من الكلام ما يذوب في الهواء فلا يرى يتبخّر في الهواء كدخان سيجارة خفيف معطّرة، أو كفكرة عابرة، ولكنّ منه ما يعلق في ذهنك حتى لا يبرح. اللساني حين يكون منصرفا إلى شأنه اليومي، لا يعبأ كأي سامع عابر للكلام، لكنّه حين يعمل ذهنه في قول يوزعه يمينا وشمالا، ويحرثه بأدوات الحرث القديمة، أو بالجرارات العصرية وقد يزرع وقد يحصد كلّ ذلك في لحظة، فكرة واحدة. مررت بشارع مجهول وإذا بي أسمع جملة قالها لغريب غريبٌ، قال له وهو يخاطبه: « أنا الذي رآك مدبرا». هي جملة عادية عابرة ولكنّها لم تمرّ.
وأنت تمشي، حين تسعى في يومك غافلا عن كلّ شيء فلست لا مقبلا ولا مدبرا إلّا لمن يراك من الأمام تقدم في اتجاهه، أو من الخلف وقد تركته ووليت وجهك في الاتجاه الذي لا يسير فيه. أنت لا تكون مقبلا أو مدبرا إلاّ بالنسبة إلى من يترصدك من الخلف أو من الأمام. الإقبال هو الاتجاه الذي يسير فيه من يواجهك وهو قاصد طريقك وكأنك وجهته، وتستطيع أن ترى وجهه. الإقبال وجهة نظر أصلية لأنها تتيح لك أن ترى الناس من مركز استكشافهم، وتعيين هوياتهم وهو الوجه. صحيح أنّ التعرف على الناس من الوجه يكون بالنسبة إلى من ألفت معرفتهم، وأنّ الوجه يصلح للتعرف على الناس الذين خزّنت وجوههم في ذاكرتك ذات المدى الطويل، أو ذات المدى القصير، لذلك فإنّ الفعل (رأى) في هذا السياق يكون فعلا إدراكيا كاملا، إلاّ إذا أفاد دلالته التامة بمعنى أن تنظر إلى شخص فتتعرف عليه بالاعتماد على وجهه.
إنّ الفعل (رأى) لا يُفهم هنا كفعل إدراك بصري فقط، بل كفعل تعرّف وتعيين هوية، لكنّ في القول (أنا الذي رآك مدبرا) يستعمل فعل الإبصار في سياق غير طرازيّ، ذلك أنّ الدماغ يبني صورة ذهنية لشخص لا يريك وجهه، بل يريك الجزء الخلفي من جسده، هذه الرؤية تبني المشهد ولكنّها قد لا تبني التعرّف. إنّ الذات المتحدّثة مدرِك بينما الذات المخاطبة هي موضوع إدراك، أو قل هي صورة ذهنية مشهدية محصّلها أنّ إدراك هوية الماشي، كان اعتمادا على سمات أخرى وليس على صفحة الوجه. القفا ليس معلما لتعيين الهوية، بل هو خلفية للوجه يمكن أن تعوّضه إن كان يحمل علامات للتعرف بديلة. اللغة لا تبني تفاصيل هذه المدركات إلاّ من خلال التركيب، لأنّ الأفعال والأسماء مفردة جعلت لتكون خطاطية تحمل دلالة تواضع عليها الناس، وجعلت كي تبني مع غيرها الوضعيات والمشاهد التي نراها. في التراكيب تجتمع الكلمات في سلسلة من العلاقات المنسجمة تخرج الوحدات المعجمية من خطاطيتها وعموميّتها إلى ضرب من التفصيل يمثّل بشكل متفاوت الوفاء لما يكون موضوعا لمشهد مدرك. لكنّ الكلمات ليست جميعا في مستوى واحد من الخطاطية فعبارة (أنا) في الجملة التي في العنوان خاصّة جدّا، لأنّها تحيل على ذات عينية لها وجود إحالي إفرادي واستثنائي في الوجود، لا يماثلها في هذا التخصيص إلا (أنت) باعتباره ضميرا يحيل على ذات مخصوصة مختلفة عن ذات من قال (أنا). ففي (أنت) موضوعية نسبية بالنسبة إلى ذاتية (أنا) لكنّ (أنت) أقل موضوعية بالنسبة إلى (هو). نحن لا نقصد أنّ الكلمة كلما أحالت على ذاتها المرجعية كانت عينيّتها أكثر، فعبارة (أنا) أكثر ذاتية من عبارة (توفيق) التي تعيّنني باعتباري اسما علما. نحن نقصد أنّ أدنى الملابسة، أي القرب أكثر إلى الذات، يكون عند حديث الذات عن نفسها بضميرها (أنا). أمّا (أنت) فهي ذات مدركة وإدراكها عياني قريب، ولكنّه إدراك لذات قد تراها موازية لك من جهة الحضور، لكنك أنت أقرب إلى حيزك الذاتي منها.
في النحو العرفاني تستعمل عبارة Grounding، أي الرسو أو الإرساء معنى العملية التي تقود إلى ربط كيان، أو حدث معرف إدراكي بسياق الكلام، وذلك بأن يصبح الذاتي مخصوصا والخطاطي عينة. ولذلك فإن الضمائر هي عينات لأسمائها وهي ترسيها على أرضية الاستعمال.
في قولنا (أنا الذي رآك مدبرا) كثير من العناصر التي صنعت تأسيس الكلام وإرساءه على أرضية، ويمكن أن نقارن بين (هو مدبر) و(أنت مدبر) لنرى أنّ القوة التي تلقي وزنها في هذا التأسيس، إدراكا ضمنيّا منسوبا إلى الذات المتحدثة، ترى ذاتا غائبة أو مخاطبة مدبرة، لكنّ التأسيس يقوى كلما كانت العناصر تنتمي إلى سياق الحضور لا الغياب. وإن نحن قارنّا بين (رأيتك مدبرا) و(أنا الذي رآك مدبرا) علمنا أنّ في الجملة الثانية تبئيرا على الذات المدركة وحصر عملية الإبصار فيها حصرا مقصودا، فكأنّ من يرى المخاطب مدبرا قابل للتعدد لكنّ التركيب حصره في ذات المتحدّث بهذا الحصر، وضعه من الناحية الإدراكية على أرض مؤسسة لا تموج ولا تتحرك، هي أرض من يرى في نفسه الفاعل الوحيد لرؤية المخاطب وقد كان مدبرا.
ومن جهة أخرى فإنّ العبارة (أنا الذي رآك مُدبِراً) تحمل شحنة تداولية إدراكية واضحة، ويمكن قراءتها على أكثر من مستوى تداولي من بينها أنّ المتكلم لا يكتفي بالإخبار، بل يوحي لمن يخاطبه بأنّه تحوّز على معرفة خاصة تتعلق بمخاطبه في لحظة لم يكن فيها مدركاً من يدركه على الهيئة التي يدركه عليها.
في السياق التداولي، تستخدم هذه الجملة في سياقين إخباري وصفي وإيحائي إيمائي، فكأنّه يقول أنا على الرغم من رؤيتي لك منصرفا، ووجهك غائب عني فإنّي رأيتك وعرفتك. وإن قيلت الجملة في سياق حجاجي بين صديقين يتهم كل واحد منهما الآخر بترك صديقه عند الضيق، فإن العبارة ستكون حكما لا مجرد مشاهدة. وإذا اعتمدنا وجهة النظر (Point of View)، لا بوصفها تقنية سردية، بل باعتبارها موضعا يطل منه المدرك على ما يدرك، فإنّ هناك تحديدا لموضع المتكلم باعتباره الذات الشاهدة لا الذات الواصفة (أنا الذي رآك مُدبرا)، لا تُنشئ ذاتًا متكلمة محايدة، بل ذاتاً شاهدة عارفة. هذا يعني أن (أنا) مركز إدراكي وأنّ الرؤية ليست تسجيلا حسيا، بل تجربة عاشها المتكلم لا يحدثه عن حدث الإدبار، بل عن إدراك لذات مدبرة في لحظة إدبارها. ووجهة النظر وإن كانت خارجية في الظاهر لأنّ الإبصار فعل إدراكي ملموس، فإنّه من الممكن أن تحيل على موقف مقارن بين ما له معرفة بالذات، وما ليس له معرفة بها: فحين تمشي وأنت مطمئن أن لا أحد يراك، يكون أحدهم راصدا لك من الخلف: أنت لا تدركه وهو ليس واقعا في حيزك وهو يدركك وتقع في حيّزه الإدراكي.
الجملة تُقصي وجهة نظر المخاطَب تماما، فلا نسمع تفسيره ولا نعرف دوافعه. الإدراك هنا محكوم بالكامل بوعي المتكلم، وفي ذلك احتكار للتأويل عبر المشاهدة: فمن رآك، امتلك حقه في إدراكك على هيئة. فالرؤية ليست فعلا إراديا، بل هي إنشاء لمشهد على هيئة مخصوصة. هي ليست جملة تذكّر، بل جملة تثبيت للمعرفة، ولا تصف الماضي، بل تحكم الحاضر والمستقبل.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية