أزمة جنوب اليمن وشرقه: البيانات والتداعيات

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء ـ «القدس العربي»: ثمة أسئلة جوهرية لابد من طرحها في المستهل وأهمها: هل يمكن اعتبار مفتتح التصعيد الأخير أحداث الجمعة الأولى (26 كانون الأول/ ديسمبر) أم أحداث الثلاثاء (30 كانون الأول/ديسمبر)، أم أحداث الجمعة الثانية (2كانون الثاني/ يناير)؟ وما علاقة أحداث الجمعة الأولى بإعلان إسرائيل الاعتراف المتبادل مع إقليم أرض الصومال؟ ولماذا ذهبت الأحداث يوم الثلاثاء إلى تفجير الموقف، لاسيما وأن السفينتين لم تكن الأولى من فصيلتها التي ترسو في موانئ اليمن، لاسيما ونحن نعرف أن لأبو ظبي حضورا عسكريا هناك، وقبل ذلك أن كل عتاد ميليشيات المجلس الانتقالي مصدره واحد؟ ولماذا رافق توجه الانتقالي إلى حضرموت والمهرة هذا التصعيد، وقد سبق له ممارسة نفس الدور في بقية محافظات جنوب البلاد على علم وسمع التحالف ودعمه أيضًا؟ والأهم إلى أين ستتجه الأحداث بناء على التصعيد الناجم عن الإعلان الدستوري الذي أعلن من خلاله المجلس الانتقالي الجمعة الماضية انفصالًا مؤجلًا لجنوب اليمن؟
تمثل البيانات، التي تواتر صدورها خلال الجمعتين الأولى (26 كانون الأول/ديسمبر) والثانية (2 كانون الثاني/يناير)، وبينهما الثلاثاء مصدرًا مهمًا للتعرف إلى ما حدث، وكيف حدث، وكيف تم التعامل معه، والتوقف أمام قراءة تداعيات ومآلات ما حدث.
مثل الثالث من كانون الأول/ديسمبر الماضي منعطفًا مهمًا في مسار الأزمة اليمنية، والمقصود بها أزمة جنوب اليمن وشرقه إن صحت التسمية، إذ اجتاحت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من أبو ظبي وادي حضرموت وسيطرت على مدينة سيئون، وبدأت في السيطرة على المواقع والمعسكرات، وفرض هيمنتها على المحافظة الغنية بالموارد النفطية والاقتصادية، والتي تشكل مساحتها 33 في المئة من مساحة اليمن.
وفي الرابع من كانون الأول/ديسمبر تمكنت، أيضًا، من السيطرة على محيط الحقول والشركات النفطية في الهضبة، وهي المواقع التي غادرتها قوات حلف قبائل حضرموت. وبالتزامن كانت قوات الانتقالي تدخل مدينة الغيضة عاصمة محافظة المهرة في أقصى شرقي اليمن على الحدود مع سلطنة عمان، وبدأت في نشر قواتها وبسط هيمنتها على تلك المحافظة التي تمثل الظهير الأمني الغربي للسلطنة من خلال حدود تمتد لنحو 294 كيلومترا، مثلما تمثل حضرموت عمقا استراتيجيا للمملكة العربية السعودية من خلال حدود تمتد لأكثر من 700 كيلومتر من أصل 1307 كيلومترات هو طول الحدود البرية لليمن مع السعودية.
وبالتالي فإن اجتياح قوات الانتقالي لهاتين المحافظتين، وخاصة بعد أن بدأت قوات الانتقالي في الانتشار في المديريات الصحراوية الممتدة من منطقة العبر شرقًا حتى الحدود مع سلطنة عُمان، فضلًا عن الأهمية الجغرافية والاستراتيجية والحيوية والثقافية والاجتماعية لحضرموت بالنسبة للمملكة، علاوة على انفتاح حضرموت والمهرة على بحر العرب من خلال منافذ اقتصادية هامة؛ كل ذلك وغيره يقف وراء اهتمام السعودية الخاص بالأحداث الأخيرة هناك، لاسيما بعد التغير المفاجئ في خريطة النفوذ للقوى المسلحة.
وانطلاقًا من تقارير صحافية متطابقة؛ فإن المجلس الانتقالي الجنوبي (تأسس في أيار/مايو 2017) يسيطر من خلال مختلف تشكيلاته، وبعد استكمال تموضعه في حضرموت والمهرة على أكثر مساحة جغرافية في اليمن، وتقدر بنحو 52 في المئة من جغرافيا اليمن، ويضم الانتقالي، أيضا، قوات النخبة الحضرمية التي تسيطر على ساحل حضرموت.
ويتبنى المجلس الانتقالي، مشروع انفصال جنوب وشرق البلاد، وفق حدود ما قبل عام 1990، لكنه يتبنى، بموازاة ذلك، مشروع انفصال هوياتي يتنكر فيه ليمنية جنوب وشرق البلاد؛ مناديًا بتأسيس ما سماها (دولة الجنوب العربي)، لكنه يريدها على جغرافيا ما كانت تُعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، قبل إعادة تحقيق وحدة البلاد في 22 ايار/مايو 1990، وقيام الجمهورية اليمنية.
في حضرموت لا يمكن تجاوز فاعلية حلف قبائل حضرموت، وهو يمثل فاعلا سياسيا (تأسس في تموز/يوليو عام 2013، ويرأسه الشيخ عمرو بن حبريش)، ويتبنى مطالب الحكم الذاتي لحضرموت، علاوة على كونه مناهضًا لمشروع المجلس الانتقالي. وأنشأ الحلف فصيلًا مسلحًا تابعًا له نهاية عام 2024، ممثلًا في قوات حماية حضرموت، كفصيل مواز وحام لمشروعه السياسي.
حركة «أنصار الله» تسيطر على نسبة تقدر بـ 33 في المئة من مساحة البلاد. بينما تحتفظ الحكومة المعترف بها دوليًا بما نستبه وفق التقديرات 10 في المئة. أما قوات طارق صالح أو ما تعرف بقوات المقاومة الوطنية، فتحتفظ بما نسبته 5 في المئة من أراضي اليمن، وتتمركز في الساحل الغربي. لجنة الاعتصام السلمي أحد الفاعلين السياسيين في محافظة المهرة، ويرأسها الشيخ علي سالم الحريزي، ولها حضور محلي فاعل وتنحاز لخيار وحدة اليمن.

السيطرة السريعة

السيطرة السريعة للانتقالي على المحافظتين الاستراتيجيتين ربما أربك حسابات الرياض؛ التي كانت تتوقع عدم استطاعة الانتقالي القيام بذلك بتلك السرعة؛ وانطلاقا من ذلك تحركت وأرسلت وفدًا عسكريًا للوساطة، وعلى الرغم من توصله لاتفاق عشية الثالث من كانون الأول/ديسمبر بين السلطة المحلية وحلف قبائل بشأن حماية مواقع حقول وشركات النفط، إلا أن قوات الانتقالي سيطرت فجر اليوم التالي على تلك المواقع، وفشلت كل جهود الرياض للتهدئة وامتصاص الاحتقان والتوتر الهادفة إلى خروج قوات الانتقالي مع المحافظتين.
وفي 14 كانون الأول/ديسمبر أنهى وفد عسكري سعودي- إماراتي، يمثل التحالف العربي، محادثات مع رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزُبيدي، خلال زيارة قصيرة إلى عدن، بدون التوصل إلى اتفاق بشأن انسحاب قواته من محافظتي حضرموت والمهرة.
من جانب مجلس القيادة الرئاسي، استمرت التصريحات التي يرفض، من خلالها، رئيس المجلس، رشاد العليمي، اجتياح المحافظتين، معتبرًا ما قام به الانتقالي «تصرفات أحادية»، وهو توصيف لم يرق إلى مستوى الحدث، وصولا إلى انقسام داخل الحكومة، والذي تجلى في إعلان بعض الوزراء أو نوابهم أو وكلاء وزارات دعمهم لتحركات الانتقالي في حضرموت والمهرة، بينما استمر رئيس مجلس القيادة الرئاسي من خلال لقاءاته بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية أو غيرها من اللقاءات في التأكيد على أهمية انسحاب قوات الانتقالي من المحافظتين.
في المقابل استمر الانتقالي في رفد قواته في حضرموت بتعزيزات إضافية، مع استمرار هجمات الانتقالي الميدانية بهدف استكمال بسط السيطرة على جميع مناطق الوادي والصحراء، بما فيها مناطق انتشار حلف قبائل حضرموت.
في 25 كانون الأول/ديسمبر أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا أشارت فيه إلى أن «التحركات العسكرية في محافظتي (حضرموت، والمهرة) التي قام بها مؤخراً المجلس الانتقالي الجنوبي تمت بشكل أحادي بدون موافقة مجلس القيادة الرئاسي أو التنسيق مع قيادة التحالف، ما أدى إلى التصعيد غير المبرر الذي أضر بمصالح الشعب اليمني بمختلف فئاته والقضية الجنوبية وجهود التحالف».
وقالت إن الجهود ما زالت متواصلة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه.
لم يتضمن البيان تحذيرًا للانتقالي بنبرة عالية، بقدر ما تضمن ما يمكن تسميته تنبيها بدرجة تعول المملكة «بأن يبادر المجلس الانتقالي بإنهاء التصعيد وخروج قواته بسلامة وبشكل عاجل من المحافظتين».
يوم الجمعة الموافق 26 كانون الأول/ديسمبر، انتقلت الرياض من التنبيه السياسي إلى التحذير السياسي من خلال قصف جوي غير مؤثر عسكريا؛ فاستهدفت غارات جوية سعودية، في يوم الجمعة المشار إليه آنفا، أحد مواقع ميليشيات الانتقالي في هضبة حضرموت، وأعقبه صدور بيان للمجلس الانتقالي، أبدى ما يشبه الامتعاض من الغارة الجوية، وعلّق فيه على بيان الخارجية السعودية، لكنه أكدّ، في الوقت ذاته، تصلب موقفه وعدم انسحاب قواته من محافظتي حضرموت والمهرة.
ووفق مصادر، فإن الضربة الجوية لم تلحق أي أضرار، باعتبارها كانت تحذيرية أكثر منها استهدافًا. علاوة على ذلك استمرت الاشتباكات بين تشكيلات القوات التابعة للانتقالي وقوات حلف قبائل حضرموت ومسلحين قبليين في عدة مناطق في الهضبة والوادي والساحل.
في مساء اليوم ذاته، رأس العليمي، اجتماعًا لمجلس الدفاع الوطني، بحضور كبار قيادات الدولة، وحسب البيان الرسمي «كُرس الاجتماع لمناقشة الأوضاع في محافظتي حضرموت والمهرة، على ضوء الإجراءات الأحادية والتصعيد العسكري من جانب المجلس الانتقالي الجنوبي، وتداعياته الخطيرة على الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة».

تفويض للتحالف

في بيان هذا الاجتماع تطورت لغة الخطاب السياسي في توصيف تحركات الانتقالي باعتبارها «تمردا على مؤسسات الدولة الشرعية»، دون تركيز سياسي على أن هذه جريمة (التمرد) بدليل أن الخطاب في الخبر التالي لبيان الاجتماع استمر في حصر تحركات الانتقالي باعتبارها «أحادية» وفي ارتكاب مخالفات وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، رافضا انسحاب قواته من محافظتي حضرموت والمهرة، وتسليم المعسكرات فيها إلى قوات درع الوطن والسلطة المحلية، متقدما من تحالف دعم الشرعية، بطلب «إتخاذ كافة التدابير العسكرية اللازمة لحماية المدنيين الأبرياء في محافظة حضرموت، ومساندة القوات المسلحة على فرض التهدئة وحماية جهود الوساطة السعودية الإماراتية».
بالتوازي مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي دعمه لجهود الوساطة السعودية الإماراتية، أعلن المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء تركي المالكي، في 27 كانون الأول/ديسمبر، «أن أي تحركات عسكرية تخالف خفض التصعيد وخروج قوات الانتقالي من محافظة حضرموت، وتسليم المعسكرات لقوات درع الوطن وتمكين السلطة المحلية من ممارسة مسؤولياتها فإن هذه الجهود سيتم التعامل المباشر معها في حينه بهدف حماية أرواح المدنيين وانجاح الجهود السعودية الإماراتية».
عقب ذلك، قال وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان في منشور على حسابه في منصة إكس «إن الوقت حان للمجلس الانتقالي الجنوبي في هذه المرحلة الحساسة تغليب صوت العقل والحكمة والمصلحة العامة ووحدة الصف بالاستجابة لجهود الوساطة السعودية- الإماراتية لإنهاء التصعيد، وخروج قواتهم من المعسكرات في المحافظتين وتسليمها سلمياً لقوات درع الوطن والسلطة المحلية». وكان المنشور حادا في رفضه لما يحصل، محذرًا من التداعيات في تطور ملحوظ في الخطاب إزاء الأزمة القائمة.
بدأت المملكة تسير باتجاه التصعيد؛ لاسيما مع استمرار تحركات قوات الانتقالي في مختلف مناطق الوادي والصحراء، بما فيها المديريات المحادة للحدود الجنونية للمملكة. ولعل إعلان اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال قد زاد من مخاوف الرياض، وخاصة ما قد يشهده شرق وجنوب اليمن من تطورات قد تمثل تهديدًا لأمنها الوطني.
بدأ الانتقالي عقب طلب «الرئاسي» تدخل التحالف بالسير في اتجاهين: تسريع تحركاته العسكرية وتعزيزها بقوات إضافية من عدن وغيرها، وذلك بهدف استكمال فرض سيطرته على كامل جغرافيا حضرموت، بما فيها المناطق التي ما زالت ضمن سيطرة قوات حلف قبائل حضرموت في غيل بن يمين وغيرها، بينما في الاتجاه الثاني بدأ في تنظيم مسيرات جماهيرية لأنصاره؛ ليؤكد من خلالها للرياض أن تحركاته تحظى بدعم شعبي؛ مؤكدًا من خلال كل ذلك إصراره على عدم الانسحاب من المحافظتين.

ميناء المكلا

بتاريخ 27 كانون الأول/ديسمبر أعلن المتحدث باسم قوات التحالف اللواء تركي المالكي، أن أي تحركات عسكرية مخالفة لخفض التصعيد سيتم التعامل معها. وفي تصريحه فجر يوم الثلاثاء الموافق 30 كانون الأول/ديسمبر أعلن اللواء المالكي، أن قوات التحالف الجوية، قامت صباح الثلاثاء، بتنفيذ عملية عسكرية (محدودة) استهدفت أسلحة وعربات قتالية أفُرغت بميناء المكلا بمحافظة حضرموت.
وأوضح اللواء المالكي، أنه في يومي السبت والأحد الموافق (27 -28 كانون الأول/ديسمبر 2025) تم دخول سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة إلى ميناء المكلا دون الحصول على التصاريح الرسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف.
وأشار اللواء الركن المالكي، إلى أن طاقم السفينتين قام بتعطيل أنظمة التتبع الخاصة بهما، وإنزال كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظات الشرقية لليمن (حضرموت، المهرة) بهدف تأجيج الصراع، ما يعد مخالفة صريحة لفرض التهدئة والوصول لحلٍ سلمي، وكذلك انتهاكًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015.
وقال المالكي «استنادًا لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، لقوات التحالف باتخاذ كافة التدابير العسكرية اللازمة لحماية المدنيين بمحافظتي حضرموت والمهرة، ولما تشكله هذه الأسلحة من خطورة وتصعيد يهدد الأمن والاستقرار، فقد قامت قوات التحالف الجوية بتنفيذ عملية عسكرية محدودة استهدفت أسلحة وعربات قتالية افُرغت من السفينتين بميناء المكلا، بعد توثيق ذلك، ومن ثم تنفيذ العملية العسكرية بما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية وبما يكفل عدم حدوث أضرار جانبية».
وأكدَّ اللواء المالكي، استمرار قيادة التحالف في خفض التصعيد وفرض التهدئة في محافظتي حضرموت والمهرة، ومنع وصول أي دعم عسكري من أي دولة كانت لأي مكون يمنيّ من دون التنسيق مع الحكومة اليمنية الشرعية والتحالف.
وفق البيان فالأمر استغرق ثلاثة أيام في الرصد والتوثيق والتواصل مع أبو ظبي، علمًا أنه تم خلالها نقل بعض حاويات الأسلحة إلى قاعدة مطار الريان، وهي التي استولت عليها قوات الانتقالي يوم الخميس الموافق الأول من كانون الثاني/يناير عقب مغادرة آخر طائرة شحن إماراتية.
السؤال: ما الذي دفع الرياض للتحرك العسكري في حضرموت بينما كان الانتقالي قد سبق وقام بنفس العمليات خلال سيطرته على بقية محافظات الجنوب والشرق؟
لم تتوقع المملكة أن يتمكن الانتقالي من السيطرة على المحافظتين بهذه السهولة، علاوة على ما تمثله هاتان المحافظتان، وخاصة حضرموت من أهمية استراتيجية للرياض لعوامل جيوسياسية في المقام الأول، علاوة على ما يمثله التمدد الإسرائيلي في المنطقة من خطر، لاسيما في ظل ما يعلن عنه الانتقالي من انفتاح للتعامل مع تل أبيب في حال أعلن قيام دولته التي ينادي بتأسيسها؛ وبالتالي فقد أوضحت الرياض في بيان وزارة الخارجية أن أمنها الوطني خط أحمر وغيرها من التحذيرات عبرت عنها بلهجة قوية.
وقبل ذلك حاولت المملكة خلال الأيام الماضية للعملية العسكرية بذل جهود في الوساطة، لكن كل جهودها وصلت إلى طريق مسدود؛ ما وضع أمنها الوطني على المحك؛ فقررت المضي في مسار الحسم، وفق مراقبين.

عمليات سابقة

هل كانت الرياض لا تعلم بعمليات سابقة أدخلت فيها أبو ظبي أسلحة للانتقالي في اليمن؟ ربما كانت تعلم وتغض الطرف، لكن تغيرت الحسابات لاحقًا، بعد أن أصبحت قوات الانتقالي على مناطق الحدود مع المملكة.
أعقب تصريح المتحدث باسم التحالف كلمة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، تغيّرت فيه لغة الخطاب السياسي للعليمي كثيرًا، وأكد «أن الدولة ماضية في حماية المدنيين، ومركزها القانوني، ووحدة قرارها العسكري والأمني»، محذرا من «خطورة تصعيد المجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة، وتورط دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم التمرد، وتقويض مؤسسات الدولة».
وأعرب «عن أسف بالغ للدور الإماراتي المتزايد في دعم تمرد المجلس الانتقالي، على النحو الذي جاء في بيان قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بشأن شحنات سلاح وعتاد عسكري وصلت إلى ميناء المكلا بدون تصريح، وما تضمنه من دلائل على تورط دولة الإمارات العربية المتحدة بدعم التصعيد العسكري وتقويض سلطة الدولة، وتهديد وحدة الجمهورية اليمنية وسلامة أراضيها»، معلنًا اتخاذ عدد من القرارات.
كانت نبرة الخطاب عالية مقارنة بسابقاتها، وأن بقيت على توصيفاتها السابقة لتحركات الانتقالي باعتبارها إجراءات أحادية، لكنه، كما سبق، أضاف إليها صفة التمرد.
أعقب ذلك، صدور قرارات أعلن فيها حالة الطوارئ في كافة أراضي الجمهورية ابتداءً من يوم الثلاثاء 30/12/2025 ولمدة 90 يوماً قابلة للتمديد، والزام جميع القوات والتشكيلات العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة التنسيق التام مع قيادة تحالف دعم الشرعية ممثلة بالمملكة العربية السعودية والعودة فوراً لمواقعها ومعسكراتها الأساسية بدون أي اشتباك وتسليم كافة المواقع لقوات درع الوطن، ومنح محافظي حضرموت والمهرة كافة الصلاحيات لتسيير شؤون المحافظتين، والتعاون التام مع قوات درع الوطن حتى استلامها للمعسكرات، وفرض حظر جوي وبحري وبري على كافة الموانئ والمنافذ لمدة 72 ساعة من تاريخ هذا الإعلان، باستثناء ما يصدر بإذن وتصريح رسمي من قيادة تحالف دعم الشرعية.
كما أصدر قرارًا قضى بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، مطالبًا كافة القوات الإماراتية ومنسوبيها الخروج من كافة الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة، وملزمًا قوات درع الوطن التحرك وتسلم كافة المعسكرات في محافظتي حضرموت والمهرة.
عقب تلك القرارات، أصدرت وزارة الخارجية السعودية بيانًا جددت فيه التزامها بأمن اليمن واستقراره، وسيادته، ودعمها الكامل لرئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة. لكنها لم تتطرق في البيان إلى وحدة اليمن.
وأعربت عن أسفها «لما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة من ضغط على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لدفع قواته للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، والتي تعد تهديدًا للأمن الوطني للمملكة، والأمن والاستقرار في الجمهورية اليمنية والمنطقة».
في هذا البيان تجلى مدى تخوف المملكة من تهديد تحركات الانتقالي لأمنها الوطني، باعتبار أن عملياته العسكرية صارت على حدودها، مؤكدة في ذات البيان أن «أي مساس أو تهديد لأمنها الوطني هو خط أحمر لن تتردد المملكة حياله في اتخاذ كافة الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهته وتحييده»؛ وهي لغة ارتفعت نبرتها، وأظهرت عدم تسامحها في سياق محاولة لدفع الانتقالي وقبله أبو ظبي إلى مراجعة سريعة واتخاذ قرار يتفادى الصدام.
وفي هذا، شدد البيان «على أهمية استجابة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال أربع وعشرين ساعة»، وزادت عليه مطالبة بـ «إيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن».
في ذات اليوم، رأس العليمي اجتماعًا لمجلس الدفاع الوطني. وكان أبرز ما تضمنه الخبر الرسمي للاجتماع هو تأكيده بوضوح أن ما قام به المجلس الانتقالي الجنوبي هو تمرد صريح على مؤسسات الدولة، كما عاد ليجدد دعمه الكامل «لجهود الوساطة التي تقودها المملكة العربية السعودية، من أجل خفض التصعيد، وحماية المدنيين، وإعادة الأوضاع في محافظتي حضرموت والمهرة إلى ما كانت عليه».
إلى ذلك، صدر عن مجلس الوزراء السعودي بيان أكد فيه التزام المملكة بأمن واستقرار اليمن بدون الإشارة إلى وحدته، مؤكدًا على أن المملكة لن تتردد في اتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهة أي مساس أو تهديد لأمنها الوطني.
وعبر المجلس، عن أمل المملكة في «أن تستجيب دولة الإمارات العربية المتحدة لطلب الجمهورية اليمنية خروج القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي للمجلس الانتقالي الجنوبي وأي طرف آخر داخل اليمن».

إنهاء الوجود العسكري

في أول رد فعل إماراتي، أصدرت وزارة الدفاع بيانًا أكدت أنها أنهت وجودها العسكري في اليمن عام 2019، بعد استكمال المهام المحددة ضمن الأطر الرسمية المتفق عليها، فيما اقتصر ما تبقى من تواجد على فرق مختصة ضمن جهود مكافحة الإرهاب وبالتنسيق مع الشركاء الدوليين المعنيين.
وأعلنت «إنهاء ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بمحض إرادتها، وبما يضمن سلامة عناصرها، وبالتنسيق مع الشركاء المعنيين».
فيما جاء بيان وزارة الخارجية الإماراتية؛ معربًا عن قلقه مما احتواه بيان الرياض مما اعتبره «مغالطات جوهرية بشأن دور الإمارات في التطورات الجارية في الجمهورية اليمنية»، معلنا «رفض الإمارات رفضاً قاطعاً أي محاولة لتوريطها في التوترات بين الأطراف اليمنية، وتستنكر بشدة الادعاءات التي تزعم ممارستها ضغوطاً على أي طرف يمني، أو إصدارها توجيهات له، للقيام بعمليات عسكرية من شأنها تقويض أمن المملكة العربية السعودية أو استهداف حدودها».
وفيما يتعلق ببيان المتحدث باسم قوات التحالف بشأن العملية العسكرية في ميناء المكلا، أكدت «رفضها القاطع للادعاءات التي تزعم تأجيج الصراع اليمني»، معتبرة «أن الشحنة المعنية لم تتضمن أي أسلحة، وأن المركبات التي تم تفريغها لم تكن مخصصة لأي جهة يمنية، وإنما شُحنت لاستخدامها من قبل القوات الإماراتية العاملة في اليمن».
وردًا على بيان الخارجية الإماراتية أصدر المتحدث باسم قوات التحالف، تركي المالكي، بيانًا أوضح فيه «أن ⁠السفينتين دخلتا إلى ميناء المكلا، مخالفةً للإجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات، ودون تصريح دخول من الحكومة اليمنية أو قيادة التحالف، كما أغلقتا جهاز التتبع والتعريف قبل دخول المياه الإقليمية اليمنية».
وأشار إلى أنه وخلال دخول السفينتين تم إغلاق الميناء، وإخراج كافة العاملين والموظفين المحليين، لافتاً إلى أنه وبعد وصول السفينتين، اتضح أنها تحمل أكثر من 80 عربة، إضافة لعدد من الحاويات المحملة بالأسلحة والذخائر، حيث تم توثيق عملية الوصول والتفريغ، وتم إبلاغ المسؤولين على مستوى عالٍ بدولة الإمارات بمنع خروج هذا الدعم من ميناء المكلا لتفادي ذهابها لمناطق الصراع.
وقال اللواء المالكي، «رغم ما تم إبلاغهم به، قام الجانب الإماراتي الشقيق- دون إبلاغ المملكة – بنقل العربات والحاويات إلى قاعدة الريان المتواجد بها ما لا يتجاوز 10 عناصر إماراتية إضافة إلى قوات مشاركة في التصعيد، وتم إبلاغ الجانب الإماراتي الشقيق بأن تلك الممارسات التصعيدية الهادفة لتغذية الصراع غير مقبولة، ويجب إعادتها للميناء، وتم إعادة العربات إلى الميناء وإبقاء حاويات الأسلحة في قاعدة الريان».
وأضاف «توفرت معلومات مؤكدة لدى قيادة قوات التحالف بأنه سيتم نقلها وتوزيعها إلى عدة مواقع في وادي وصحراء حضرموت، ما سيتسبب في زيادة التصعيد»، مبيناً أنه «وقبل فجر اليوم الثلاثاء، وحرصًا من قيادة التحالف بعدم سقوط ضحايا أو التأثير على الممتلكات العامة، تم تنفيذ عملية عسكرية محدودة بطريقة تكفل سلامة الأرواح والمنشآت في الميناء، وذلك بعد تطبيق قواعد الاشتباك».
مما تضمنته بيانات وزارتي الدفاع والخارجية الإماراتية وتركي المالكي، يتضح أن ثمة حقائق سيتواتر ظهورها في الأيام وربما الأسابيع والشهور المقبلة، يتسنى لنا من خلالها الحكم على طبيعة العلاقة بين الرياض وأبو ظبي، وما اعترى هذه العملية.
الإمارات في اليوم التالي بدأت انسحابا تدريجيا، لكن يبقى السؤال قائما عن مصير انسحابها من القواعد التي كانت شرعت في انشائها في جزيرة عبدالكوري في أرخبيل سقطرى على المحيط الهندي وعلى الساحل الغربي على البحر الأحمر.
من المستبعد عودة أبو ظبي لتسليح أطراف يمنية، لاسيما مع سيطرة الرياض وتحكمها بالأجواء والمنافذ اليمنية؛ إلا أنها لن تفتقد الوسائل لإيصال دعمها للمكونات التي رعتها داخل اليمن، وتفرض من خلالها سياستها الخاصة.

الإعلان الدستوري

شهد يوم الجمعة الموافق 2 كانون الثاني/يناير، تطورات متسارعة، تمثلت في اعلان العملية العسكرية (استلام المعسكرات)، وبناء عليه اشتبكت قوات درع الوطن مع قوات الانتقالي في معسكر الخشعة في وادي حضرموت ومواقع أخرى للانتقالي على امتداد الوادي وغيره، تحت قصف جوي سعودي مكثف.
في مساء اليوم نفسه، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي بيانا سياسيا وإعلانا دستوريا، أعلن فيه بدء مرحلة انتقالية في جنوب اليمن مدتها عامان يعقبها استفتاء شعبي على تقرير المصير.
تزامن العمليات العسكرية البرية مع الإعلان الدستوري يفرض أكثر من سؤال عن لجوء الانتقالي لذلك، إلا أنه يبقى تحولًا خطيرا في مسار الأزمة اليمنية؛ إذ نقل أزمة الجنوب والشرق إلى مرحلة أخرى، نرتقب مستجداتها، وما ستسفر عنه التطورات في الأيام المقبلة، مع الإشارة إلى أن التصعيد السياسي الأخير ربما لم يكن سوى وسيلة من وسائل صد الضغط العسكري الموازي في حضرموت، وهروبا للأمام من مسألة خسارة المعركة هناك.
وكانت لجنة اعتصام أبناء المهرة السلمي قد أصدرت بيانًا عن أحداث الثلاثاء، جددت فيه التأكد على موقفها «الوطني الثابت الرافض لأي وجود أجنبي أو تدخلات خارجية تمس سيادة المحافظة وحق أبنائها في إدارة شؤونهم بأنفسهم ورفضها المطلق والقاطع لتواجد أي تشكيلات مسلحة غير نظامية أو ميليشيات مدعومة من الخارج، لما تمثله من تهديد مباشر لأمن المهرة واستقرارها، ومحاولات فرض واقع عسكري خارج مؤسسات الدولة». ورحبت «بقرار دولة الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من اليمن»، مؤكدة «أن أي انسحاب يجب أن يكون كاملًا وجادًا، لا شكليًا أو منقوصًا، وألا يُستعاض عنه بالإبقاء على قوى وتشكيلات تعمل بالوكالة وتُدار من الخارج، لما في ذلك من تعقيد للمشهد وإطالة أمد الصراع وحالة الفوضى».
من المؤكد أن الأحداث الأخيرة خلطت أوراق الأزمة اليمنية وزادتها تعقيدا.
لكن تبقى دعوة الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد للسلام، ذات أهمية؛ باعتبارها تدعو كافة القوى اليمنية والإقليمية إلى حوار يمني- يمني يُعقد في الداخل، ويبحث كافة المسائل التي تتعلق بإعلان حكومة اتحادية وسلطتين تشريعية وقضائية واحدة وجيش واحد وعلم واحد ونشيد واحد.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية