ما الذي سيحدث في «اليوم التالي»؟ أو ماذا يكون اليومُ المَجازيُّ الذي لا نعرفُ بعدُ نوعيّةَ السنوات التي تقيسه، أرضيةً، ضوئيةً أم طاقيّةً مظلمةً؟ وكيف يكون شكل الإنسان وترتيب أعضائه وقتها، بعد ضغط إصبعِ معتوهٍ، لم يعرف أين يضعه، على الزرّ النووي للحرب الكونية الثالثة، في خضم إبادات جماعية تكبر فيها «البقعة الحمراء في عين الطيار الذي لم يميّز الأطفالَ من الدمى، الأمهات من الخشب المتفحّم»؟ وماذا نسمي الأرض عندها؟
هل سيأتي غرابٌ لا يملك جيناتِ حُمقِنا ليعلّمنا كيف ندفن الأخ الذي سنقتل؟ وهل سيعيد أبناءُ نوحٍ تقاسُم عقارات النظام البائر بلوثات المعتقدات؟ وهل سنعيد إنتاجَ عنصريين مختارين جدداً يطردون السكان من أرض أسلافهم بالتهجير القسريّ؟ وإذ نوسّع دائرة تساؤلات الرؤى أكثر، مَن وماذا يكون عوليس الجديد في التيه بعد حرق طروادة ثانيةً؟ وماذا بعد الرماد؟
مجموعة الشاعر، الناقد والمترجم، اللبناني عيسى مخلوف الجديدة «أبعد من الرماد» تقود تساؤلاتنا التي تتلاقى معها هنا وتتفارق هناك، وفق تنوع تداخلاتها فينا، إلى البحر، بفلسفة بقائه حياةً تعبّر عن وحدة الكائنات التي هو منبع حياتها، ومن جهة «الفقد» ووجوده قبلنا وبقائه بعدنا. إذ يهدي مخلوف نشيده إلى مثال الفقد المرتبط بحماقة الإنسان وحكمته/ «يوريديس»، حيث: «ها نحن ننحني… لنؤكد أن النسيان عابرٌ ومؤقت، وأن أشكال الذاكرة لا حدّ لها، كاتساعك أيها البحر. أنت القائل إنّ الموت لا يأخذ معه كلَّ شيءٍ، وإن الحبَّ لا يجفّ إذا جفّ الزيت في المعاصر، ولا ينتهي وإن تظاهر بذلك، لأنه يتحوّل ولا يفنى». وإنه: «بعد زخة المطر المنتظر، ستلمع الشمس ثانيةً، كما لم تلمع يوماً من قبلُ، وسيتلألأ مرجانُك بأحمره الساطع. دَقّةُ القلب ستزداد اتساعاً، وسيرنُّ صداها في المُبهر المدى وتسمع وقعها سائر العناصر».
ولكن قبل ذلك، وكما لو، في البدء كان البحر؛ تَرَدَّدُ الكلماتُ الناطقة على شاطئ الوجود في الفصل الأول من المجموعة الذي يحمل عنوانها، ويشكّل قصيدةً طويلةً تحتل أكثر من نصفها، لتضيف فصلاً في كتاب شعر البحر، يصاحب «منارات» سان جون بيرس، في الغموض الجَلِيّ، إذ يرتفعُ نشيداً لا ينتهي لمجد البحر، وتمجيد الحياة في الموت الذي لا ينفصل عنها، باحترام فعله في تحويلها إلى أشكال لا تنتهي؛ في مساحاتٍ لا تترك تجلّياً لحركةٍ أو لونٍ أو ريحٍ أو صوتٍ تتداخل فيه الكائنات ببعضها في كون البحر إلا وتبعث فيه نبض الجمال والحكمة والتفهم، إلى جانب الحسرة التي لا تنفصل عن حياة الإنسان؛ إذ لا يأتي التجدّد في حكمة البحر ورسائله التي ترميها أمواجه بمائها ورذاذها: من دون ألمٍ، وفقدٍ وحزنٍ تخفّفُ من وطْئه معاني الجمال.
قبل ذلك، تَردَّدُ الكلمات أمواجاً على شاطئ مجازاتها، بعد الطوفان: يا أيها الإنسان، ماذا فعلت؟ ولماذا تعيد تكرار الحماقة؟ أين حكمتك في أن لا تضع شمعاً بأذنيك كلَّ مرة تمرّ فيها بجزيرة السيرينات، روإن خالف هذا ما رسم لك هوميروس؟ ولماذا تستدير رغم حملك قيثارة أورفيوس، في كل مرّة تصل فيها إلى بوابة الخروج من الجحيم لترى يوريديس وهي أمامك، فتعيدها إلى جحيم الفقد؟
وقبل ذلك، يا أيها لإنسان، ماذا جمعتَ من معاني حمل صخرة عقابك على كتفك إلى ذروة سقوطها المرة تلو المرة؟ ويا للأسف: «ما في استطاعة الكلمات أن تقول سوى ما يقول زبد البحر على الشاطئ حيث يلفظ، كلَّ مرّةٍ، أنفاسه الأخيرة».
النار متوهجةً بلا حطبٍ
لا مناص، في قراءةٍ تذهب «أبعد من الرماد» بفعل قصائد المجموعة ذاتها، من القول أنَّ ثمّة مجموعاتٍ تجبرك على أن تحاذيها، تحاكيها أو تناصصَها دون أن تلجأ إلى حماقة تفسيرها، فتقيك بذلك من أن تقتلَ ما يشيع من عطر تساؤلاتها، بأجوبةٍ حمقاء تحيل خشب النار رماداً، وتحيلك ناقداً بارد الإحساس، تمشي بقلمٍ ومسطرةٍ بدلاً من أن تحلّق بأجنحة القارئ المستمتع. أنَّ ثمة مجموعاتٍ تبقى النارَ التي تتوهج دونما حطبٍ يستحيل رماداً. مجموعاتٍ تذهب بك إلى «أبعد من الرماد»، وتتوهّج بحطب الحب الذي يغيب، لكنه لا يغيب إذ لديه طرقُه الذكيةُ المعرفية العرفانية في إبداع هزيمة الغياب. مجموعاتٍ تتفتح رياحاً صديقةً تقود القارئ إلى أن يكون القارئ والكتاب في ذات الوقت، الرماد وما بعد الرماد.
في مجموعته التي أنبضها بحركة موج البحر، في فصلها الأول، أضاف مخلوف فصلاً ثانياً تضمّن واحداً وعشرين قصيدة بأرقام لاتينية وعناوين، تحت عنوان: «لا عين تتسع»، ربّما لفرط كل ما في كوننا من جمال ومعانٍ. ونهَجَ في هذا الفصل أسلوب قصيدة القطعة السرديّ، الذي يتيح استيعاب ما يتدفق بسعةٍ وحرية أكبر، مما يجري على الأرض المقلوبة «سماء ليست من هذه الأرض»، بكل ما فيها من فرحٍ وحزنٍ وألمٍ ومتعةٍ وحضورٍ وغيابٍ. وعوالمَ موازيةٍ يكتشفها ويبتكرها بوعيه ولا وعيه لها، مع مسح مخلوف لفصله المتنوع بالتعاطف الإنساني المتولّد عن جُرح فقد الإحساس وارتكاب المجازر. فيما عدا قصيدةً واحدةً انحرفت إلى أسلوب قصيدة السطر النبضي.
وختم مخلوف فصله هذا والمجموعة بما يعود على وحدته مع الفصل الأول، بقصيدة «وجه» التي تنبض بمعالجة الفقد والتشافي من جروحه، حيث: «أرى وجهكِ في الرّماد المتبقّي من الأحياء، المغسول بزبد البحر. أراه في الضوء الآتي من شجرةٍ تصلّي ومن عشبِ الصباح. من مرايا نمرّ بها ونعبر».
بحر الشعر الذي بداخلنا
وإذ نعود إلى ما هو «أبعد من الرماد»، وبما يولّد معاني الجمال، يتجلّى أمامنا التداخل البهيّ الذي يربطنا بالحياة في نهايتها الدوارة على بدئها، إذ لا يلجأ الشعراء إلى التداخل مع الأسطورة عبثاً؛ لنستمتع ونأخذ الحكمة، ليس من المعطى لنا فحسب وإنما أيضاً بإضافة رؤيتنا الخاصة له، مثلما يفعل مخلوف بوضع رؤيته في تداخله، على سبيل المثال مع أسطورة «إيكاروس» المتواشج شغفه بالشمس مع خلايانا، في المقطع الثالث الجاري بأسلوب السطر النبضيّ من قصيدة الفصل الأول، وإضافته المماهاةَ غير المشار إليها بسلوك «طرفة بن العبد»، الذي يشير إلى بلورة فعل الاختيار، ومغايرة مخلوف للفهم المعتاد عن أمثولة إيكاروس. إذ: «وأنتم يحلو لكم أن تُردّدوا:/ «لقد اقترب إيكاروس من الشمس وذاب الجناح»/ لكني، يا أهلي وأحبّتي، دنوتُ عمداً/ لأصبحَ شعاعها المتأخّر وأزيحَ الشمع عن الشعلة/ فلا يعود ثمّة ما يفصلني عنها/ ولا أعود أسيرَ غفلة السراب».
وفي هذا تنبض رؤية مخلوف لفعل اقتراب إيكاروس من الشمس، بـ: «الذي يريد أن يرى الشمس/ يهتدي إليها ويذهب أبعد منها، أحلامُه الأفق وموتُه أبدٌ صغير/ الذي يلتحم بالشمس/ تشرق شمسُه الكبرى».
ويؤكد مخلوف على فعل الاختيار الإرادي هذا بتداخله، ضمن أسلوب القطعة السردي، مع «سيزيف»، حيث: «الذين يأتون زمناً بعد آخر، يكرّرون الحكاية. يصرخون في الليل ليشعروا بأنهم ليسوا وحدهم، وأن ثمّة برقاً سوف يظهر في الأفق. يحملون الصخرة نفسها التي تتحرك بين الواقع والأسطورة. يحارون ولا يعرفون، لكن البحر يعرف. ذلك هو هديره المكتوم».
ولا ينسى مخلوف ضمن هذين التداخلين، والتداخل الثالث في المقطع الأول الذي يستحضر فيه عوليس وهوميروس كمجال للتساؤل عن قسوة البشر، تداخلَه الرئيسي الأهم مع موضوعه في فقد الحبيبة المتماثلة بالبحر/ التداخل مع فقد أورفيوس ليوريديس. والذي يضيف له لمسة الصوفية الشرقية باستحضار طيور فريد الدين العطار من كتابه «منطق الطير»، لكي يعبّر عن قوة تأثير عزف أورفيوس، إذ: «كانت الطيور في أعلى السماء، حين تسمعه، تتباطأ في طيرانها، كأنها عثرت على المكان الذي تبحث عنه في رحلاتها الطويلة. طيورُ العطار نفسُها سمعته حين أدركت أنها السيمورغ الذي من أجله سافرت».
في مهارة الإبحار:
وما دمنا في البحر، ونواجه أمواجَ القصيدة البحرية، ونحتاج اليدَ الماهرةَ التي تمسك بإحكامٍ دفّةَ التوجيه، دون التخلّي عن شغف إيكاروس بنار الشمس، يلمس القارئ ويعيش فيما هو «أبعد من الرماد» كأمثلةٍ:
ـــ متعة الإبحار في موضوع واحد لا حدود لتنوّعه، ويحتاج في مغامرة سلوكه أعيناً تتسع كذلك لرؤية كل ما يحيط، إضافة إلى التحكّم، وهو ما تتقنه القلّة من الشعراء مثل سان جون بيرس الذي ذهب قوله: «سمّوني الغامض، وكان حديثي فحسْبُ عن البحر» مثلاً.
ـــ تكسُّر موج الصوت الإنساني بصخور الحزن على فقد الحبيبة التي يتردد صدى صوتها المتّحد بصوت البحر في حدائق «تْويلري» بباريس كما على بوابة الخروج من العالم السفلي، حيث لا استثناء في معاناة الفقد، للعازف الفاشل كما لأمهر عازف تسكن على صوت قيثارته الأمواج.
وذلك بأسلوب خطاب المأساة الإغريقي الذي يرتدي لون الأعماق، ويخرج متكسراً من قلب العاشق المتهدّج الفاقد الجريح، كما الموجات المتكسرة على الشاطئ، ليخاطب البحرَ: «يا للغياب وقدراته العجيبة! يا لجُرح المحارة التي تنزّ حبّات من اللؤلؤ!/ لن أسألك أيها البحر عمّا إذا كان الحبّ الذي يجمع هو نفسه الذي يفرّق. سأصمت الآن وأصغي إلى صدى زحفك البعيد وهبوبك الآتي».
ـــ جعْل البرهة دهراً، بعصا سحر الفن الذي يُجمّد الزمن ويلغي منطق تسلسله، فلا حاضر ولا ماض ولا مستقبل في حركة الكون. إذ «ستظل الصرخة التي قبل وجودنا، في المكان الذي وجدت فيه، وسيظلُّ ثمة من تخرج من حنجرته في ليلة صيف مقمرةٍ، كأنما هي أول مرة دائماً./… نسمع وصيتك ونقطف البرهة التي بطعم الأبدية».
ـــ صوفية البحر التي يستحضر بها مخلوف بعصا لغته البحرية، الحبَّ الذي هو من عطايا البحر، والكائنات التي يختلط فيها الإنسان بالنبات بالحيوان، والأشياءَ وألوانَ المرجان الأحمر الذي يتمرأى بكل الألوان خارج المكان والزمان، والموجَ والرذاذَ المتلاقحَ مع الريح، والرمالَ والضوءَ المتأرجح بخيوط الشمس والظلال، وأنفاسَ البشر التي تتردّد مع الموج ولا تغيب.
ـــ والكثير الكثير… حيث: «يوماً ما، سنستيقظ في عالمٍ كان حلماً. لا حرب فيه ولا مآسٍ. لا جوع ولا وحدة. في عالمٍ يتغيّر معنى الموت فيه، ويصبح الواقع القصيدةَ التي كنا ننشدها يوماً، وقد تجسّدت».
عيسى مخلوف: «أبعد من الرماد»
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2025
110 صفحات.