أي دولة نريد لسوريا؟

حجم الخط
0

تقف سوريا اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخها السياسي والاجتماعي، فبعد سنوات طويلة من الاستبداد والعنف والانقسام، يواجه السوريون، شعباً وحكومة انتقالية، سؤالاً مصيرياً لا يحتمل الغموض، ولا التسويات المؤقتة: أي شكل من الدولة نريد؟ هل نريد دولة دينية، أم دولة قانون ومواطنة؟
هذا السؤال يجب أن لا يُناقَش تحت تأثير نشوة التغيير، أو اندفاع المشاعر، بل بعقل راجح ومسؤول، لأن نتائج هذا الاختيار ستحدد مستقبل سوريا لأجيال قادمة. علينا أن ندرك أن النظام البائد لم يكن قائما على تفضيل طائفة معينة كما يعتقد الكثير من المشحونين عاطفياً. كان النظام يستخدم كل شيء من أجل بقائه في السلطة وامتصاص دم الشعب للحصول على أكبر قدر من المكاسب المادية، لذلك خلق طبقة من المنتفعين والفاسدين من كل الأديان والطوائف، لتكون أساس حكمه الفاسد وعرف كيف يستخدم ورقة الأقليات العددية، كي ينشر الكراهية بين مختلف مكونات الشعب السوري، وينصب نفسه حامياً لهم، وهذا ما صور الغالبية العددية و كأنها وحش يتأهب للانقضاض على البقية.
من أكثر المفاهيم التي أُسيء فهمها في الخطاب العربي هو مفهوم الدولة العلمانية. فهي لا تعني، كما يُشاع، دولة ضد الدين أو معادية للإيمان، بل تعني ببساطة حياد الدولة تجاه الأديان، لأن الدولة العلمانية، دولة لا تتبنى ديناً رسمياً كمصدر للشرعية السياسية، ولا تجعل الانتماء الديني شرطاً للمواطنة الكاملة.
فصل الدين عن الدولة لا يعني تسويق الإلحاد أو إقصاء الدين من المجتمع، بل يعني تحرير الدولة من الوصاية الدينية، وتحرير الدين من التوظيف السياسي وحمايةً للمجتمع من احتكار الحقيقة باسم المقدّس. الدين يبقى حياً في الضمير، والعبادة، والثقافة، والقيم الأخلاقية، لكنه لا يتدخل في تحديد حقوق المواطنين أو واجباتهم، ولا في صياغة القوانين أو إدارة القضاء، أو رسم السياسات العامة. هذا الفهم يتوافق مع المبادئ الدولية لحقوق الإنسان، ولاسيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد المساواة بين المواطنين وحرية الاعتقاد والضمير دون تمييز ديني أو مذهبي.

بناء سوريا المستقبل يتطلب شجاعة فكرية وأخلاقية، لا شعارات عاطفية ويتطلب احترام الدين بإبعاده عن الصراع على السلطة، واحترام الإنسان بوضعه في قلب الدولة

في المقابل، تقوم الدولة الدينية على جعل الدين، أو تفسير معين له، أساساً للسلطة السياسية، ومصدراً للتشريع، ومرجعاً للقضاء، ومنطلقاً للسياسات الداخلية والخارجية، وموجهاً لمناهج التعليم، ومحدداً للأسس الأخلاقية للعلاقات الاجتماعية، حتى لو أنكرت ذلك. فالمشكلة الجوهرية في الدولة الدينية ليست في الدين ذاته، بل في تحويل الإيمان إلى أداة سلطة، وبالتالي يمكن أن يصبح العصا التي تستخدمها السلطة ضد كل من يعارضها. فكل دولة دينية، مهما ادعت الشمول أو التسامح، هي في جوهرها دولة طائفية، لأنها تقوم على طائفة، أو تفسير محدد للدين، أو مدرسة فكرية دينية ترفض المدارس الأخرى، أو حتى تكفرها، وتمنحها امتيازاً سياسياً وقانونياً على غيرها. في مثل هذا النموذج، يصبح المختلف، دينياً أو مذهبياً أو فكرياً، موضع شك دائم، حتى لو كان من أبناء الدين نفسه. في الدولة العلمانية حين يكسر أي شخص القانون، فهو يسيء إلى الدولة ويحاسب الجميع حساباً واحداً، ولكن في الدولة الدينية، حين يكسر شخص الشريعة فهو يسيء إلى الله بشكل مباشر فيصبح الحساب مقيدا بما تأمر به شريعة الدين الحاكم، حتى لو كان هذا الشخص لا ينتمي إليه، ويصبح الناس الذين لا ينتمون لهذا الدين، مجبرين على إطاعة شريعة إلهية هم لا يؤمنون بها، وهذا ما يمنعهم على سبيل المثال من الانخراط في الجيش، أو الشرطة، لأن المؤسستين تصبحان مؤسستين عقائديتين تنتميان إلى طائفة معينة. أثناء العرض العسكري بمناسبة الاحتفال بمرور السنة الأولى لسقوط النظام البائد، كانت هنا هتافات إسلامية بحتة، تقصي بالضرورة اي إنسان غير مسلم من الالتحاق بهذا الجيش ولا يجعل هذا الجيش درع الوطن، الذي على عاتقه حماية كل مكوناته.
الشرعية لا تُمنح باسم الله، بل تُبنى على الدستور والقانون وإرادة المواطنين الأحرار، فالدولة الدينية لا تستطيع أن تمنح حرية الاعتقاد الحقيقية، لأنها تفترض امتلاك الحقيقة، وتحوّل «حماية الأديان» إلى وصاية، لا إلى حرية، وبهذا، تُنتج ثقافة خوف وهيمنة، لا ثقافة مواطنة وثقة. ما يؤدي بالضرورة إلى:
*تهميش الأقليات الدينية والإثنية.
*إقصاء المختلف حتى من داخل الدين الواحد.
*تقليص حرية الاعتقاد إلى «حماية شكلية» دون حرية حقيقية.
*خلق ثقافة الخوف والهيمنة بدلاً من ثقافة المواطنة.
*خلق مبررات دائمة للتنصل من فكرة مداواة السلطة.
الفيلسوف السياسي جون رولز يؤكد أن الدولة العادلة لا يمكن أن تُبنى على عقيدة شاملة واحدة، دينية كانت أم أيديولوجية، بل على إطار قانوني محايد يضمن التعددية والحقوق المتساوية، لذلك لا يوجد شكل محدد للديمقراطية، التي يمكن تطبيقها في أي مجتمع، مداواة السلطة يجب أن يخرج شكلها من قلب المجتمع لتأخذ شكله وتحمل همومه وآماله وآلامه. دولة المواطنة تتبع البرنامج السياسي الذي ينتخبه الناس، لذلك تكون السلطة التنفيذية مسؤولة مباشرة أمام الشعب، أو ممثليه. هذا الأمر يصبح شبه مستحيل ومحدودا جدا ضمن إطار الدولة الدينية.
عندما نتحدث عن المواطنة، فإننا نتحدث عن علاقة قانونية متساوية بين الفرد والدولة، لا تمر عبر الدين أو الطائفة أو الإثنية. المواطنة تعني أن: الحقوق لا تُمنح بسبب الإيمان، والواجبات لا تختلف بسبب العقيدة، والحرية السياسية وحرية الاعتقاد مصانتان للجميع دون استثناء. في هذا السياق، فإن أي مظهر سياسي ديني رسمي، كإلقاء خطاب سياسي في مكان عبادة، أو طلب الطاعة باسم الدين، كما حدث في سوريا، يتناقض جوهرياً مع مفهوم دولة القانون والمواطنة، حتى لو رُفع شعار الوحدة أو الأخلاق أو القيم. الدولة، بكل ممثليها، لا تطلب الطاعة، بل تضمن الحقوق وكرامة جميع المواطنين، والشرعية تُستمد من الدستور والقانون والإرادة الحرة للمواطنين.
لا توجد دولة «هجينة» تجمع بين الدولة الدينية ودولة المواطنة. هذا وهم سياسي خطير ومدمر خصوصاً في مجتمع متعدد كما الحال في سوريا. فإما أن تكون الدولة محايدة تجاه الدين، أو تكون دولة دينية، أما مسك العصا من المنتصف فهو وضع مريض وخطير يشرعن الطريق الى الديكتاتورية ويبقي جروح الانقسام الاجتماعي في سوريا مفتوحة ومؤلمة. فإما أن يكون كل مواطن متساوياً أمام القانون، أو يكون مصنفاً حسب انتمائه. القرار الذي يواجه سوريا اليوم ليس تقنياً ولا مؤقتاً، بل وجودي: هل نريد دولة تحمي الإنسان بصفته مواطناً، أم دولة تصنفه بصفته تابعاً طائعاً؟ إن بناء سوريا المستقبل يتطلب شجاعة فكرية وأخلاقية، لا شعارات عاطفية، ويتطلب احترام الدين بإبعاده عن الصراع على السلطة، واحترام الإنسان بوضعه في قلب الدولة. فبعد سنة على التغيير وسقوط نظام القمع والفساد علينا أن نصحو ونفكر جدياً بشكل الدولة التي نريدها أن تجمعنا. هذه ليست معركة ضد الإيمان على الإطلاق، رغم الكثير من الأبواق التي تحاول جاهدة أن تروج لمثل هذه الأفكار، بل معركة من أجل الحرية والكرامة والعدالة، لأن احترام الدين يمرّ عبر إبعاده عن الصراع على السلطة، واحترام الإنسان يمرّ عبر دولة تحمي حريته وكرامته دون شرط، لقد عاش الشعب السوري بأسره عقودا من القتل والتنكيل، ويستحق اليوم أن يعيش بكرامة المواطنة التي تضمن له حرياته المغتصبة وتؤكد له حرصها على مداورة السلطة. هذه ليست معركة ضد الإيمان، بل معركة من أجل مستقبل سوريا. ومن دون دولة قانون ومواطنة، سيبقى الخوف أقوى من الأمل، مهما تغيّرت الأنظمة. ومن دون دولة قانون ومواطنة، ستبقى سوريا أسيرة دوائر الخوف والانقسام، مهما تغيّرت الوجوه والأنظمة.

مدير مؤسسة «وعي» – بريطانيا

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية