أدب القرآن

هو الأدب الذي يخصّ رسالة الإسلام، النثر منه على الخصوص، ابتداء من نزول الوحي، وحتى الزمن الحالي. كلّ ما جاءنا على لسان البشر وليس عن طريق الوحي هو من أدب القرآن؛ الأحاديث النبوية وأقوال وأخبار الصحابة، وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والأئمة الأربعة، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ثم ما ورد في أعمال أهل العلم الراسخين فيه، بالإضافة إلى القصص والمناظرات الأدبية والنوادر في كتب التاريخ والسيرة. يحتاج جمع ودراسة هذه المواد إلى سنين من الكدّ، وليس بمقدور شخص واحد القيام بهذه المهمة.
كان الغرض من تأليف هذا الأدب، مضاعفة جرعة الإيمان واليقين بما جاء به الوحي في الرسالة لدى المسلمين، وسهّل الأمر أن الحياة السائدة كانت تلائم التفكير الروحاني، بينما غلبت في عصرنا الراهن روح التفكير العلمي، القائم على التجربة والخبرة والمراس في مختلف صنوف المعرفة، بما فيها مادة التاريخ، أصبح يعتمد أكثر على المقارنة والتشكيك في الأخبار الواردة في كتب الرواة، وفحص الآثار على الأرض بواسطة أجهزة تُعطي الباحثين عمرها الحقيقي بالسنة والشهر، أو حتى اليوم والساعة.
مثال عن أدب القرآن ما ذكره العلامة ناصر الدين الألباني (1914 ـ 1999) في موسوعته، عن الصحابي عكرمة بن أبي جهل، أنه رأى في بعض الصحف أنّ آدم طلب من الله أن يريه صورة ملك الموت، فأخبره سبحانه أنّ له صورة لن يتمكن من أن يراها، وأنه سيُريه إياه بالصورة التي يأتي بها إلى الأنبياء والمصطفين من عباد الله، فأرسل له جبريل وميكائيل وملك الموت بصورة كبش أملح. ينقل الألباني هذه الرواية عن العالم شمس الدين القرطبي (1204 ـ 1273 م) في مؤلفه «التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة»، حيث يفصّل في وصف هذا الحيوان: «له أربعمئة جناح، أحدها تجاوز حدّ السماوات والأرض، وآخر تجاوز حدود الأرضين، ومنها ما تجاوز حدّ المشرق، ومنها ما تجاوز حدّ المغرب، وقد أحاطت يداه كلّ ما في الأرض من الإنس، والجن، والحيوان، والبحر، والمحيطات، والسهول، والجبال، وغيرها من أصغر مخلوق، والذي يكاد يبلغ الخردلة في الصحراء، إلى أعظم مخلوق».
كان القرطبي أديباً بارعاً، يمتلك خيالاً خصباً وخلّاقاً، فالكبش الأملح لا يبتعد كثيراً في كينونته عن مخلوقات بورخيس الوهمية، جمعها فيما يدعوه «حديقة حيوانات الأساطير»، كالتنين والخيمر والغول، وغيرها من كائنات لا يعدّها الشاعر «مجرّد مسوخ عابرة الوجود ولا جدوى منها .. ذلك أننا نجهل معنى التنين كما نجهل معنى الكون، سوى أن في صورته ما يتلاءم ومخيلة البشر، وعلى هذا النحو يظهر التنين في أصقاع وعصور مختلفة». لو أننا قابلنا هذا الكلام مع ما جاء في كتاب «الروح» لابن قيّم الجوزية (1292 ـ 1350 م) «إن الواحد منا يتخيّل بحراً من زئبق، وجبلاً من ياقوت، ومعلوم قطعاً أن هذه المتخيّلات لا حقيقة لها في ذاتها، وإنما يفرضها الذهن تقديراً». كلامُ بورخيس والعلّامة ابن الجوزية متماثل تقريباً، فهما يريان الغرض من وجود هذه الخيالات أنها تجعل عقل الإنسان مستعداً لتقبل الاحتمالات اللانهائية في الحياة، وزيادة الأفق الذي يرى الإنسان فيه وجوده ومصيره في الكون. لكن هذه المكانة في المعرفة يختصّ بها الأدب وحده، مثلما هو معروف، ولا علاقة للبحث في المسائل التي تخصّ الدين بها، بينما يزخر تراثنا الإسلامي بالكثير من هذه القصص التي هي تأليف أدبيّ بحت، ويمكننا إدخاله في بوتقة النقد من أجل الدراسة والتحليل. نُكمل مع العلامة القرطبي في وصف الكبش: «ولملك الموت عيونٌ مغلقةٌ، لا يفتحها إلا فيما يحتاج به إلى فتحها، وأجنحته لا يُطلقها إلا فيما أراد أن يُطلقها، إن أراد أن يقبض روح العبد المؤمن فإنه ينشر أجنحة البُشرى، وإن كان كافراً أطلق كلاليب تتخطّفه، فلمّا رأى آدم ذلك صُعق ولم يَفِق إلّا بعد سبعة أيام من صعقته؛ من شدّة وهول ما رأى».
ثمة ستارة غير ملموسة تفصل الحلم عن الحياة، والخيال عن الواقع، والأدباء وحدهم قادرون على سحب هذه الستارة. في كتاب «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» للإمام زكريا بن محمد القزويني (1203 ـ 1283 م) نقرأ: «عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال (ملائكة سماء الدنيا على صورة البقر، وقد وكل الله تعالى بهم ملكاً اسمه إسماعيل، وملائكة السماء الثانية على صورة العقاب ووكل الله بهم ملكاً اسمه ميخائيل، وملائكة السماء الثالثة على صورة النسر…) وهكذا صعوداً سماء بعد أخرى حتى نبلغ السماء السابعة.
ابن قيم الجوزية يعدّ من أبرز فقهاء المذهب الحنبلي، أخذ العلم عن شيخه ابن تيمية، وكتابه «الروح» ضخم جداً (800 صفحة)، يضمّ العشرات بل المئات من القصص الغريبة، جزء منها خرافة، وجزء منها أسطورة أو أحداث من وحي الخيال. منها مثلاً حديثاً يُنسب إلى النبيّ المصطفى: «قال أبو عبد الله بن منده: روى موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن يزيد، عن أم كبشة بنت المعرور قالت: دخل علينا النبي (ص) فسألناه عن مصير المؤمنين والكافرين الذين سقطوا في أحد، فقال: «إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خُضْرٍ ترعى في الجنة، وتأكل من ثمارها، وتشرب من مائها، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، تقول: ربنا ألحق بنا إخواننا وآتنا ما وعدتنا. وإن أرواح الكفار في حواصل طيرٍ سودٍ تأكل من النار، وتشرب من النار، وتأوي إلى جُحَر من النار، يقولون: ربنا لا تُلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا».
المعروف أن أغلب قصص التوراة مصدرها الأدب الرافديني القديم، خصوصاً أسطورة «عندما في العُلى» أو ملحمة الخليقة البابلية الخالدة، كما أن فكرة العقاب والثواب في الآخرة لها جذور موغلة في القدم، والدين في نهاية المطاف عبارة عن شراكة ثقافية يأخذ فيها الأخير من الذي سبقه. لدى السومريين إلهة للعالم السفلي اسمها إرشكيجال، كان الناس يعبدونها حتى ترحمهم في حياتهم الثانية، ولا يدخلوا الجحيم السومري، أعدّ للذين يرفضون عبادة الآلهة. عُرفت الإلهة إرشكيجال بأنها قاسية القلب، وكانت تأمر خدامها أن يعذبوا هؤلاء الموتى شرّ عذاب. وهي دائماً متربعة على عرشها الذهبي، وغضبها مرعب، وأمرها ينفذ في الحال دون أي مناقشة. لدى البابليين إله نظير يحكم العالم السفلي هو نيرغال، والفراعنة يدعونه أوزيريس.
قصة الكبش الأملح التي مرّ ذكرها، تعود في الأصل إلى جذر إغريقي قديم. ورد في إحدى الأساطير أن لزيوس كبير الآلهة، أو جوبيتر مثلما يدعونه الرومان، أخاً هو بلوتو (أو هاديس)، هو إله العالم السفلي وحاكمه الأوحد. كلما أشرف إنسان على الموت، بعث له رسولاً أو مرشداً بهيئة شبح، يقبض روحه ويقوده إلى دارته الأخيرة.
النظر إلى التراث على أنه متحف وسجنه بين الجدران مُضرّ، ومضرّ أيضاً الانكفاء أمامه بالقبول والتصديق. السبيل الأول يؤدي إلى شقّ الصلة مع الأسلاف، الذين هم حاضرون معنا بكل كيانهم في جميع الظروف. والثاني نتيجته تشويه التراث حتى ابتذاله، بالإضافة إلى القطيعة الأبدية مع الحياة الحاضرة، وما جاءت به أفانين الحداثة وما بعدها. الطريقة المثلى في التعامل مع ما خلّفه السلف لنا من آثار، هو تأمّلها بحبّ كبير، وتحليلها وفق مناهج النقد الحديث، والحاصل يفيدنا في استنباط حلول للمشاكل الغارقة فيها المجتمعات الإسلامية، بما يُمكن الوقوع عليه من أسباب ونتائج.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية