بالنظر للأدوار الأساسية، التي تضطلع بها شبكات التواصل في توسيع وتعميق النقاشات الدائرة حول مختلف القضايا المستأثرة باهتمام الرأي العام، سيكون من الطبيعي اعتبارها إحدى أهم المداخل المعتمدة في قراءة الواقع الثقافي، على أساس أواصر العلاقة القائمة بينهما.
وكما هو معلوم، فإن واقع الشبكة يتميز بتعدد نماذجه، التي يستقل كل منها بمجالات انتظاراته، وآليات اشتغال لغاته، واستراتيجياته، ما يعني أن الحديث عن الخيط الناظم لما يسعه من تشابكات /تكتلات، يتمحور تلقائيا حول ما ينسجه من علاقات قراباتية خفية ومعلنة بين أعضائه. والجدير بالذكر، أن العلم بأسرار الشيفرات المتحكمة في تنشيط وتوجيه مسارات هذه العلاقات، يظل وقفا على نوايا المتشابكين، ذلك أن طبيعة الشيفرة تنسجم مع حركية مجالها المراوح عادة بين انفتاحه على غيره أو انغلاقه، انطلاقا مما يستحدثه السياق من قرابات. هكذا تبدو الشبكة حاضرة بالقوة وبالفعل، متربصة بنزول خبر، حكاية، فكرة، موقف، أو حدث، كي تعيث فيه تقليبا وتشريحا، بانتظار سقوط المزيد من محفزات التشبيك، وتنامي المزيد من حيثيات تفعيله.
تأسيسا على ذلك، يحق التساؤل عن هوية المجال الحاضن للشبكة، فهل ينبغي النظر إليه بوصفه واقعا افتراضيا، أم ينبغي توسيع إطاره ليشمل الواقع المجتمعي، بما يعنيه ذلك من تساؤل عن علاقة قوانينه التواصلية، بالقوانين المتواضع عليها في الحياة العامة. وفي اعتقادنا أن مفهوم الشبكة، يستمد دلالته الموضوعية، من حركية أو سكونية الفضاءات الاجتماعية والمعرفية، التي يوجد فيها، حيث تقتضي الضرورة مراعاة الخيط الرابط بين كل من المكون الافتراضي، والمكون الواقعي، على ضوء العلاقة التفاعلية القائمة بينهما، باعتبار أن أفق الوسائط التواصلية، يستمد مشروعيته من انفتاحه على المعطيات المادية والملموسة، التي يتميز بها الأفق المجتمعي، إذ ضمن هذا الانفتاح المتبادل، تتشكل الأنساق الدالة على هوية اللحظة الثقافية، التي يتسم بها مسار مجتمعي ما. كما أنها تتشكل بقوة ما قد يتميز به هذا الانفتاح من تكامل وثراء، يرتقي الفعل التواصلي بموجبه إلى مكانته المعرفية المطلوبة. وهو الإطار التواصلي الذي يتم بمقتضاه نقل الإشكاليات السياسية والاقتصادية والثقافية من سياق تداولها الواقعي، إلى سياق الشبكة التواصلية، حيث يتولى المستخدمون إعادة إنتاجها، على ضوء إخضاعها لنقاشات نقدية، متحررة من سلطة المؤسسات الرسمية، ومن قوالبها المسكوكة. علما بأن هذا الإطار المزدوج الحدين، والمعبر عنه بتفاعل الواقعي والرقمي، يتميز في الفضاءات الديمقراطية، بتوازنه وتكامله، حيث تحظى المعلومة بحياتين، أو بالأحرى بوجُودَين، يتماسان ويتقاطعان، دون أن يلغي أحدهما الآخر، ودون أن يستأثر أي منهما بِادِّعاء الحقيقة المطلقة، أو الحسم في اتخاذ القرار، كما هو الشأن بالنسبة للفضاءات الحداثية المعززة بقيم الحرية والديمقراطية، حيث يكون الأفراد والجماعات على السواء، في حِلٍّ من عُقد الخوف، والرقابة الذاتية التي تحول بينهم وبين حقهم في إعمال الفكر، وفي إبداء الرأي، أو طرح السؤال.
ويتعلق الأمر هنا بالتقاليد الراسخة، والمتجذرة في تربة الحياة اليومية، المؤثرة بشكل خلاق في تكريس الدينامية الإيجابية لفعل التواصل المتبادل بين فضاءين منفتحين على بعضهما، حيث يؤثر تجاذبهما المشترك في ملء تلك البياضات، الناتجة عن تراكم حالات الالتباس التي يحدث أن تطال إشكالا ما من الإشكالات المجتمعية، بصرف النظر عن طبيعته السياسية الثقافية أو الحضارية. فضمن هذا الواقع الموسوم بخصوصيته التنويرية، تمتد كما تتفرع قنوات وظيفية، ومتلاحمة بين المعيش والافتراضي، ما يساهم في تجسير الهوة الفاصلة بينهما، مؤثرا بشكل بناء في بلورة خطابات، آراء، ومواقف، تنعكس إيجابيات حمولتها المعرفية على الإيقاع العام لحياة الشرائح المجتمعية.
غير أننا، وفور استحضارنا لهذه المسلمات، بغية مقاربة علاقة الحياة المتاحة في شبكات التواصل الاجتماعي، بالشروط الثقافية والحضارية الخاصة بواقعنا، فإننا لن نلبث أن نصاب بخيبة أمل كبيرة، بفعل تلك الهوة العميقة الفاصلة بينهما. ذلك أن هذا الواقع يعيش تحت رحمة الأنظمة المسكونة بهاجس استمراريتها وبقائها، والتي يحتل الهاجس الأمني مركز الصدارة من أولوياتها التدبيرية. إنها المتحكمة الأولى والأخيرة في وضع كل التصاميم والمخططات الكفيلة بتأمين كيانها الداخلي والخارجي، بما في ذلك تأثيث المشهد بالفسيفساء السياسية المنسجمة مع توجهاتها. هي وحدها المعنية بتحمل مسؤولية التفكير والإنجاز، وليس للشعوب سوى تأكيد قابليتها المطلقة لتبني مشاريعها. فما من مجال حقيقي، للحديث عن رأي عام، قد يساهم في تنشيط الحوار، أو يسمح باستجلاء واقع الاختلاف الذي تصنف بموجبه المنهجيات المعتمدة في ترسيم السياسات القطاعية .أيضا ليس سوى التربص المبيت، بكل ما من شأنه الإخلال بقوانين هذه السلط.
ففي ظل هذا الواقع القمعي واللاحضاري، سيكون من الطبيعي أن تنعدم أي مردودية محتملة لوسائط التواصل. مع التأكيد على أن انتشارها في أوساط الخاصة والعامة المهووسة باستهلاك مقتنيات الحداثة، لا يعني بالضرورة تخلص مستخدميها من واقع التخلف، باعتبار أن الاستفادة من الخدمات التقنية التي يوفرها لنا المنجز الغربي، لا تعني بالضرورة حتمية انتمائنا إلى أزمنته الثقافية والحضارية. ومع ذلك، فإن تأملنا في الصيغة المأساوية التي يتم بها توظيف الشبكة، سيمدنا لا محالة، بغير قليل من خصائصها. ولنا أن نشير في هذا السياق، إلى القطيعة المطلقة الملاحظة بين لغاتها، وبين لغات الواقع المعيش، والناتجة عن تلك المفارقة القاسية، التي تتسع فيها الشبكة للمزيد من إبدالات الوهم، كلما ضاق الواقع بتتالي إجهاضاته.
وهي المفارقة التي تجعل الشبكة مفتوحة على كل الاحتمالات، في طقس تسوده حرية ملغومة، تؤثر بشكل أو بآخر في إنتاج ذوات بأمزجة ملتبسة، هي مزيج من المداهنة، الحيرة، وإكراهات التماهي والتفاعل القسري، مع اللغات الدائرة في فلكها. إن الذات في قلب هذا المحفل المغلق، مدعوة للاستسلام إلى رياح وتيارات لا وجهة معلومة لها. كما هي مدعوة للوجود وسط دوامة عاصفة من الأحكام المبتسرة، والقضايا المرتجلة، داخل نهر يصب فيه أكثر من مجرى، وتتنازعه أعداد لا حصر لها من الضفاف.
تلك هي ملابسات اغتراب مطلق، داخل حشود دوامية، يختلط فيها المعلوم بالمجهول، وفائض الكلام بفائض المعلومة، ووفرة الامتلاء، بوفرة الخواء.
بهذا المعنى، تتحول الشبكة إلى منفى طوعي، يمارس فيه المنفيون حياتهم الافتراضية، بفعل يأسهم من الشروط القمعية المسلطة على رؤوسهم. كما أنها فرصتهم السانحة للاستمتاع – ولو مؤقتا – بوهم وجودهم الافتراضي، حيث يتبادلون في كنفها دفء الإحساس بحق امتلاكهم لمكانة اعتبارية، تحقق لهم ما قل من الامتداد الرمزي في هوامش الحياة العامة. إنها وبفعل فضائها الاستعاضي، الملاذ النموذجي لذواتهم المحتفى بمركزيتها، والتي أمست خلسة ودونما سابق إنذار، مصدرا ممكنا من مصادر القرار، والمعرفة، ضدا على جحود الواقع ونكرانه.
أيضا، إنها – وعلى سبيل المواساة – الساحة التي لا تغرب عنها الشمس، وفضاء من لا فضاء له. فضلا عن كونها البديل الحتمي للمنصات المحظورة، والمحتكرة من قِبل دواليب النظام، وللمعيش أن يظل سادرا في غيِّ ظلماته التي لا تعِد حاليا ببزوغ أي كوكب محتمل من كواكب الخلاص.
شاعر من المغرب