أركون ونقد العقل الديني

كلما كان ثمن القناعة باهظا، كانت هذه القناعة قوية لا يستطيع أن يتقبلها العقل الدوغمائي، الذي أمسى يمثله «هؤلاء الأشخاص الذين يسهرون على الحقيقة إذا ما جن الليل ونام الآخرون: ما سرهم، ما لغزهم؟ هؤلاء الذي يبيحون الدنيا كلها «بلحظة الحقيقة» هم وحدهم الذين يهمونني الآن، وعلى ضوئهم أهتدي».
ما يكون من أمر، فإن التراث منطقة فطرة، قنابل موقوتة «لا تزال كابوسا مرعبا أهرب منه باستمرار». لقد بدأ الضياع الوجودي بعدما انتهى الضياع الأبستمولوجي، ولذلك سيعلن الباحث عن رحلة الوداع قائلا: «لكم تراثكم ولي تراثي» وما التراث سوى وجه مشرق لفلسفة التنوير، التي يجب أن تسبق الثورة: «هل من ربيع سياسي بلا ربيع فكري» فالثورة تنفح بالضرورة على آفاق جديدة.
هنا يكمن مكر التاريخ، أو مكر العقل في التاريخ، لا حين يتوجه التيار الديني في الاتجاه المعاكس للتاريخ، يعجل بظهور الطريق الصحيح المعاكس لظلاميته، ولعل «داعش» هي المفكك الحقيقي لمكر التاريخ، ومن خلالها سيكتشف العقل أنه يوجد في التاريخ، وعوض أن يتساءل الفكر العربي المتعب: لماذا تأخر وتقدم الآخر؟ يتساءل لماذا بدأت نهايتنا مع هذه الحروب المقدسة؟ وإلى أين يتجه بنا زعيم دولة الخلافة؟ وكيف يمكن الاستفادة من هذه اللحظة المصيرية؟
فالأمة التي تعشق التراث وتقدسه هي بالضرورة أمة تخاف الحداثة، إلى استثمار تجلياتها التقنية في المجال الطبي والعسكري، ذلك أن الانتقال من القبيلة إلى الدولة يتم عبر المؤسسة العسكرية، فالانقلابات أساس الدول، والاستبداد الديني دستورها، فالأرض تورث كاللغة، والإنسان يتعبد كالبهيمة «فالأمة التي لا تتوحد وهي تتداول السلطة، تتفكك، والأمة التي لا تتعلم ولا تنتج العلم والعلمانية (كالعروبة) تغطي حضورها بغيابها الحضاري، فلا تقوم قائمة لدولها، إلا في نطاق قبائلها المغلقة التي تعيش تاريخها المقلوب».
تكاد كل المفاهيم السلبية في الفلسفة تنطبق على العقل العربي المحروم من الحرية والفكر، فهو بالإضافة إلى أنه لم يصل بعد إلى جدل التاريخ، فكيف له أن ينعم بجدل التنوير؟ ولذلك نجده يصارع مكر التاريخ بواسطة الاستجابة لحنين التراث، إذ لا أحد من الباحثين استطاع أن لا يسقط ضحية انبهاره بابن رشد، وحين يريد أن يتقدم إلى الأمام يسقط في أعماق الظلام، لكن بدأ ما بدا تباشير فجر جديد يلوح في الأفق. انبثق التيار الأصولي مختفيا في حراك الشعوب العربية ضد الاستبداد، التي تم تتويجها بظهور «داعش»، وبما أن فلسفة التاريخ لا تجعل من الصدفة قاعدة، فإن «داعش» هي تراكم للتراث المقدس، الذي جعل من الخطأ أساس الصواب، ومن الجهل غاية العقل، لأن هذا الخطأ الموروث بلغة الجابري، أخذ مكان الحقيقة، وأضحى مقدسا، تتصارع من أجله القبائل. فكلما كان الفكر منطويا على ذاته، عكس فكر القبيلة أو الطائفة، أو الجماعة، والفكر لم يخرج على هذا التحديد، ولعل عدم قدرته على مواجهة الوجود والتساؤل عن ماهيته، لأكبر دليل على ضعفه. فهل توقفت علاقة الفكر العربي بالوجود منذ موت ابن رشد؟ وإلا كيف يمكن تفسير هذه العودة المندهشة إلى التراث؟ وما الذي يخفيه هذا التراث من أسرار؟ هل تجاوز حدود تحصين العقيدة من المخالفين والدعاية لعبقرية الدين ونشر أركان الإسلام؟ ولماذا توجه إلى الوجه المشرق فيه بالنقد العنيف والجهاد المقدس؟

كلما كان الفكر منطويا على ذاته، عكس فكر القبيلة أو الطائفة، أو الجماعة، والفكر لم يخرج على هذا التحديد، ولعل عدم قدرته على مواجهة الوجود والتساؤل عن ماهيته، لأكبر دليل على ضعفه.

لقد انتهى حماس أركون إلى دعوة أمة التراث المقدس إلى اختيار منهج المعتزلة، في تعاملها مع التراث الديني من خلال «تقييم التراث، لكي يصبح عامل نهوض لا عامل كبح أو لجم أو عرقلة أو نكوص». ومعيار التقييم هو العقل، لكن أركون ينسى أن اقتلاع العقل من جذره قادر على إفراغ الهوية التي وجدت نفسها في تفسير أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، من أجل بلورة الأحكام الفقهية، وبمجرد ما تم اقتلاع التيار العقلاني، الذي مثّله المعتزلة والفلاسفة. وهكذا أصبح الحوار بدعة، والطاعة إيمانا، وأركون نفسه يقع في هذه الهفوة المنهجية، عند استخدام مفهوم الظاهرة القرآنية وانفصالها عن اللغة البشرية، ولذلك جعل القرآن يتعالى على التاريخ، حيث يبرر ذلك قائلا: «عندما استخدمت مصطلح الظاهرة القرآنية، فهم البعض أنني أتخذ موقفا إيمانيا تقليديا، لكي أحافظ على العقيدة القائلة بأن لا علاقة للقرآن بالكلام البشري، وأنه يتعالى على التاريخ كليا، واعتقدوا أني أريد أن أحميه من وطأة النقد التاريخي الحديث. وسأركز هذا النقد فقط على الظاهرة الإسلامية». فالخطأ لا يوجد في الإسلام، بل في المسلمين، ولعل هذا هو شعار التيار الأصولي، ولذلك نجد أحد زعماء هذا التيار، وهو مالك بن نبي يؤكد على الظاهرة القرآنية، ضمن منظور تبجيلي تقديسي يفصله عن التاريخ والإنسان، لكن أركون يفسر استعماله لمصطلح الظاهرة القرآنية، انطلاقا من هدف محدد: «التجلي التاريخي لخطاب شفهي، في زمان ومكان محددين تماما.. فكنت أهدف إلى تطبيق المنهجية الجديدة على القرآن إلى التركيز على البعد اللغوي، والسيميائي والسوسيولوجي، والنفسي، والأنثروبولوجي لهذا الخطاب». بيد أن ما قدمه أركون ليس سوى قراءة قرآنية للقرآن، لأن كل هذه المناهج التي كان يفتخر بمعرفتها لم تطبق، على الرغم من الدفاع عن مشروعه أمام النقاد، الذين اتهموه بتقوية التيار الأصولي، وجعله يتحدث عن شمولية القرآن لكل العلوم، لأن ما كان ينساه أركون أن تطبيق المناهج الإنسانية على النص المقدس، سيفقدها طابعها الإنساني، ويحملها الطابع اللاهوتي، فالتفكير في الإنسان هو تفكير في المتناهي انطلاقا من ذاته.
ولذلك فإن العلوم الإنسانية أرادت التفكير في هذا المتناهي، ضدا من أسطورة أزليته، من خلال ثلاثة أسئلة هي: سؤال المجال المعرفي ذاته، سؤال مفهوم التاريخ، وسؤال وجود الإنسان، وسيم تحديد مصير الإنسان في الاقتصاد السياسي. فالفكر يوجد في اللامفكر فيه، والكوجيطو هو نفسه اللامفكر فيه، كما أن الأصل هو العودة، فهل يمكن القول إن هذا العالم الرمزي يعبر عن الشروط التي تجعل الفكر ممكنا؟ ولا يسعنا إلا أن نتساءل أيضا: كيف يمكن للعلوم الإنسانية التي انبثقت عن العلوم الوضعية، أن يتم تطبيقها على العلوم الدينية؟ وبعبارة أخرى، هل الإنسان في العلوم الإنسانية هو نفسه في الفقه الإسلامي؟
مهما يكن هذا الغموض الذي تركنا فيه أركون ملتبسا، فإن ما كان غائبا عنه هو منهجية أركيولوجية المعرفة، التي دفعت فوكو إلى الإعلان عن نهاية الإنسان مع نهاية العلوم الإنسانية، لأنه ليس إلا اختراعا مؤقتا: «الإنسان اختراع تظهر حفريات فكرنا، بسهولة، تاريخه القريب، ولربما أظهرت نهايته القريبة». ولعل هذا الموقف من نهاية الإنسان نجده في عبارة لنيتشه: إن الإنسان في حالة احتضار، وإذا غاب الإنسان، فإنه لا يبقى أمامنا سوى القدر، الفرح بحب القدر. ومما يؤسف له أن الوجود لم يعد يعني سوى استعجال الزمان في عالم لم نعد نعرف من نكون، ولا كيف نتكلم، ولا المجال المعرفي الذي ننتمي إليه. فالإنسانية الراهنة ليست هي تطرح على نفسها المشاكل التي تستطيع حلها، بل هي التي غرقت في الحروب الدينية والطائفية.

من أجل إنقاذ الإنسان، وإعادة اكتشاف الإنسان داخل الإنسان ينبغي الابتعاد عن المذاهب التي أصيبت بالعقم، وبهذا المعنى يتم تجاوز الميثولوجية السياسية التي اختفت وراء قناع الدين والتوجه نحو السياسة المدنية، التي يفصلنا عنها حجاب العقل الشفاف.

من أجل إنقاذ الإنسان، وإعادة اكتشاف الإنسان داخل الإنسان ينبغي الابتعاد عن المذاهب التي أصيبت بالعقم، وبهذا المعنى يتم تجاوز الميثولوجية السياسية التي اختفت وراء قناع الدين والتوجه نحو السياسة المدنية، التي يفصلنا عنها حجاب العقل الشفاف. فنسيان ثقافة الفقهاء التي ظلت سجينة في ثنائية معنى الحياة ومعنى الموت، وتبرير الاستبداد بالعبادة، هو ما ينبغي أن يتوجه نحوه التنظير الفلسفي والعلوم الإنسانية، فلم يعد ممكنا اليوم الاهتمام بتلك الأعمال النظرية لظاهرة الأصولية وربطها بالظاهرة الدينية، كما فعل أركون، فهي مجرد ردة فعل ضد الاستشراق الكلاسيكي والمعاصر، لأن أركون حوّل الحوار إلى معركة، لكن فشل مشروعه تحكمت فيه جدلية مكر التاريخ، لأنه ليس من الضروري إصلاح الفكر الديني، بل دفعه إلى الانفجار على ذاته كما وقع لـ»داعش» والحركات المتطرفة.
بما أن اختراع العلوم الإنسانية، حسب فوكو، معناه، اتخاذ الإنسان موضوعا للمعرفة، لكي يتحرر عبرها من استلابه، ويصبح من خلال هذه المعرفة سيد نفسه، ويسمى ذاتا فاعلة لحريته وفكره، فإن استدراج هذه العلوم إلى الثيولوجية سيفقدها ماهيتها، ولعل ما وقع لأركون أكبر شاهد على هذا الشغف بالمنهج، لأن ما كان يهمه ليس هو تطبيق المنهج، بل المنهج المطبق، ولذلك وجد نفسه يخاطب بعض المتطرفين الذين ينظرون إلى اكتشافات الغرب نظرة احتقار، وكأنها علوم شيطانية، كما أنه فتح باب النقد الاستشراقي لمشروعه، هكذا اختفى أركون واختفت معه تلك اللحظات العابرة. ولم يكن محظوظا لمشاهدة هذا الانفجار الكبير للتطرف على يد التطرف. لأن نهايات اليقينيات لا تكون إلا على يد مبدعيها.

٭ كاتب مغربي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية