عادت أصوات النشاز مجدداً الى فتح أبواق النقد على مستضيف مونديال 2022 قبل أسابيع قليلة على انطلاق أول بطولة كأس عالم في دولة عربية واسلامية وفي منطقة الشرق الاوسط، لكن هذه المرة بأقنعة جديدة ومطالبات مختلفة.
الأمر ليس غريباً على مستضيفة المونديال قطر، ولم يكن غريباً على مستضيفي المونديالات السابقة، لأنها «ضريبة» تدفع من أجل أن تكون مركز جذب أنظار العالم بأسره على مدى شهر من الزمن، ولغرابة الامر فانها امتدت منذ بداية الاعلان عن الفوز بشرف الاستضافة في 2010 الى اليوم. لكن اذا عدنا في التاريخ، سنجد أن كل الدول المستضيفة للأحداث الرياضية الكبرى عموماً، ولنهائيات كأس العالم خصوصاً تعرضت لانتقادات حادة قبل موعد الحدث بقليل، فقبل مونديال 2006 التي استضافتها ألمانيا، انتشرت تقارير مرعبة عن الهوليغانز ومثيري الشغب، وانتشار العنصرية بصورة مرعبة في البلاد، عدا عن رواج تجارة الجنس وتهريب القاصرات، وطبعاً هو شيء سلبي، لكن هل عكست هذه التقارير كل الحقيقة؟ وقبل مونديال 2010 في جنوب افريقيا انتشرت تقارير مرعبة عن الجريمة في الشوارع والسرقات في وضح النهار وتجارتي الجنس والبشر، فيما ركز الاعلام قبل مونديال البرازيل 2014 على تعامل الشرطة «الوحشي» مع المتظاهرين البرازيليين، وعلى الحالة المعيشية المزرية والترحيل القصري لسكان البيوت البدائية القريبة من الاستادات، عدا عن وفيات العمال وعدم اكتمال عمليات بناء الاستادات عشية انطلاق المنافسات. وفي 2018 في روسيا كانت الصحافة الغربية نشطة في سرد السلبيات، بينها الحالة المزرية التي يعيشها المشردون من أبناء البلاد والمهاجرين واللاجئين وسلبيات النظام الحاكم.
ومع قطر بدأ الأمر في 2010 باثارة التشكيك في القدرة على الاستضافة لصغر حجم البلاد، فانعكست الفكرة السلبية لتتحول الى ايجابية بان الاستادات ستكون الاكثر قرباً من بعضها بعضاً مقارنة في بلد أي مستضيف سابق آخر، أي ما يسمح بقلة السفر والتنقل للمنتخبات وأيضاً للمشجعين. وبعدها تفطن بعض المنتقدين الى حرارة الطقس في فصل الصيف في البلد الخليجي ما لا يحتمله اللاعبون والحضور، فجاءت فكرة نقل المونديال من صيفي الى شتوي، بل جاهد القطريون لايجاد الحلول، ومنها بناء استادات مجهزة بتقنية تبريد متطورة لحل المشكلة، وهو ما حصل. وما لبثت أن نشرت صحف مرموقة مدعومة من مراكز استخباراتية عن شراء القطريين لأصوات استضافة المونديال، وهو ما قاد الى هدم بيت الفيفا فوق رؤوس الفاسدين وعلى رأسهم رئيس الفيفا السابق جوزيف بلاتر. ومع صراع القطريين لازاحة كل المعوقات وتذليل العقبات، فان جمعيات حقوقية أرادت قطعة من الكعكة باستغلال الحدث، فتارة تظهر تقارير صحفية عن الحالة المزرية لعمال بناء الاستادات ما قاد تلقائياً الى انتقادات حادة من نجوم كرة القدم خلال مباريات الفيفا الدولية، عبر وقفات تضامنية دعماً لعمال منشآت البطولة، وربما هم أقل علماً وأكثر جهلاً مما يحصل حقاً في البلد الخليجي، وفي الواقع رسموا صورة قاتمة لبلد بذل كل ما يملك من مال وجهد وخبرة، لتكون تجربة المونديال مثالية، منذ لحظة الفوز بشرف الاستضافة، وصولا الى موعد المباراة النهائية في 22 ديسمبر/كانون الأول 2022، بل بذل جهوداً أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة لتحسين ظروف العمال الأجانب، ووقع القطريون اتفاقيات عدة مع منظمات حقوقية، بينها «منظمة العفو الدولية». قبل ان تدخل على الخط منظمات حقوقية اخرى، كجمعيات حقوق المثليين، الذين استغلوا لحظات التركيز السلبي على قطر، بنشر مطالبهم والترويج لها. ومع ذلك كان القطريون واضحين بالاعلان ان البلاد تفتح ذراعيها للجميع بدون استثناء أو تمييز، لكن في المقابل قطر أيضاً تنتظر ان يحترم الجميع قوانينها وسلمها.
نعم في قطر ستكون هناك محاولات من الجميع لنشر أفكاره والترويج لمشاريعه كون أنظار العالم شاخصة نحو هذه البقعة، وستحاول المنتخبات واللاعبون بحسب ما تم اقناعهم به، كدعم جمعيات المثليين أو الوقوف الى جانب أوكرانيا في حربها مع روسيا، مثلما سيفعل قائد بولندا روبرت ليفاندوسكي الذي سيرتدي شارة القيادة على ساعده مزينة بعلم أوكرانيا، مثلما يرتدي قائد انكلترا هاري كاين و8 قائدي منتخبات أوروبية أخرى شارة علم المثليين، رغم ان الجميع ينتظر فقط أن يشاهد مباريات كرة قدم مثيرة وحماسية في أجواء وملاعب مبهرة، وهنا يأتي دور الفيفا في وضع نقطة نظام لأن قوانينه واضحة في منع أي رسائل سياسية أو حقوقية او تجارية في الملاعب خلال المباريات.
ومع ذلك ظلت طبول التشكيك تدق بحرارة على مدى الأعوام الـ12 الماضية، لتجريد هذا البلد العربي المسلم من استضافة حدث عالمي يقود الى الفخر والعزة، بل الى المنفعة على كثيرين في عالمنا، وربما نتوقع الانتقادات، خصوصا الغربية، كنوع من العادات التقليدية يتعرض لها كل مستضيف لحدث رياضي كبير، ونتفهم عقلية الاوروبيين في التأثر بتقارير حقوقية، لكن هناك بعضاً آخر من الانتقادات، كأصوات النشاز، لا يمكن فهمه أو تقبله.