من يذكر ذاك الذي كان اسمه كازينو بيسين عاليه، ذاك أنه حتى غوغل نفسها، بذاكرتها الهائلة، ستداور وتتردّد حين تُسأل عن ذلك. قال لي أحدهم إن المكان ما زال موجودا، لكنه خالٍ من أثر الحشود، التي كانت تأتي لحضور الحفلات، التي كثيرا ما أطنب التلفزيون في الإعلان عنها. تقول غوغل، إن عبد الحليم حافظ أحيى حفلة في البيسين سنة 1974، أما مرجع الخبر فهو عبد الحليم وليس البيسين، وهذا ما لن تُلام غوغل عليه بعد أن تلاشى ما كان عليه البيسين مع رجوع نجومه إلى بلدانهم وقضاء ما تبقّى من أعمارهم فيها.
كان لبنان جميلا آنذاك، عبد الوهاب كان كثيرا ما يتكلّم عن محاسنه التي منها أنه البلد الوحيد الذي تستطيع فيه أن تعيش الفصول الأربعة في نصف ساعة، وأن بشره مرنون في التعامل، إذ تتيح مطاعمه للزائر أن يبتكر مواصفات أكلةٍ ليقوم شيف المطبخ بإعدادها على الفور. أما إعجاب هؤلاء بلبنان فكنا، في تلك الأيام، نعرفه ونتابعه. نعرف مثلا أن عبد الوهاب أتى مصاحبا زوجته نهلا القدسي هذه المرّة، وأن أحمد شوقي، من قبله، أحب زحلة ونظم لها قصيدة يا جارة الوادي غنّاها عبد الوهاب ومن بعده مغنيات ومغنّون آخرون. وحين رجع شوقي من زحلة إلى بيروت، كانت علاقته تتسع مع أهل البلد إلى حدّ أنه، هو أمير الشعراء العرب، نظم بيتين في مديح بائع حلوى ما زال رسمهما معلقا على جدار أحد محالّه.
شتورة أيضا كان لها نصيب من حضور النجوم، رغم أنها لا نهر فيها. كثيرا ما كانت الصحف تذكر اسم شتورة وحفلاتها في تلك السنوات. كان ذلك يرجع إلى فنادق تلك المدينة ربما، أو إلى نجيب حنكش الذي كان يستقبلهم فيها ليرافقهم من هناك إلى زحله، كما إلى بديعة مصابني، التي عادت من القاهرة لتقيم فيها ولتفتتح، بعد المجد الذي حظيت به في القاهرة وفي العالم، محلا للألبان والأجبان أقامته على الطريق العام الذي يسلكه الذاهبون إلى دمشق.
لكن بدلا من أن يدفعنا تبدّل الزمان إلى خيبة الأمل، رحنا نجد شيئا سحريا يكتنف هذه الأمكنة. كنا نحسّ بأنفسنا متطابقين مع ما يقال عن بلدنا. في مرة، وأنا عائد مع أهلي من بحمدون، التفتّ إلى بيروت تحتي، وكانت مضاءة في ذلك الليل، وقلت، كأني أخاطب نفسي: بيروت لؤلؤة على المتوسّط. «ماذا قلت؟» سألني أبي، وأنا لم أُعِد ما قلته لخجلي غالبا من التكلّم بالفصحى، بل بما فوق الفصحى، لكون الموضوع يتعلّق باللؤلؤ الذي لم أكن قد رأيت ولو حبّة من حبّاته، وبالمتوسط الذي لم أكن أعرف منه إلا ذلك الجزء من شاطئه، هناك كنت أسبح في منطقة المنارة.
كنا نحبّ لبنان لأن نجومنا يحبّونه. وهم، إلى ذلك، عيّنوا لنا المناطق التي تُحبّ فيه. قال عبد الوهاب في المقابلة مع ليلى رستم إنه، في سنة إجراء المقابلة تلك (1966)، أقام أربعة أشهر متواصلة في لبنان، قال إنه يحبّ المصايف مسمّيا منها عاليه وبرمّانا وبكفيّا. وهو، لطول مدة إقامته، قام بتلحين أربع أغنيات أو خمس أغنيات غنّـت فيروز ثلاثة منها بينها أغنية «مرّ بي» لسعيد عقل وأغنية أخرى غنّاها هو.
تلك كانت سنوات السعادة القليلة في أعمارنا، أحببنا فيها لبنان إلى حدّ أن أسماء مصايفة ظلّت برودتها منعشة إلى ما بعد انقضاء سنوات كثيرة عليها. هذا مع إنني لم أحضر من حفلات النجوم حفلة واحدة، ولم أسمع مغنيّا يغني أمامي مباشرة (Live) كما يقال بلغة هذه الأيّام. ولم أعرف أين هو في عالية الكازينو الذي اسمه بيسين عاليه. ومع هذا كلّه أجدني كثير الترحّم على ما كانه لبنان «في أيامنا».
هل يعني هذا أنني بقيت هناك، أعني في ذلك الزمن، ممتنعا عن حضور المهرجانات التي باتت الآن كثيرة، والتي بات متاحا لي حضورها. تلك الأغنيات الجديدة لا تؤثّر فيّ رغم أن جمهورها يبدو مهولا حين يجري تصويره في كاميرات الدرونز المسيّرة. لم أكن في مرّة واحدا من بين أولئك الآلاف، أو عشرات الآلاف الذين يقضون الثلاث ساعات أو الأربع ساعات، قائمين قاعدين من شدّة انذهالهم بما يسمعونه.
هل يعني هذا أنني أبقيت نفسي هناك تاركا للأجيال الجديدة أن تحظى بفرصتها، كما حظيت أنا بفرصتي.