرائية لتأمين فرص تحقيق حضور البحث الذاتي، في مختلف السياقات التي يوجد فيها. ولعل أكثر القضايا إثارة للانتباه بالنسبة للمعرفة، إبطالها لحركية البعد الدياكروني المتحكم في سيرورة الزمن الإنساني، ذلك أنها تنتج زمنها الخاص بها، والذي يأخذ شكلا دائريا، قوامه استحداث روابط تقنية بين الأنساق المعرفية، مستبعدا نتيجة ذلك، شرط الحركية الذاتية، على حساب تثبيت الحركية المعرفية، بوصفها قيمة متعالية عن شروطها التاريخية المنتجة لها. في حين، ينبغي النظر إلى التحولات النظرية، بوصفها امتدادا للتحولات الدلالية التي يمر بها الشيء/الموضوع، وليس العكس.
ولنا أن نستحضر في هذا السياق الممارسة الإبداعية، المتميزة بتنكرها المطلق، للسلط الاحتكارية، التي يمارسها المنهج على موضوعه، خاصة حينما يأخذ بعدا عقديا، أو عرقيا، أو جغرافيا، حتى، بذريعة التأكيد على هوية ما. حيث يتم كل ما يمكن قوله، عبر أحد هذه الوسائط، باعتبارها المنابر المركزية للقول والتفكير. وأيضا بذريعة أن ما عداها، سيظل بالقوة وبالفعل، أسير خانات الهوامش، لا أقل ولا أكثر.
وهي بالنسبة لنا رؤية تمارس حضورها عبر تحريرها لمقارباتها، من وصاية أي سلطة فعلية أو رمزية، تجبرها على التحيز المعلن أو المضمر، إلى منظومة نظرية دون أخرى. وضمن إصرارها المبدئي، على ممارسة شرط هذا التحرر، لا يبقى ثمة مجال لترجيح كفة أي توجه منهاجي، مهما بلغت مقولاته من الدقة والصرامة. إنها أيضا وبهذا المعنى رؤية مؤطرة بسلطة مضادة، هي سلطة الشك الإيجابي والبناء، الخبير بمساراته ومسالكه، والموجه بحسه النقدي المفارق جذريا لـ»النقد» المجاني، الموظف عادة في صراعات التحريف المبيتة، المتبادلة عادة بين المواقف المسكونة بهاجس الهيمنة والإقصاء. إنه /النقد الإيجابي والمعقلن، ليس بوصفه محض إطار منهجي مقترن بوقائع معرفية محددة، بقدر ما هو سؤال يعلن عن فاعليته، حيث تقتضي الضرورة المعرفية، تجاوز واقع البنية المستنفدة إلى إبدالاته. إنه بهذا المعنى، عامل بنائي بامتياز، به يتحقق التواصل المغاير، والهادف إلى الكشف عن الوجه الغائب للشيء، من خلال تعريضه لضوء القراءة المتسائلة. وبالتالي، فإن النقد العقلاني هنا، يعني حضور ذلك الإطار المنفتح، الذي تنتظم فيه التعاقدات المستقبلية، المشبعة بروح الإبداع، الذي يتجدد به سياق البحث والسؤال، بدل أن يأخذ شكل إطار إسمنتي، مقيد ببرودة المحاكاة التلفيقية، المنغلقة على ثوابتها.

شاعر من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية