تعتبر عبارة «نقد الدين أساس كل نقد» واحدة من أشهر الاقتباسات عن ماركس، إلى جانب مقولة أخرى، هي «الدين أفيون الشعوب»، وقد كُتبت باللغة العربية عشرات المقالات عن الجملتين، لتوضيح موقف الماركسية من الدين، كثيرٌ منها، إن لم تكن أغلبيتها الساحقة، حاولت تبرئة ماركس من تهمة معاداة الدين، بل عكس المعنى، الذي يتوارد إلى الذهن من القراءة الأولى للجملتين، لتأكيد أن ماركس كان متعاطفاً مع الدين، أو مدركاً لأهميته، أو رافضاً للتركيز على نقده.
المسألة ازدادت أهمية بعد وصول ما يسمى «الصواب السياسي»، ونظريات «التهميش» و»نقد المركزية الغربية» إلى الفضاء العربي، فالموضوع لم يعد وقاية الشيوعيين العرب من تهمة الإلحاد، أو معاداة الأمة، التي كانت تعني حظر أنشطتهم، وربما مقدمة لاعتقالهم وإعدامهم، فضلاً عن انفضاض جمهورهم المحتمل عنهم، وإنما اتقاء تهم أخرى، مثل التأثّر بمقولات «الرجل الأبيض» واليمين الغربي، والسقوط في خطاب الكراهية. أي أن نقد الدين، خاصة الدين الإسلامي، صار يُعتبر مقدمةً لاضطهاد وتهميش المسلمين، وأيضاً تكراراً لخطاب «الاستشراق»، الذي يعبّر عن الهيمنة «الكولونيالية»، وقمع صوت غير الغربيين.
إلا أن هذا الجدل غالباً ما يضيّع الجملة الأهم، التي وردت قبل «أساس كل نقد»، ومن دونها لا يمكن للمعنى أن يكتمل: «بالنسبة لألمانيا، فإن نقد الدين اكتمل جوهرياً، ونقد الدين هو الشرط المسبق لكل نقد»، كتب ماركس هذا الكلام عام 1843، أي في فترة ذروة المثالية الألمانية، ومع وصول التنوير الألماني، والأوروبي عموماً، إلى واحدة من أشدّ مراحله ازدهاراً. أعوام قليلة كانت تفصل الأوروبيين عن «ربيع الشعوب»، أي الثورات التي اندلعت ابتداءً من عام 1848، وهي الموجة الثورية الثانية في الأهمية بعد الثورة الفرنسية، التي أسست لكثير من ظواهر عالمنا المعاصر، ومنها التحرر القومي، الديمقراطية والمساواة، العلمنة. أيضاً كان ماركس مقرّباً من حلقات «الهيغليين الشباب»، أي الفلاسفة الأكثر طليعية آنذاك، الذين انتقدوا الدين بتعمّق شديد، وفككوا جانباً أساسياً من هيمنته على الفكر الأوروبي. لقد أكمل المفكرون الألمان مهمة نقد الدين، ولذلك بات بإمكان ماركس الشاب التفرّغ لمهام أخرى، منها نقد الأيديولوجيا، ونقد النقد نفسه، أي تجاوزه بعد استيعابه، وإيصاله إلى مراحل أخرى غير مسبوقة. وهكذا انشغل بنقد «الأيديولوجيا الألمانية»، وكذلك «الاقتصاد السياسي» بوصفه أيديولوجيا، ساعياً إلى اكتشاف أساس الاغتراب الديني، الذي بيّنه من جاء قبله من الفلاسفة، في علاقات الإنتاج، والتشكيلات الاجتماعية – الاقتصادية، مُعتبراً أنه يؤسس لـ»علم» جديد، ويفتح «قارة معرفية» غير مسبوقة.
بناء عليه فليس من القسوة القول إن النقاشات العربية حول العبارة ليست ذات علاقة بالموضوع، ما دامت لم تنجز «الشرط المسبق» الذي تحدّث عنه ماركس، أي الإتمام الجوهري لمهمة نقد الدين، أو بعبارة أخرى: «النضال ضد العالم»، والتعبير لماركس، الذي يحدد الدين فيه للبشر أدوارهم ومواقعهم، عبر ربطها بميتافيزيقيا إلهية متعالية، تغرّبهم عن إنتاجهم الاجتماعي لمفردات عالمهم، بما في ذلك الدين نفسه. الانتقال من نقد الدين إلى نقد الواقع، وعلاقاته المادية، يتطلّب أولاً تجاوز الهيمنة الدينية على الوعي، لا تجاهلها، أو إعادة تأويلها إيجابياً، على طريقة كثير من «اليساريين» العرب، وكذلك ما يُعرف بـ»اليسار الجديد» عالمياً، الذي يرى أن بإمكان «شعوب الجنوب» تجاوز «الشرط الجوهري»، ربما لأنهم «غير غربيين». هل هذا يعني أن ماركس كان من أنصار «خطاب الكراهية» ضد الفلاحين الألمان المتدينين مثلاً، أو شعوب الشرق المهمّش؟ السؤال غير موفق من زوايا عديدة، ولا يمكن طرحه إلا على سبيل التهكّم. لم يكن تعبير «خطاب الكراهية» قد اختُرع بعد، والأهم أن ماركس لم تكن تعنيه المحبّة والكراهية، بل كان يتعامل مع مفاهيم، وهي ليست خصائص عرقية للبشر، بل منتجاتهم الاجتماعية، المتغيّرة تاريخياً. أما تحريرهم من الاغتراب، من منظوره، فيعني تحرير الإنسانية نفسها. متى صار نقد الدين خطيراً، ومؤسساً للكراهية؟
الإجابة قد تكون في مفهوم «الإنسانية» نفسه، فكثيراً ما قُمع البشر باسمها، أي اعتُبروا أدنى من المرتبة الإنسانية بسبب تخلّفهم، أو إصرارهم على التمسّك بمظاهر ثقافية معيّنة، ما أسس لنوع من الهرميّة بين شعوب أقرب لـ»الإنسانية»، وأخرى أدنى منها؛ وكذلك في مفهوم آخر، كان في بداية تشكّله زمن ماركس، وهو عرقنة الثقافة، أي تحويلها لما يشبه سمات عرقية، مغروسة في أجساد البشر، وتحت جلودهم. يطرح هذا سؤالاً مختلفاً عن الجدل العربي حول مقولات ماركس: هل يمكن التنازل عن «الشرط المسبق والجوهري لنقد الدين» كي لا نسقط في خطاب الكراهية، وإعادة إنتاج ما يشبه القمع الكولونيالي؟ أم يبقى نقد الدين أساساً لكل نقد، حتى عندما ننتقد «الإنسانية» و»عرقنة الثقافة»؟
نقد الأيديولوجيا
أتاح إتمام «الشرط المسبق»، أي نقد الدين في الغرب، تنوّعاً كبيراً في مجالات النقد ومناهجه، وكذلك في مناحي «العلمية» في التعامل مع مختلف القضايا، هكذا مثلاً، بات بالإمكان انتقاد مقولات التنوير الأساسية، ومنها العقلانية والعلميّة والإنسانية بحد ذاتها، بعد أن خفّ الضغط الديني إلى حد كبير، ولم تعد المشكلة الأساسية التثبيت الديني للأدوار والمواقع الاجتماعية، بل ربما على العكس، باتت المشكلة في «الترحيل» الدائم للبشر بين المواقع والأدوار، وطغيان العابر والزائل وغير المستقر. ولذلك طُرحت سلسلة جديدة من الأسئلة، ومنها السؤال عن «الإنسانية»، التي كثيراً ما أدى السعي إلى «تحريرها» إلى كوارث كبرى، ليس أقلها معاداة السامية الحديثة (وكثير من تياراتها قائم على إيمان بمساوة إنسانية، تعرقلها «الهيمنة اليهودية»)، سحق الشعوب المُستَعمَرة (الأقل من إنسانية)، معسكرات اعتقال جماعية مروّعة (لإعادة تأهيل «الإنسان»). وتساءل كثيرون: هل من الصدفة أن جزّاراً مثل بول بوت في كمبوديا، كان قارئاً نهماً لجان جاك روسو؟
انتشرت كتابات كثيرة عن أهوال «العصر العلماني»، وهي، حسب مؤلفيها، أشد دموية من كل العنف الذي شهدته «العصور الدينيّة»، مع سؤال صريح أو مضمر: هل كان نقد الميتافيزيقيا الدينية، وقاعدتها الاجتماعية والسلطوية، محقّاً؟ بغض النظر عن الإجابة، إلا أن طرح السؤال نفسه يشير إلى المدى الذي وصله نقد الأيديولوجيا، فقد بات قادراً على مساءلة «آلته الفكرية» نفسها، أي المناهج والقيم التي جعلت النقد الحديث نفسه ممكناً. في كل الأحوال، لم نبتعد هنا كثيراً عن «نقد النقد» بمعناه الهيغلي/الماركسي، أو بمعانٍ أخرى، ترفض أي ميتافيزيقيا، وتسعى لتفكيكها، فما بالك بالميتافيزيقيا الدينية. لقد نوّر التنوير نفسه، إن صح التعبير، ولا أحد قادرٌ على العودة إلى «عصور الدين»، مهما كان أصولياً، فكل محاولة «عودة» هي تنوير جديد، حتى لو كان «تنويراً مضاداً». بات في الإمكان، ضمن هذا الشرط أيضاً، إعادة فهم الظاهرة الدينية من الداخل، وإعمال المناهج التأويلية المتعددة، والحديثة كلها، في النص الديني، فالإيمان والنص باتا جزءاً من نظام اجتماعي مستقل، هو «نظام الدين»، أفردت له السيادة الحديثة ميدانه، وهو «التعالي الروحي»، الإلهي والإيماني، فيما احتكرت هي التعالي الدنيوي. لم تعد الظاهرة الدينية والتجربة الإيمانية الحقّة تهدد حريات الآخرين، أما الأصولية، فهي من ظواهر الأيديولوجيا وليس «الدين»، بمعناه الحديث، تُنتقد وتُفكك بآليات نقد الأيديولوجيا إياها.
من نافل القول التأكيد هنا، أن «نقد الدين» كان أيضاً الشرط المسبق لنقد التنوير، والإنسانية، والاستعمارية، والمركزية الغربية، وأي ظاهرة أخرى تزعج «تقدميي» اليوم أو أصولييه. أما اعتبار الدين، خاصة الأديان «غير الغربية»، ومنها الإسلام، بديلاً، أو نمطاً من المقاومة لـ»الإنسانية» المتمركزة على الذات الغربية، فهو يُسقط من حسابه أمراً أساسياً: هذه الأديان لم تبق في معزل عن كل ما جرى في العالم، ومرّت في «منعطف التحديث»، مثل أي ظاهرة أخرى، ولكن ضمن ظروفها الخاصة. يمكن الحديث عن «حداثات» متعددة في العالم، ومنها التحديث الذي شهدته منطقتنا، وإحدى سماته الحاسمة، أن الدين لم يكتسب نظاماً مستقلاً، موضوعه التعالي الروحي، بل تأدلج بشدة، وبات مؤسِّساً للأمة الحديثة، وهي أمة سياسية/حيويّة؛ وللسيادة الدنيوية؛ و»دين الدولة»؛ ومنطلقاً للمدونات القانونية، إذ لم يُدفع فقط إلى مجال قوانين الأحوال الشخصية، كما يرى بعض الباحثين، بل قبع في قلب الدساتير، وقوانين «الآداب العامة»، واعتُبر شرطاً لـ»السلم الأهلي»، ومنظوراً أساسياً للسياسات الحيوية للدول. فضلاً عن هذا بات أيديولوجيا كثير من الحركات السياسية، السلميّة والمسلّحة، التي تسعى للسيادة، وتزاود على السلطات في «إسلامية» جهاز الدولة. وأخيراً فقد أنتج «إنسانيته» الخاصة، المتمركزة حول الذات/المثال، كما في مقولة «أستاذية العالم»، العائدة للإخوان المسلمين. لقد تم تديين كل أنظمة المجتمع، ما يجعلنا نعيش في حالة من «الدين المفرط».
وسط كل هذه الأدلجة، لم تتحقق «المهمة الألمانية المُنجزة»، التي تحدّث عنها ماركس، أي نقد الدين، بوصفه نظاماً ميتافيزيقياً يثبّت الأدوار والمواقع، بالارتباط بالإلهي، ولهذا فلا يمكننا نقد الأيديولوجيا، لأننا لا نجرؤ أصلاً على نقد «دين الدولة»، و»دين الشعب». تكتفي بعض النخب بالهروب إلى الأمام، أو بالأصح الاحتيال الأيديولوجي، عبر استنساخ نقد النقد، والتفكيك الغربي لـ»الإنسانية» والتنوير والحداثة، مع التعامي عن الأدلجة الشديدة، الحديثة في العمق، التي تكاد تخنق كل خُلُق، وكل روحانية في «الإسلام». في كل الأحوال، لسنا في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، ولا يمكننا التدرّج في المهام، هنالك «نقد الدين»، و»نقد الأيديولوجيا»، و»الفهم الداخلي للتجربة الإيمانية»، ودراسة الإسلاميات التاريخية المتعددة، وتحولاتها التاريخية والثقافية، و»المنعطف الحديث» الذي مرّت به. إنها مهام فكرية وسياسية واجتماعية شاقة، ولكل منها أسئلتها ومناهجها ومواضيعها، ولكن التقاعس عنها، والاكتفاء بالتكرار الببغائي لما هو دارج من «نقد حداثة الغرب»، بأسلوب خالٍ من أي إبداع، أو مواجهة مع الذات، هو ما يغرق ثقافتنا في عطالة وبلادة فريدة من نوعها.
خطر العرقنة
جعل الدين متعالياً عن النقد، بدعوى مواجهة المركزية الغربية، أو الإمبريالية الثقافية؛ ولحماية الشعب، أو المهمشين، أو المسلمين، من خطاب الكراهية، قد يقود إلى الكراهية من باب خلفي عريض: عرقنة الثقافة، فكل ظواهرنا الثقافية باتت على ما يبدو هوية ثابتة، مضطهدة، فوق النقد، وكأنها سمات مثل لون الجلد، أو حجم الجمجمة. يمارس كل من اليمين، وما يسمى «يساراً» حالياً، نمطه الخاص من العرقنة، ويستفيد منه. الطرف الأول يبثّ خطاب كراهية واضحاً ضد الأفراد والمجموعات، رابطاً إياها بالإرهاب أو العنف أو الهمجيّة، لمجرد انتمائها بالولادة، أو حتى إيمانها بالدين؛ فيما يؤكد «اليسار» كل ادعاءات اليمين، ولكن بشكل مقلوب، عبر جعل «المهمشين» في مكانة أدنى، بسبب سماتهم الثقافية المعرقنة، فهم غير ناضجين ذاتياً لبناء فعلهم الخاص، وتحمّل مسؤوليته، وإنما يحتاجون دوماً إلى ترجمة لأقوالهم وأفعالهم، يقوم بها الناشطون «اليساريون»، لجعلها «تقدمية موضوعياً، وجزءاً من اليسار العالمي»، حسب تعبير المفكّرة الأمريكية جوديت باتلر، فهي بالنهاية «رد فعل» مُبرَّر على شيء ما، حتى لو دعت إلى المجازر الجماعية، وارتكبتها. بالتأكيد ستجعل العرقنة اليسارية «المهمشين» موضوعاً، ما دامت تنزع عنهم التكليف والمسؤولية الذاتية، وغالباً موضوعاً للكراهية.
«الشرط المسبق» الذي يحققه نقد الدين، هو السبيل الأمثل لنزع العرقنة، فهو يؤكد أن الناس ينتجون أديانهم، وليس العكس، بالتفاعل مع ظروف تاريخية معقدة، قابلة بالتأكيد للتبّع والنقد. سيفيد هذا بالتشكيك بالأدوار والمواقع الاجتماعية؛ اكتشاف علاقات القوة والتسلّط؛ إظهار التعددية الفعلية، بما فيها من تناقض وصراع، وليس التعددية الزائفة «تحت سقوف تروّج لها مجموعات المتعاطفين مع الإسلام السياسي؛ بل اكتشاف تاريخية مقولة «الإسلام» نفسها، بوصفها مقولة سياسية حديثة، عملت عليها جهات متعددة، ليست كلها مسلمة، بل تشمل أطرافاً مثل الاستعمار، النازية، الاستخبارات الغربية، سياسات الهوية الأمريكية والأوروبية، إلخ. وبالطبع تراث دموي طويل من الانقلابات العسكرية، بدأ من إندونيسيا عام 1965، ولم ينته في السودان عام 1989.
يمكننا أن نرى كيف أن تحقق «الشرط المسبق» لن يتوقف عند الدين، بل سيمتد ليشمل الأيديولوجيا والتاريخ، ويخرجنا من خطابات الكراهية، إلى التضامن الفعلي مع فئات متعددة من البشر، الأكثر تضرراً من علاقات السلطة القائمة، ومن موقع ندّي، غير استعلائي. لا يمنع ذلك من التعمق في دراسة «التجربة الإيمانية» من الداخل، ولكن هذا يتطلّب أولاً التصدي للأدلجة الخانقة، التي تكاد تبتلع كل إمكانية للإيمان.
كاتب سوري