حمل غلاف النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» في عددها الأخير صورة أخّاذة للنجمة الأمريكية أنجلينا جولي، كما كل صورها، ملاك اللاجئين الحارس، بعد أن كانت نجمتهم السينمائية الفاتنة.
وفي كلمة مصاحبة لغلاف المجلة على حسابها في إنستغرام تذكيرٌ بأن النجمة قررت أن تعرض ندوبها، أثر الجراحة الباقي من عملية استئصال ثدييها التي أجرتها العام 2013، أن تعرض ندوبها الآن بهدف نشر الوعي حول الكشف المبكّر لسرطان الثدي، باعتباره أكثر أنواع السرطان انتشاراً بين النساء، وأحد أهم أسباب وفياتهن.
قبل أكثر من عشر سنوات اتخذت نجمة هوليوود قراراً شجاعاً واستثنائياً، فهو يضرب تماماً هويتها وصلب أنوثتها، أن تتخلص من ثدييها، لأن تقديرات طبية قالت لها إن لديها جيناً مختلاً، وإن احتمال إصابتها بسرطان الثدي يبلغ 87 في المئة، فيما احتمال إصابتها بسرطان المبيض 50 بالمئة. لم يكن المرض قد وَصَلَ إليها أساساً، كل ما هنالك أنّ والدتها عانت المرض لعشر سنوات قبل أن تقضي في منتصف عقدها السادس، فقررت أنجلينا أن تعيش.
طمأنتْ الجميع بخصوص الأنوثة: «شخصياً، لا أجد نفسي امرأة أقل. أشعر بالقوة لأني قمت بخيار جريء، لم يقلل من أنوثتي بأي شكل من الأشكال»
كتبت الممثلة حينذاك مقالاً (في نيويورك تايمز، وقرأناه مترجماً في السفير اللبنانية وقتها) أعلنت فيه تفاصيل خيارها، بعد أن كانت قد أجرت العملية بالفعل، ولم يكن الإعلان أقل شجاعة من العملية نفسها. أرادت أن تحث النساء على الفحص المبكر، وكانت أنجلينا وحدها حملة إعلانية متكاملة الأركان، ففي فرنسا، على سبيل المثال، زادت نسبة الفحوصات، بفضلها، حوالى 20 بالمئة، وهو ما عرف بـ «أثر أنجلينا».
كتبتْ حينذاك: «قررتُ أن أستبق الأمر، وأقلص خطر الإصابة قدر المستطاع»، و»خضعتُ لعمليّة رئيسية استغرقت 8 ساعات، حيث تمّ انتزاع أنسجة الثدي، ووضعت حشوة مؤقتة في مكانها.. تستيقظين لتجدي أنابيب في ثدييك. تشعرين كأنّك في مشهد من فيلم خيال علمي».
ثم أرادت أن تُطمئِن النساء على أمومتهن الثمينة، التي لا يمكن التضحية بها واستئصالها. قالت إن أولادها لن يخشوا خسارتها: «كل ما سيرونه هو بعض ندوبي الصغيرة. كل شيء آخر هو الماما فحسب، تماماً كما كانت. وهم يعرفون أني أحبهم، أني سأفعل أي شيء لأكون معهم لأطول وقت ممكن».
ثم طمأنتْ الجميع بخصوص الأنوثة: «شخصياً، لا أجد نفسي امرأة أقل. أشعر بالقوة لأني قمت بخيار جريء، لم يقلل من أنوثتي بأي شكل من الأشكال».
خلال العقد الفائت، لا نحسب أن عدد معجبيها تضاءل، خصوصاً مع نشاطها الإنساني المديد ودعمها للاجئين والمجتمعات الضعيفة حول العالم.
آخر إطلالاتها الإنسانية كانت من خطوط التماس في أوكرانيا، عندما أرادت أن تكشف عن واقع المسيّرات المرعب هناك: «تسمع صوت طنين منخفض في السماء. هنا يتم استخدام الطائرات المسيرة لتعقّب الناس ومطاردتهم وترويعهم بشكل مستمر”.
كما سبق أن وَجَّهت انتقادات حادة للمجتمع الدولي بسبب الحرب في قطاع غزة. ومن بين ما قالت: «ما يحدث هو نتيجة لاعتبار بعض الأرواح ذات قيمة، وأخرى يمكن التخلص منها. إنه امتداد للطريقة المخزية التي تنتقي بها دول مجلس الأمن من تنتقد ومن تدعم». وأشارت مراراً إلى معاناة السودانيين، والسوريين، والأفغان، والأوكرانيين، والفلسطينيين، من بين شعوب أخرى، كدليل صارخ على الفشل الدولي.
اليوم، تعود أنجلينا بقرار شجاع جديد، أرادت أن تكون جزءاً من حملة الـ «تايم»، التي ستشارك معلومات مهمة عن صحة الثدي، الوقاية، وزيادة المعرفة حول سرطان الثدي.
تكسر الصمت حول موضوعات كانت تعتبر خاصة جداً. تقول إنها تشارك ندوب عمليتها مع كثير من النساء اللواتي تحبّهن، وإنها تتأثر عندما ترى نساء أخريات يشاركن ندوبهن أيضاً. تعرف جيداً المخاوف من صور الجسد بعد الجراحة، هذه (الجراحة) التي تعتبر لوحدها انتهاكاً لصلابة الجسد، فرديته وخصوصيته، ولطالما خلّف انتهاكه بالجراحة آثاراً نفسية قبل الجسدية. ليست محاولة جولي فريدة تماماً هنا، فقد سبق للفنانة ماتوشكا أن عَرَضَتْ جسدها وتجاربها مع الاستئصال في عمل فني احتجاجي ضد تحميل المرض مخاوفه وأثره على النساء، وضد الرفض الاجتماعي لرؤية الجسد بعد المرض. صورت تلك الفنانة ندوب الجراحة كعمل فني وُضع على غلاف «نيويورك تايمز».
كذلك فعلت الناجية من سرطان الثدي لويس بوتشر، حين شاركت تجربتها بعد استئصال الثديين من خلال الجري في سباق ماراثون بصدر عارٍ.
حمْلةُ النسخة الفرنسية من الـ «تايم» للتوعية والحثّ على الفحوصات المبكرة يبدو أنها مدروسة بالتزامن مع ترقّب لعرض فيلم لعبت أنجلينا جولي دور البطولة فيه، وسيطلق في الصالات الفرنسية الشهر المقبل.
ما أراده الناسك هنا هو تماماً عكس فكرة زوربا كما أنجلينا جولي، هما يستأصلان من أجل الحياة، للاستمرار، وهو من أجل وأدها
الفيلم يحمل عنوان”Coutures“ للمخرجة أليس وينوكور. وهو ليس سيرة ذاتية لجولي، لكنه يستوحي جزئياً من تجربتها الشخصية مع السرطان. هو، بحسب مراجعات وتلخيصات، يتناول حياة ثلاث نساء تتقاطع في أسبوع الموضة في باريس، ويتعمّق في موضوعات الجسد والهوية والعمل والتحدّي: ماكسين (أنجلينا) مخرجة أفلام أمريكية في الأربعينات من عمرها، تأتي إلى باريس لحضور أسبوع الموضة وتصوير فيلم، تتلقى تشخيصاً بسرطان الثدي، ما يضعها في صراع داخلي بين العمل، الذاكرة، والجسد الذي يتغير. من خلال رحلتها، يناقش الفيلم كيف يمكن للمرض أن يشكل هوية الشخص ويغير نظرته إلى الحياة والفن.
تقول أنجلينا في مقابلات إن الفيلم يحمل عنصراً شخصياً قوياً، وإنه سمح لها بالتعبير عن مشاعرها تجاه المخاوف والتجارب المتعلقة بالمرض بطريقة فنية. أما بالنسبة للمخرجة أليس وينوكور فهي مهتمة بثيمات جسد المرأة، التحوّل، والهوية الجسدية، وهذا، بحسبها، يتماشى مع موضوع الفيلم، فاهتمامها، على ما تقول، كان دائماً بتصوير الجسد خلف الصورة المثالية. كلاهما، المخرجة والممثلة، يريد أن يكسر تصوير النجومية كجمال نموذجي خالص وحسب، وتقديمها بصورة أكثر إنسانية.
عنوان الفيلم هو ما يفسر الكلمات القليلة على غلاف «تايم» إلى جانب صورة جولي: (dans Coutures Sa Vérité)
فكلمة Couture تعني الخياطة/التفصيل، كما يمكن أن تشير إلى ذلك الأثر الباقي بعد رتق الجرح.
حرصت المجلة على إبراز عبارة «الحياة أقوى. الشجاعة تُشارك»، ففعل الاستئصال، وإن كان في جانب منه يعني الموت، وإرسال جزء عزيز (مهما كان) من الجسد مبكراً إلى السماء، هو خيار حياة، على نحو ما فعل زوربا، بطل رواية اليوناني نيكوس كازانتزاكي، في رواية شهيرة حملت اسم ذلك البطل الفريد، عندما قطع جزءاً من إبهامه، من دون حتى أن يكون مصاباً بمرض، فقط لأنه وجده معيقاً في عملية صنع الفخار التي يعشقها بجنون: «هل يمكنك أن تتصور أن تأخذ حفنة من الطين وتعمل منها ما تريد، ثم تدوّر الدولاب معه بينما تقول سأصنع جرة، سأصنع صحناً، سأصنع قنديلاً،.. وفي ذات مرة أمسكتُ بفأس صغيرة، و…».
هنا يقول الكاتب لزوربا: «تذكّرني بالأسطورة الذهبية التي تتحدث عن الناسك الذي رأى مرة امرأة أزعجته جسدياً، لذلك تناول فأساً…».
فصاح زوربا مقاطعاً: «كم هو أحمق، يقطع هذا؟!».
إن ما أراده الناسك هنا هو تماماً عكس فكرة زوربا كما أنجلينا جولي، هما يستأصلان من أجل الحياة، للاستمرار، وهو من أجل وأدها.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»