غالباً ما تخفي الثورات وحركات التحرر والنضال ضد اشكال الاضطهاد والاستعمار، في مستوياتها المتعددة، أبعاداً أبوية ذكورية، وقد يكون ذلك ناتجا من الهرمية التراتبية المنضبطة والصارمة، التي تؤدي في النهاية إلى تأكيد سيطرة وهيمنة الجانب الذكوري في الحراك المناهض للاستعمار على البنى الرئيسية المتحكمة في قيادة الحراك، أو الثورة، ما يؤدي أيضا إلى التحكم في بلورة السردية الشاملة بتجلياتها الرمزية المتعددة، التي لا تركز ولا تمثل إلاّ الصوت والمشهد البطولي للرجل.
وفي خضم عملية مقاومة الاستعمار وما يتعالق به من سياسات سلطوية مضطهِدة، تتعزز السيطرة الذكورية بصورة انتشارية قادرة باسم البطولة على التحكم في خلق الوعي الجمعي، لدرجة أن المرأة كشريكة طبيعية في النضال تجري عملية تذكيرها، أي إضفاء البعد الذكوري عليها، لكي تعبر إلى مركز السيطرة، وبصورة عامة فإن الذي يحدث هو اختزال لدور المرأة في الجوانب العاطفية والوجدانية والتحميسية، فهي أم الشهيد وزوجة الأسير وأخت المطارد، وإذا ما كان ثمة دور لها في سياق النضال والمقاومة، فهو دور باهت ولا يمكن مراكمته وإحالته إلى شراكة كاملة مع الرجل البطل، وبهذا يغدو مبنى البطولة شاهقاً في ذكوريته، دون أن يعني ذلك عدم قدرة المرأة على مشاركة الرجل، وإنما يعود ذلك ربما إلى نخبوية بعض أشكال النضال واقتصارها على الرجل.
إن دور الأم والزوجة والأخت والحبيبة في الصمود والدعم والتحفيز، دور مهم ومؤثر، ولكنه في السياق ذاته يسحق إمكانيات مشاركة المرأة للرجل في السياق العام للمقاومة أو الثورة، بل يقوم أيضاً بإعطاء مبررات الهيمنة والتحكمية الذكورية، من منطلق أن المرأة هي مصنع الرجال والبطولة، ولكنها لا تشارك في هذه البطولة ولا يجري تمثيلها داخل تجليات وأشكال السردية بصورة تؤدي إلى لعبها أدوارا مركزية شأنها شأن الرجل في مرحلة الاستعمار وما بعد الاستعمار.
وفي الحالة الاستعمارية الفلسطينية، لم يكن هناك تعالق، أو ربط جدلي بين مشاركة المرأة في النضال، وتحررها، أي أن التناقضات الثانوية داخل المجتمع الخاصة بالمستوى النسوي، لم يتم إلحاقها مع التناقضات الرئيسية، وإن كانت برامج ورؤى الأحزاب اليسارية والديمقراطية بشكل خاص تتحدث عن ذلك في برامجها وأفكارها، من دون أن يكون هناك أي إمكانية لعكس ذلك على أرض الواقع، ورغم توفر صور رمزية للمرأة الفلسطينية على مدار تاريخ تبلور وتطور الحركة الوطنية الفلسطينية، واستعداد هذه المرأة وقدرتها الإعجازية على التضحية، إلاّ أن هذ الاستعدادية لم تُترجم مشاركة حقيقية تكفل في جانب من جوانبها تأنيث النضال ببعده الاجتماعي الداخلي وبعده الفوقي أيضا، أي في عملية نسج وخلق الوعي الجمعي.
ينعكس ذلك أيضاً في السردية الفلسطينية الذكورية بامتياز، التي لربما للأسف ساهمت المرأة التي قامت بـ»تذكير» هويتها في تعزيزها، في سبيل العبور إلى عالم التحكم الذكوري، وهذا ما أدى إلى عدم التركيز على صوت المرأة كإنسان مضطهَد بالضرورة في السياق الاستعماري، ومن هنا أيضاً لا يمكننا إغفال أدوار الاستعمار الإقصائية في حرمان المرأة المستعمَرة من مجالاتها الحيوية في سياق الصراع والاشتباك اليومي مع الاستعمار، إذ بنية الاستعمار هي بنية ذكورية بامتياز قائمة على العنف الذكوري، واستعراض عضلات العنف الاستعماري بصوره الذكورية، ما يقصي المرأة التي لا تحوز على إمكانيات البطل الذكر بيولوجياً على الأقل، حسب النظرة الاستعمارية.
كما أن تمثيل المرأة في الخطاب الأدبي الفلسطيني في أشكاله المتعددة، كالشعر والنثر، هو تمثيل نمطي لا يكفل استنهاض إمكانياتها من جهة، وتسليط الضوء على معاناتها وما تتعرض له من اضطهاد مزدوج من المستعمِر ومن المستعمَر، حيث أن تمثيل وتجسيد واقع زوجة الأسير الفلسطيني، أو أمه، أو شقيقته، أو ابنته، أو رفيقته، هو تمثيل يتحايل على تفاصيل معينة ساهمت في تعزيز السيطرة الذكورية على المرأة، عبر القول إن هذه المعاناة هي معاناة وطنية جمعية، وبهذا يتحول العام أيضاً إلى قامع ومضطهِد للمرأة، لأنه يفصلها عن هويتها الخاصة، وما تتعرض له من قمع نفسي وجسدي في غالب الأحيان.
وهنا تحديداً تتجلى الطقوسية الذكورية، القاضية بإجراءات سياسات معينة تسمح بدخول المرأة إلى السردية والمجال العام ككائن ذكوري، يخشى الخوض في تفاصيل مساحات معينة، وتسليط الضوء عليها، فحتى الآن للأسف، ليس هناك ثمة تعبير وتمثيل حقيقي لقضايا التحرش الجنسي مثلاً في الأدب الفلسطيني، ولم يتم الربط بين هذه القضية المؤلمة والحساسة، والبعد الاستعماري، وثمة قضايا معينة تعرضت فيها المرأة الفلسطينية للتحرش، بل للاغتصاب من قبل المستعمر الصهيوني، وتم الهروب منها عبر تناولها بخجل وعجل داخل الخطاب الأدبي.
واليوم يأتي أدب الاشتباك ليعبر عن حاجة المرأة للانعتاق، عبر ربط معاناتها الخاصة بالمعاناة الجماعية، بالإضافة إلى تأنيث الخطاب الأدبي الفلسطيني عبر امتلاك الجرأة على البوح، وإعلاء الصوت الأنثوي، بل أيضا كيف تستطيع المرأة الفلسطينية في الحالة الاستعمارية أن تدرك أن حادث اغتصاب مؤلم وفظيع تعرضت له امرأة في مدريد مثلاً، أو تحرش جنسي تعرضت له امرأة عاملة في دبي على سبيل المثال أيضاً، يعبر عنها تماماً، ما يفتح المجال أمام كونية النضال الفلسطيني ببعده النسوي.
كاتب فلسطيني