أراجوزات

يعدّ الاغتصاب إحدى أبشع أدوات التعذيب والقهر التي تمارس إبان الحروب القذرة التي طالما خاضتها بشرية ضد بشرية. المفارقة أنه وصولاً إلى العصر الحديث، وفي زمن حقوق الإنسان والرقابة الدولية والحركات النسوية العالمية، ما زالت أداة الاغتصاب البشعة تستخدم ضد الطرف المقهور، نساء ورجالاً، لكسر الأرواح وإهانة الأجساد وتفتيت داخلها حرفياً ومجازياً، ومن ثم تحويل الإنسان إلى مجرد حطام. وعلى الرغم من أن الاغتصاب يمارس على الرجال والنساء بل والأطفال كأداة تعذيب إبان الحروب وفي السجون وفي الكثير من مقار الشرطة السرية والمباحث في مختلف أنحاء العالم، فإنه وبلا شك للنساء النصيب الأكبر من هذه الممارسة البشعة؛ لأن الجسد النسائي المغتصب يصيب أكثر من هدف قذر.
عرف التاريخ البشري حملات اغتصاب بشعة على مداره، سواء إبان حروبه أم في سجون الطغاة أم تحت غيرها من الظروف، لربما أشهرها في العصر الحديث عملية الاغتصاب الممنهجة والمكثفة للنساء البوسنيات، والتي استهدف من خلالها الصرب المجتمع البوسني من الداخل، كسراً لكرامة رجاله وتحطيماً لأرواح وأجساد نسائه، والأهم زرعاً للبذرة الصربية في الرحم البوسني، حيث تبلورت الخطة في زرع جيل صربي كامل في عمق المجتمع البوسني من خلال إجبار النساء على إتمام حملهن بأطفال عمليات الاغتصاب. تتوافر في الواقع تقارير تفصيلية عن حوادث الاغتصاب البشعة تلك بأرقام قد تصل إلى 90% من النساء البوسنيات، ما يعني خلخلة المجتمع بأكمله، وتغيير بنيته، وهدم الركن المؤسس فيه والعوامد التي يتثبت المجتمع بأكمله عليها.
لقد صدرت تقارير وروايات وأعمال أدبية عدة حول حوادث الاغتصاب في البوسنة، لربما أشهر تلك الأعمال الأدبية التي تعاملت مع هذا الموضوع هي مسرحية إيف آنسلر «أهداف ضرورية»، التي تحكي قصة ناشطتين أمريكيتين تزوران مخيماً للبوسنيات اللاجئات والمغتصبات على أرض البوسنة، لتتكشف إبان أحداث المسرحية القصص البشعة بتفاصيل لا يمكن للروح أن تتحملها. اليوم، تعدّت الإثباتات التقارير والصور والأعمال الأدبية المقروءة، اليوم تصل أخبار التعذيب فورياً، مرئية ومسموعة وعلى الشاشات الخاصة بكل فرد منا. اليوم، لا نجتمع حول التلفاز ساعة الأخبار لنرى مقطعاً مدققاً لحدث بشع، وقد تضببت تفاصيله ليناسب المشاهد، اليوم نرى الصور والفيديوهات بكل حرارتها وسقمها وبشاعتها وفي لحظة حدوثها، وذلك على مساحاتنا الخاصة وعلى شاشاتنا المعنية فقط بأعيننا. ورغم هذا الكم من المعلومات المرئية والمسموعة، رغم هذه الدرجة العالية والدقة المرتفعة من الإثبات والتثبيت للبشاعة والعنف والإجرام، رغم وصول الحدث في ذروته وإبان حدوثه، لا يزال العالم يتعامل مع الجرائم وكأنها حكايات تسرد، وكأنها أفلام مصورة لا حقائق بشعة يعيشها آخرون، وكأنه كلما زادت قوة الدليل على الجريمة، زاد تجاهل العالم ولا مبالاته.
قد تتجلى المشكلة في حقيقة أن الأغلبية الغالبة منا تتلقى الأخبار من خلال أجهزة صغيرة على قدر كف اليد ومن خلف شاشة زجاجية خاصة يمكن إيقافها وتغيير صورها بلمسة إصبع، لربما تكمن المشكلة فيما اعتقدناه مطولاً وسيلة إنقاذ وطريقة وصل ستجعل البشر متصلين بالمساعدة والإغاثة لحظياً وفورياً. قد تتجلى كل المشكلة في وفرة الخبر وفي سرعة انتشاره ومن ثم في سهولة تفاديه وفي إمكانية ملاحقته بخبر آخر لطيف خفيف مفرح، وأحياناً كوميدي، وغالباً تسويقي، لينسينا الخبر الفاحش ويغطي على تبعاته النفسية ونتائجه الإنسانية المفترضة. فبعد اللحظة التي يظهر فيها فيديو على انستغرام لشابة سودانية معلقة تعليقاً مؤلماً مميتاً على غصن شجرة بعد تعذيبها واغتصابها، تلي لحظة يظهر فيها فيديو ضاحك أو إعلان عن حقيبة أو عنوان خبر «مزلزل» لسرقة اللوفر. في لحظة، يتحول الذهن من حالة تألم شديد بخبر تعذيب واغتصاب لحالة قهقهة على فيديو كوميدي، أو لحالة استهلاكية حول منتج، أو لحالة فضول وذهول حول خبر سرقة سريعة متقنة. وماذا عن السرقة العلنية الجرائمية للأرواح والأجساد والنفوس والمستقبل والماضي؟ سننسى هذه السرقة الفاحشة لحظياً بفضل توالي أخبار سرقة أخرى خفيفة لطيفة كوميدية، سرقة لامعة، مذهلة، مخملية السارق والمسروق.
نساء السودان يعلقن بالأشجار ويغتصبن أمام أهاليهن وأبنائهن، رجال السودان يعذبون ويهانون ويضربون حد الموت، أطفال السودان يموتون جوعاً وعطشاً ورعباً، فيما القصف على غزة لا يزال مستمراً، حيث أمهات غزة لا تزال تصاب بالثكل الجماعي، وآباء غزة لا يزالون يبحثون عن أطفالهم تحت الركام، ونحن نحرك الصور على الشاشات الزجاجية، نضع «اللايكات» ونهز رؤوساً محشوة أخباراً سخيفة وإعلانات استهلاكية وفقرات مضحكة «لأراجوزات» يفعلون المستحيل أمام شاشاتهم ليحصدوا «الفولو». تُرى، من هم الأرجوزات… من هم خلف الشاشة، أم من هم أمامها؟

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية