«أمن الطاقة والمياه بعيداً عن تل أبيب»… هل يقترب الأردن من الاقتناع باستراتيجية الرد على «الابتزاز» الإسرائيلي؟

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان – «القدس العربي»: لا تبدو الخيارات والبدائل أمام رئيس الوزراء الأردني، الدكتور جعفر حسان، متسعة أو متعددة عندما يتعلق الأمر بالسعي إلى تجنب أزمة مياه حادة الصيف المقبل، أو عندما يتعلق بدور النظام الإسرائيلي اليميني المتشدد، وفقاً لوصف وزير الخارجية، أيمن الصفدي، في فرض صنف من الحصار الجيوسياسي لا بل والمائي أيضاً لابتزاز الأردن.
حسان، وفي وقت مبكر عندما شكل طاقمه الوزاري قبل أكثر من عام، راهن على استمرار ضخ حصة المياه الأردنية المتفق عليها مع الإسرائيليين قبل أن يخيب بنيامين نتنياهو آمال الحكومة الأردنية بامتناعه وللشهر الرابع عن تجديد توقيع البروتوكول المائي.
آنذاك، اعتبرت جزئية تمرير المياه المطلوبة من سواحل فلسطين المحتلة بعد تحليتها وبأسعار معقولة من الاعتبارات التي ينبغي أن تناقش مع من يتولى وزارة المياه تحديداً في سياق حال التكيف مع ميزان المصالح.
عملياً، لا يُلام، لا حسان ولا طاقمه الوزاري، على ما وصفه وزير الخارجية الأسبق، الدكتور مروان المعشر، علناً، بـ»انقلاب إسرائيلي على عملية السلام وعلى الأردن». نتنياهو يتباطأ بصيغة ابتزازية في توقيع بروتوكول مائي يضمن ضخ 50 مليون متر مكعب من المياه متفق عليها سابقاً إلى الأردن.
تلك الحصة لا تشكل أكثر من 5% من احتياجات الأردنيين الصيف المقبل. رغم ذلك، تساهم في صناعة أزمة باسم المياه توثقها حالياً بعض شكاوى المواطنين من انقطاع المياه عنهم بين الحين والآخر.

صبر الحكومة ينفد

صبر الحكومة على نتنياهو في ملف المياه ينفد، والخيارات أمام حسان وطاقمه تتمثل في الاستجابة السريعة لما هو إستراتيجي في التركيز على مشاريع مياه كبرى تضمن الإفلات من ابتزاز الإسرائيليين مستقبلاً.
والحديث هنا عن مشروع الناقل الوطني ومشاريع أخرى أصغر بعنوان: الحصاد المائي فيما بين البدائل اللجوء إلى حفر المزيد من الآبار الجوفية لتعويض الفاقد الإسرائيلي في خطوة فنية وهندسية لا تتميز بالشعبية بالعادة بين الخبراء في القطاع؛ لأن الآبار الجوفية تبقى بين الاحتياطي الإستراتيجي، وواجبها البقاء كذلك».
اللجوء إلى إدارة وقائية لمنع الخضوع لابتزاز إسرائيل في ملف المياه أصبح عنواناً للتحرك البيروقراطي والفني ووزارة المياه التي يقودها المخضرم في القطاع رائد أبو السعود، تعمل بنشاط ومهنية على هذه الجبهة بما يعزز استقلالية القرار الوطني.
بوضوح، يعني ذلك لاحقاً أن حالة القطيعة مع اليمين الإسرائيلي مستمرة ومتواصلة، وأن عمان في سياق المناكفة بمعنى تجنب مهادنة رموز التطرف في النظام الإسرائيلي عبر تعزيز سيناريو البدائل لأن المطلوب في النهاية بعد حجب المياه والتلاعب بحجب الغاز، وبرأي المحلل الاستراتيجي الجنرال قاصد محمود، محاصرة الأردن جيوسياسياً لإخضاعه في الموقف.
يحصل ذلك برأي خبير الاستخبارات العسكرية والمحلل نضال أبو زيد حتى تصبح عمان مرنة أكثر في ملف مساحات محددة من بينها التهجير، وتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية والقدس.
وهي مساحات يعلم الإسرائيلي، برأي الجنرال محمود، أن صلابة الموقف الأردني -فيما يخصها- هو الأساس في إحباط أجندتها. لذلك، يرى الخبراء والمراقبون العميقون أن أزمة المياه المحجوبة مع نتنياهو تعبير عمَّا هو أعمق في الواقع، حيث ثوابت أردنية مرجعية معلنة واشتباك دبلوماسي ناري في كل الأروقة. وبرأي الخبير الدكتور جواد العناني، وفي مقال شهير له: «خطوط أردنية حمراء لا يمكن تجاوزها حتى وإن استدعى الأمر الاشتباك عسكرياً في ظرف ما». وهو خيار شرعي بيد الأردن في حال الإخلال ببنود اتفاقية وادي عربة، كما يصر المختص في القانون الدولي الدكتور أنيس القاسم.
أزمة المياه ليست هي المهمة؛ لأن البدائل متاحة وموجودة، لكن دلالاتها السياسية الأعمق هي الأهم عندما يتعلق الأمر بإنهاء وتقويض الحالة التي رسمتها اتفاقية وادي عربة قبل أكثر من 30 عاماً والعدو الطامح والطامع هنا، حسب الجنرال محمود، يعلم مسبقاً بأن مشكلته الأساسية في خطط التوسع والإجرام تتمثل في الأردن والأردنيين. مجدداً، أزمة حجب المياه ليست هي المقصودة بحوار غير قائم بين عمان وتل أبيب. لكن صفقة الغاز الفردية التي رعاها الأمريكيون بين نتنياهو ومصر قد تساهم في دفع الأردن وحيداً في الاشتباك إذا ما انتهت صفقة الغاز بما هو أبعد وأعمق من جزئية الأسعار؛ بمعنى تخفيف حدة الشراكة الأردنية المصرية.
لذلك الخيارات أمام الرئيس حسان ليست متعددة، والانطباع الأعمق حتى اللحظة هو ذلك الذي يقول بالقواعد التي رسمها في الماضي القريب وزير المالية الأردني الأسبق، الدكتور محمد العسعس، وهو يقدر بأن واجبات الحكومة والوزراء العمل ضمن مسار يضمن للدولة الأردنية استقلالية قرارها السياسي.
يعني ذلك ضمناً أن واجب الحكومة عندما تناور في زوايا ضيقة أو تعيد تدوير الأزمات والتحديات تجنب حالة كلاسيكية توضع فيها القيادة والدولة أمام خيار إستراتيجي واحد.

مواجهة حالة الابتزاز

ما قاله العسعس في السياق بحضور «القدس العربي» يمكن اعتباره أنموذجاً في مواجهة حالة الابتزاز الإسرائيلية المائية لأنها تعكس أزمة أعمق بكثير.
العلاقات مع حكومة اليمين منقطعة تماماً، واللجان القديمة لا تجتمع وخطاب نتنياهو ورموز حكومته عدائي جداً تجاه الأردن والنخب التي تؤمن بالتكيف للعبور بالمصالح لا يوفر لها الإسرائيليون مادة أو محتوى يسندها.
وما تقوله الوقائع والحقائق بأن رواية المعارضة والشارع والعشائر عن عدو يتربص بالمملكة أصبح الأساس في السردية بحكم عدم وجود ضمانات كانت في الماضي متاحة لا مع اليمين الإسرائيلي، ولا مع اليمين الأمريكي أيضاً.
البدائل في المسألة المائية، تحديداً هنا تجنباً للخضوع لابتزاز يمين إسرائيل، تصبح خطوة استباق إستراتيجية لها وظيفة ينبغي أن يدافع عنها الشعب الأردني قبل حكومته وتتمحور حول حماية استقلالية القرار السياسي بمعنى منع عصابة تل أبيب الحاكمة، كما يصفها رئيس الوزراء الأسبق علي أبو الراغب، من تضييق المساحات والخيارات أمام الأردن.
أمن الطاقة والمياه تحديداً ينبغي ألَّا تبقى مفاتيحه مستقبلاً عند الجار السيئ.
وهي قاعدة تحدث عنها مراراً وتكراراً الخبير والمفاوض الوطني الدكتور دريد محاسنة، فيما يقدم الإسرائيلي اليوم دليلاً موثقاً على عمق وصدقية التشخيص الذي يطرحه المحاسنة في وقت يطرح فيه الجميع تساؤلات بعنوان: «ما هي نتائج وتداعيات أزمة القطيعة مع اليمين الإسرائيلي؟».

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية