بيروت ـ «القدس العربي»: لا تُحصى الأزمات والتوترات والحروب التي شهدها لبنان منذ بدء الألفية الثالثة، وفي خلالها ولدت الشركة اللبنانية للإنتاج السينمائي. شركة تأسست سنة 1998 على يد المخرجين خليل جريج وجوانّا حاجي توما لإنتاج أفلامهما. وفي سنة 2004 دخل معهما جورج شقير وتولّى مهمة المدير التنفيذي، وأنتج فيلمهما الثاني «يوم آخر». وكان الأول لشقير كمنتج، ومن حينها بات اسم الشركة «أبوط للإنتاج». وفي سنة 2010 انضمّت للشركة ميريام ساسين. وفي مختلف الحقب القاسية التي عاشها لبنان ثابرت الشركة على تقديم جديد في السينما اللبنانية والعربية أحياناً.
الشركة اللبنانية للإنتاج السينمائي والمعروفة بإسم «أبوط للإنتاج» كُرّمت في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي قبل أيام. منح المهرجان جائزة ريموندو ريزونيكو لمؤسسي ومنتجي الشركة جورج شقير وميريام ساسين. وبالمناسبة عرض المهرجان فيلمي «دفاتر مايا» و«كوستابرافا»، وهما من توقيع «أبوط للإنتاج».
إذاً ليس للسينما أن تكون ترفاً في حياة الشعوب. بل هي حاجة وضرورة إنسانية وثقافية. وهي من الفنون الباقية التي تؤرخ حياة الشعوب وتحفظها.
مع ميريام ساسين هذا الحوار:
○ مبروك تكريم مهرجان لوكارنو السينمائي لكما كمنتجين في شركة «أبوط للإنتاج». ماذا قال هذا التكريم؟
• نعتبره تكريماً مهماً جداً، والسبب أنه نادراً ما يُكرّم منتجو الأفلام المستقلّة. إنها من الجوائز القليلة في العالم المخصصة للمنتج. والملاحظ أن مهرجان لوكارنو يختار سنوياً منتجين تركوا اثراً إيجابياً في مسار السينما العالمية. اختيارنا للجائزة هذا العام، يُعبّر عن أهمية السينما التي وجهنا دعمنا لها وأنتجناها، في العشرين سنة الماضية، وبأنها تركت أثراً في السينما العالمية. وهي أفلام ساهمت بإيصال مزيد من القضايا التي يعيشها لبنان إلى أنحاء مختلفة من العالم، وبالتالي الوقوف على بعض القضايا التي يعيشها اللبنانيون. إذاً تأتي الجائزة على قدر عال من الأهمية بالنسبة لنا.
○ وهل بلغكم من خلال تواصلكم مع القائمين على مهرجان لوكارنو ما هي الأفلام اللبنانية الأكثر تأثيراً والمنتجة من قبلكم؟
• أكثر من فيلم كان محور حديث بيننا منها أفلام جوانّا حاجي توما وخليل جريج. ففيلمهما «يوم آخر» عُرض في مهرجان لوكارنو سنة 2005. وهذا العام أعيد عرض فيلمهما «دفاتر مايا» ومن ضمن البرمجة التي رافقت نيلنا للجائزة. وكانت أفلام غسّان سلهب محور نقاش أيضاً، كما فيلم منيا عقل «كوستا برافا». وأفلام أخرى كانت تجربة أولى للمخرجين كما «جدار الصوت» لأحمد غُصين، وفيلم «1982» لوليد مونّس، وفيلم «بانوبتيك» لرنا عيد والذي عُرض في مهرجان لوكارنو سنة 2017. مجمل تلك الأفلام كانت محور نقاش وإبداء رأي.
○ هل يساعد التكريم ببناء شراكات مع شركات غربية أو عربية على سبيل المثال؟
• من المبكّر تلمُّس نتائج هذا التكريم، ومن المؤكد أنه سيشكّل عاملاً مساعداً في بناء شراكات. بالأساس تعمل «أبوط للإنتاج» منذ سنوات مع شراكات عربية وعالمية وخاصة أوروبية، ولا شك بأن الجائزة ستقدّمنا لمزيد من العاملين في الإنتاج السينمائي، ومنهم من لديه رغبة التعرّف إلى مشاريعنا المقبلة. التشبيك مع شركاء جدد هو أحد أهدافنا.
○ بماذا يختلف الاستثمار في السينما عن استثمارات أخرى كما الصناعة أو التجارة؟
كمنتجين الاستثمار بحد ذاته ليس الهدف في شركتنا. نعمل ليكون الفيلم الذي نحن بصدده قوياً، بحيث يتوفر من يساهم بميزانيته للانطلاق بالتصوير. بماذا يختلف الاستثمار في السينما عن غيره من الاستثمارات؟ الجواب هو أن السينما فن مرتفع الكلفة، وهو كذلك صناعة. بالتأكيد يصار لاستثمار الأفلام تجارياً. إنما معروف أن السينما المستقلّة لا تدرّ الكثير من المال. لهذا من يستثمر في السينما المستقلّة يضع أمواله في دائرة المخاطرة، بخلاف حال الاستثمار في التجارة أو المطاعم على سبيل المثال. مع العلم أن الفيلم السينمائي يعبّر عن بلد ومجتمع ووطن، ويقدّم صوت فنان. من يستثمر في الأفلام لن يشغله كثيراً البحث عن الأرباح، بل تجذبه ماهية الفيلم ومضمونه، وكم سيبقى حياً في تاريخ السينما، ومدى تأثيره على المتلقين.
○ هو بحث بالأثر الباقي أكثر منه بالحساب المصرفي؟
• أكيد. وأكرر القول بأننا لسنا مستثمرين بل منتجين. دورنا البحث عن مستثمرين، والفرق معروف بين الإثنين. لو كان المال همّنا لما أنتجنا فقط تلك الأفلام. انه وقتنا وجهودنا، وتعبنا. الأفلام التي نقدّمها ليست مربحة.
○ بالمقابل أنت وجورج شقير يفترض أن تؤمنا حياتكما اليومية؟
• «عم ندبّر حالنا». أحياناً من الأفلام، وأحياناً من أعمال أخرى. شخصياً أمارس التعليم، وأعمل في تنظيم ورش عمل. وهذا ما يشكّل بالنسبة لي مصدر دخل.
○ هل يحكم الاستثمار في السينما خطة قصيرة الأمد أو طويلة الأمد أم السيناريو الذي يفرض نفسه؟
• ليس لنا مطلقاً تنظيم خطط من هذا النوع، خاصة في لبنان حيث لا دعم نهائياً للسينما. نعمل على فيلم، وعندما ننجزه، نتجه إلى فيلم آخر. إذاً نبحث عن إنتاج لفيلم من خلال صناديق عربية، وكذلك الإنتاج المشترك مع أوروبا وعبر مستثمرين. وهناك من يشتري حقوق التوزيع قبل إنجاز الفيلم. إذاً لكل فيلم تركيبة وخطة تحرك مختلفة عن الآخر.
○ كم تأثرتم بالأزمة المالية التي ما تزال سارية المفعول وأموال الناس محتجزة؟
• أكيد وبشكل كبير جداً. ولم نتمكن لمدى زمني طويل من قبول أفلام جديدة. استغرقنا وقتاً طويلا حتى أنجزنا الأفلام التي كانت قيد العمل، ومن أجل الانطلاق من جديد. الأزمة ما زالت قائمة والطريق صعب، ولم نعد بعد إلى ما كنّا عليه. الأمر الوحيد الذي شكّل عاملاً إيجابياً لنا، يتمثّل بعدم وجود أي دعم لنا من لبنان. بحْثُنا عن التمويل كان يتجه لخارج لبنان. من آثار الأزمة خسارتنا للمستثمرين الذين يعيشون في لبنان، نتيجة حجز أموالهم. وتالياً لم تعد السينما من أولوياتهم. والتمويل الخارجي تأثر بالأزمة المالية العالمية، خفّ نسبياً، لكنه مستمر. ولهذا نحن نتابع العمل.
○ قدمت أبوط للإنتاج صورة عن لبنان كما ذُكر خلال تقديم الجائزة. فهل جمّلتم عيوبنا؟ وكيف يقدم الفيلم صورة الوطن للغرب؟
• ليس لشركة إنتاج أو فيلم أن يحمل صورة وطن كامل. إنما الأفلام التي أنتجتها شركتنا، تحمل أصوات مخرجين، لكل منهم سرديته الخاصة جداً والمختلفة عن لبنان. لدى جمع تلك الأفلام معاً تظهر صورة ما عن لبنان.
○ هل للسينما دورها في تقريب اللبنانيين من بعضهم برأيك؟
• نأمل. لكن الأفلام لا تصل إلى شريحة كبيرة من اللبنانيين. ولا نقاشات تلي عروض الأفلام سوى في أماكن قليلة. لا شك بأن للسينما دورها في تقريب الناس من بعضهم. فعندما يشاهد أحدنا فيلماً عن شريحة اجتماعية مختلفة، لا شك سيفهم تفاصيل عنها. سيفهم لماذا هذه الشريحة تفكّر بهذه الطريقة، ولماذا لها هذا السلوك. أن تفهم الآخر يعني أن تلتقي به، والسينما خير وسيلة.
○ في الدراما هناك شبه تكريس للدراما العربية المشتركة. كيف تنظرون إلى هذه الشراكة على صعيد السينما؟
• هناك منتجون عرب ناشطون بشكل ملحوظ، وهم يعملون لدعم بعضهم البعض بهدف تقديم أفلام طموحة أكثر. ومن المؤكد أن كلّ منتج يحاول التركيز على مواهب بلده. التعاون قائم أحياناً، لكنه يقتصر على الصعيد الإنتاجي وليس القصة والممثلين. وأحياناً يظهر التعاون على صعيد التقنيين، كوجود مدير تصوير مغربي لفيلم يمني، فيما المنتجة أردنية.
○ كيف تصفين السينما المستقلة في لبنان؟ وهل لدينا سينما تجارية برأيك؟
• برأيي السينما جميعها في لبنان مستقلّة، فلا دعم لها ولا أستوديوهات كبيرة موضوعة بتصرّفها، والصناعة السينمائية محدودة جداً. إذاً كل السينما اللبنانية مستقلّة حتى ولو كان بعضها تجاريا، ويستقطب عدداً كبيراً من المتفرجين في الصالات أو عبر شاشة التلفزيون. برأيي تعيش السينما اللبنانية نوعاً من المعجزة. فمنذ ولدت هذه السينما سنة 1957 على يد جورج نصر، تقوم على المبادرات الفردية، وكل فيلم يُنتج بطريقة مختلفة. من قدّموا السينما اللبنانية كان لديهم شغف بالسينما، شغف برواية القصص وتسليط الضوء على موضوعات معينة. بين 2010 و2019 ظهر الكثير من الأفلام من نوع الكوميديا التجارية وحققت نجاحاً على شبّاك التذاكر. إذاً السينما لدينا غنية ومتنوعة وبعضها تجاري، وهذا لا ينفي عنها صفة المستقلّة.
○ كيف تدعمون أفلام شركتكم في الصالات ذات النفس القصير حيال الأفلام اللبنانية والعربية؟
• هذا صحيح. لكن شراكة جورج شقير مع هانية مروة في صالة متروبوليس، وتالياً بناء سينما متروبوليس أتاح لنا مكاناً في صالة يمكنها أن تعرض أفلامنا لوقت أطول.
○ بأي فيلم تفخر ميريام ساسين من أنتاج أبوط؟
• أحب كافة الأفلام التي أنتجتها، وكذلك فخورة بها. تعلّمت من كل فيلم أنتجته، وكل منها عبّر عن أمر معين. قد يكون كوستابرافا من الأفلام التي افتخر بها أكثر من غيرها. إنتاجياً يمكنني وصف الفيلم بالصعب، فيما هو فيلم طموح جداً ومكلف. «فرط البلد» خلال تصوير كوستابرافا سنة 2020. أنجزناه في ظروف صعبة، جال على الكثير من مهرجانات العالم، وخاصة مهرجان البندقية، ونال الكثير من الجوائز، وعُرض عالمياً على نتفليكس. رغم كل الصعوبات تمكنّا من تظهير فيلم بجودة عالية، وحقق نجاحاً، هو فيلم أفتخر به.
○ أكثر أفلامكم يشارك فيها نجوم من لبنان والدول العربية فهل يراعي هؤلاء أوضاع السينما المستقلة في بدل الأتعاب؟
• جميع من عملنا معهم أخذوا ظروفنا بالحسبان، ويعرفون الموازنات المحدودة التي نعمل ضمنها. وجميعهم عملوا «من كل قلبن». نعم هناك نوع من التضامن والتكاتف لدى كل من يرغب بأن يصبح هذا الفيلم أو ذاك محققاً. إنه الإيمان بهذا الفيلم أو ذاك. لاشك أن التمويل يختلف من فيلم لآخر. الفيلم الذي وجدنا له تمويلاً ميسوراً، كانت الأتعاب في حينها وافرة نسبياً. والأفلام الأخرى التي لم تجد حظاً كبيراً في التمويل زاد الممثلون أكثر التضحية بأتعابهم. دائماً الحلول متوفرة بيننا وبين النجوم الذين نعمل معهم، وكذلك التقنيين، والمخرجين والمخرجات.
○ ما هي الفائدة التي تجنيها شركة الإنتاج حين يُعرض فيلم لها في المهرجانات وينال جوائز؟
• نستفيد من كون الناس يشاهدون الفيلم. فمن شأن كل جائزة أن تستقطب جمهوراً جديداً. الفائدة المادية تعود لكل مهرجان بمفرده، منها من يدفع حقوق عرض. والمهرجانات الكبيرة من الممكن أن تؤمن عروضاً في أماكن أخرى، وبالتالي يدفعون حقوق عرض. وبعض المهرجانات تساعد في توزيع الفيلم في البلد الذي تنتمي إليه إثر نيله للجائزة. تستقطب الأفلام المستقلّة المال من أماكن صغيرة ومتعددة وبالنهاية «بيجمعو». إذاً للجوائز دورها في رفع قيمة الفيلم.
○ كم عدد نتاجاتكم حتى الآن؟
• إلى حينه أنتجنا 37 فيلماً.
○ وماذا في جعبتكم قريباً؟
• جديدنا أن جورج شقير أنتج الفيلم الروائي الأول لسيريل عريس عنوانه «نجوم الألم والأمل» وسيُعرض في مهرجان البندقية. وبدوري أنتجت فيلماً قصيراً للمخرج الفلسطيني سعيد زاغا عنوانه «مهدد بالإنقراض». وسيُعرض الفيلم في مسابقة الأفلام القصيرة في مهرجان البندقية كذلك.