أوروبا تستهجن قلق ترامب على هويتها بسبب الهجرة وتقليله خطر روسيا

حسين مجدوبي
حجم الخط
0

أن واشنطن لم تعد تعتبر أوروبا حليفا جماعيا بقدر ما تجزئ هذا المفهوم إلى مجموعة من الحلفاء وليس ككتلة.

لندن ـ «القدس العربي»: نشر البيت الأبيض خلال الأسبوع الماضي وثيقة «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي» التي تقدم تصورا بشأن مكانة الولايات المتحدة في العالم وكيف تدافع عن مصالحها ونوعية حلفائها وشركائها، وتبقى المفاجأة الكبيرة هي الطريقة التي تقدم بها أوروبا كفضاء ثانوي تابع لها ويعاني من مشاكل قد تعصف بالحضارة الغربية في القارة العجوز، وتدعم اليمين القومي المتطرف. وينتفض الأوروبيون في وجه هذه الوثيقة ويتساءلون عن مستقبل العلاقات مع واشنطن.
في هذا الصدد، خصصت الوثيقة حيزا هاما للقارة الأوروبية بحكم أنها الشريك الرئيسي للولايات المتحدة، فهما معا يشكلان الغرب بمفهومه الكلاسيكي، وهما يشكلان منظمة شمال الحلف الأطلسي. وعنوان الحيز المخصص لأوروبا دال للغاية فهو «تعزيز العظمة الأوروبية»، بمعنى تراجع أو تدهور وضعية القارة الأوروبية في العالم. تقول الوثيقة: «اعتاد المسؤولون الأمريكيون على التفكير في المشكلات الأوروبية من منظور نقص الإنفاق العسكري والركود الاقتصادي. هناك بعض الحقيقة في ذلك، ولكن مشاكل أوروبا الحقيقية أعمق من ذلك بكثير. فقدت أوروبا القارية حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي- من 25 في المئة عام 1990 إلى 14 في المئة اليوم- ويرجع ذلك جزئياً إلى القوانين الوطنية والعابرة للحدود التي تقوّض الإبداع والاجتهاد. لكن هذا الانحدار الاقتصادي يختفي أمام الاحتمال الأكثر خطورة وهو محو الهوية الحضارية».
وتعدد الوثيقة التحديات التي تعاني منها أوروبا وتتجلى في تقويض الاتحاد الأوروبي للسيادة الوطنية للدول الأوروبية، ثم تبني سياسة هجرة غير مناسبة تؤثر على الهوية إلى مستوى محو هويتها. ويجري التركيز على الهجرة كثيرا إلى مستوى جعلها خطرا على القارة العجوز عندما تقول الوثيقة حرفيا «إذا استمرت الاتجاهات الحالية (أساسا الهجرة)، فستصبح القارة غير قابلة للتعرّف خلال عشرين عاماً أو أقل».
وتحذر واشنطن من أن استمرار هذا الوضع لاسيما ضعف جيوش بعض الدول الأوروبية وغياب حرية التعبير واستمرار التغيير في الهوية (بمعنى التركيز على الهجرة)، سيدفع الولايات المتحدة إلى التساؤل عن ماهية استمرار اعتبار بعض الدول الأوروبية حلفاء موثوقين. وتعترف الوثيقة بقلق الأوروبيين من روسيا رغم تفوقهم في مختلف المجالات باستثناء الأسلحة النووية، وترى واشنطن أنها ستكون مجبرة على المشاركة في «إدارة العلاقات الأوروبية الروسية عبر انخراط دبلوماسي أمريكي كبير، سواء لإعادة تأسيس شروط الاستقرار الاستراتيجي عبر الكتلة الأوراسية، أو لتقليل مخاطر اندلاع الصراع بين روسيا والدول الأوروبية».
من خلال قراءة وتحليل هذه الوثيقة، يتم التوصل إلى خلاصة رئيسية وهي أن واشنطن لم تعد تعتبر أوروبا حليفا جماعيا بقدر ما تجزئ هذا المفهوم إلى مجموعة من الحلفاء وليس ككتلة. ويتم تقييم مستوى التعاون مع كل دولة ارتباطا بأدائها في مجال الاستثمار العسكري ونفقاته ونوعية القوانين الاقتصادية هل هي صارمة أم لا للشركات الأمريكية، ثم نوعية السياسة المطبقة في مواجهة الهجرة وهل تهدف إلى الحفاظ على الهوية الأوروبية بدون تغيير بدل الإيمان بالتلاقح الثقافي.
وصدرت ردود فعل كثيرة من زعماء القارة الأوروبية خاصة الدول الوازنة مثل ألمانيا وفرنسا، ترفض التصور الذي اعتمدته الإدارة الأمريكية حول أوروبا، وتتجلى هذه الانتقادات في تغليب واشنطن لنهج مفرط في الرهان العسكري من خلال رؤية العالم من منظور عسكري شبه تام، سواء بالتركيز على زيادة الإنفاق العسكري إلى مستوى 5 في المئة من الإنتاج القومي الخام، والتدخل الوقائي في النزاعات وكأنه استعادة للحرب الاستباقية التي دشنها المحافظون الجدد إبان فترة الرئيس جورج بوش الإبن والرفع من مستوى النفوذ العسكري الأمريكي في العالم. ويأتي هذا التصور على حساب تهميش الرهان الدبلوماسي الذي اعتاد الأوروبيون تفضيله على الحلول العسكرية.
غير أن ما يعتبر مقلقا الآن وعلى المدى القصير هو تركيز هذه الاستراتيجية على ما تعتبره فقدان القارة الأوروبية تدريجيا لهويتها نتيجة الهجرة القادمة من الجنوب، في إشارة إلى الهجرة المسلمة، إلى مستوى أن الوثيقة تلمح إلى أن رؤية واشنطن للتحالفات مع أوروبا ستكون بشكل ربما فردي، أي ستكون الأفضلية للدول التي ستحافظ على الهوية الغربية الأوروبية.
في هذا الصدد، أوضح المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن تصور واشنطن حول رغبتها في إنقاذ الديمقراطية الأوروبية وما تتعرض له بالادعاء بـ «المحو الحضاري» هو تصور خاطئ، ويرى أن «أوروبا قادرة على حماية ديمقراطيتها بنفسها بدون تدخل خارجي». ومنذ شباط/فبراير الماضي، عندما اجتمع في العاصمة مدريد قادة اليمين المتطرف في أوروبا واعتبروا الرئيس الأمريكي ترامب منارة لهم، ثم تنديد نائب الرئيس فانس بأن أحزاب اليمين القومي المتطرف تتعرض للمضايقة وملاحقتها في حرية التعبير، أدركت الحكومات والأحزاب المعتدلة الأوروبية أن البيت الأبيض يريد تنظيمات سياسية على شاكلته في الحكومات الأوروبية، وهذا يعني ميله إلى اليمين القومي المتطرف في أوروبا.
ومن القضايا الأخرى التي أثارت قلق الأوروبيين وخاصة ألمانيا أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي لا تصنف روسيا كخطر مباشر على الأمن القومي الأوروبي، ويحدث هذا في وقت يعتقد فيه الأوروبيون أن حربا مع روسيا قد تندلع في أفق 2030 وأن أوروبا تتعرض الآن لحرب هجينة قائمة على الهجمات السيبرانية وطائرات بدون طيار تتسرب إلى الأجواء الأوروبية ومنها في مناطق حساسة مثل مرفأ فرنسي على الأطلسي خاص بالغواصات. والمفارقة أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي كانت قد أعدتها إدارة جو بايدن سنة 2022 تصف روسيا بمصدر الخطر الحقيقي ليس فقط على أوروبا بل على الغرب.
ومن جهته، علق المفوض الأوروبي السابق جوزيب بوريل، والذي لا يزال صوتًا مؤثرًا في السياسة الخارجية الأوروبية، أن «الاستراتيجية الأمنية الوطنية الجديدة للولايات المتحدة تمثل هجومًا مباشرًا على الاتحاد الأوروبي، ليس فقط من حيث السياسة الخارجية، بل أيضًا من حيث هيكله وسيادته». ويرى أن الرئيس ترامب من خلال هذه الوثيقة «يخضع أوروبا لاحتياجات الولايات المتحدة الاستراتيجية بدلاً من البحث عن حلفاء متساوين».
ولقد لخصت جريدة «الباييس» في افتتاحية لها بداية الأسبوع الجاري الإحساس الأوروبي بالغبن لدى الحكومات الأوروبية، باستثناء لدى اليمين القومي المتطرف، وذلك بكتابتها «وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تمثل تراجعًا للولايات المتحدة وتحولًا نحو رؤية أكثر أحادية الجانب وتبادلية واعتمادية على المصالح الخاصة، مما يطمس عقودًا من التحالف القائم على القيم المشتركة بينها وبين أوروبا».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية