مع بداية كل أبريل/نيسان من كل عام ومنذ ثلاث عشرة سنة يتجدد السجال نفسه الذي يلف ويدور في حلقات مفرغة، لا توصل إلى حل أو نتيجة، وليس غايته أن يصل إلى مخرج للأزمة المستفحلة والمتجددة في العراق.
سجال لا ينجح إلا في تأجيج المشاعر وزيادة نسبة الاحتقان، وشتائم على صفحات التواصل الاجتماعي وحذف بالجملة من قوائم الاصدقاء.. منذ 9/4/2003 وحتى الان، والسجال يدور بدءا من التسمية وانتهاء بتفاصيل الواقع السياسي، هل كان احتلالا أم تحريرا؟ وربما أضيفت لها صفات على هذه الكفة أو تلك، فهي تحرير من الاحتلال البعثي الذي ربض على صدر العراقيين 35 سنة، بينما الجانب الآخر يقول إنه الغزو الهمجي المدمر لأرض الحضارات، والمؤامرة الكونية التي حيكت لسلب ثروات العراق وحماية أمن اسرائيل من اخطر قوة تهددها. ثم لا يلبث الطرفان أن يجودا من توصيفاتهما المؤامراتية ليثبتا بالأدلة المستقاة من صفحات الإنترنت المجهولة المصدر، انهم على حق وخصومهم شياطين يستحقون القتل والمحو.
التاسع من أبريل بات دوامة العراقيين التي لا تريد أن تنتهي بانبلاج حلول تسمح لسكان هذه الزاوية من العالم الواسع أن يعيشوا مثل باقي خلق الله، يفكرون بحياتهم ومستقبل أولادهم والتمتع بما يسمح به وضعهم من تفاصيل يومية. بات التنميط المجحف سمة تفكيرنا الأساسية في التعاطي مع المعطيات التاريخية والتعامل مع مواضيع إشكالية في ثقافتنا العربية، ومن هذه السمة يمكن للملاحظ أن يرى سرعة وضع الخطاب وصاحبه في خانة تصمه بمواصفات جاهزة، مثال ذلك – ما يتعلق بموضوعنا – اذا كتب احدهم رأيا ينتقد فيه ما حدث في أبريل 2003 باعتباره غزوا وانتهاكا للقوانين الدولية أو مؤامرة بنيت على ادلة مفبركة قوامها الاساس البحث عن أسلحة دمار شامل يمتلكها نظام صدام حسين ويهدد بها العالم، سرعان ما تجد القراءات الجاهزة تنمط المقال وصاحبه كونه صداميا بعثيا مدافعا عن الديكتاتور وجرائمه التي ارتكبها ضد الشعب العراقي، والدمار الذي تسبب به للمنطقة كلها وليس للعراق فقط، من جانب آخر، إذا كتب أحدهم رأيا في أن صخرة النظام التي كانت جاثمة على صدر العراقيين، والتي كانوا يعجزون عن زحزحتها بقدراتهم الذاتية، بل إنهم حاولوا ذلك اكثر من مرة، والنتيجة أن النظام ارتكب بحقهم ابادات جماعية تشهد عليها المقابر الجماعية والمدن التي ضربت بالصواريخ والاسلحة الكيماوية، ستجد منتقدي الرأي سرعان ما يضعون الرأي وصاحبه في خانة عملاء الاحتلال، الذين جاءوا على ظهر الدبابة الامريكية، أو من تعاطف معهم من عملاء الداخل الذين عاجلا ام اجلا سيتخلص منهم العراق، ليستعيد ألقه ودوره القومي في الوقوف بوجه المؤامرة الامبريالية الصهيونية العالمية، والأدهى والأمر،عندما تتحول القراءة إلى تنقيب في ضمائر من يكتبون، فهذا رافضي مجوسي، عميل امريكي ايراني، يطبل للاحتلال واذنابه، وذاك ناصبي وهابي، بعثي صدامي داعشي، عميل للسعودية وقطر وتركيا، والحقيقية أن في كل ما يقال نسبة من حق ونسبة من باطل تتأرجح بتفاوت نتيجة اختلاط المواقف وضبابية المشهد.
كما أن محاسبة الرأي باتت وضمن التنميط الذي أشرنا له تشمل مواقف يصار إلى الخلط المتعمد بين أسبابها ونتائجها، بدون سياق منطقي يحكمها، مثال ذلك اذا تكلم شخص عن جرائم النظام السابق، سينبري له معترض بسؤال، وماذا عن الجرائم التي ترتكبها الميليشيات اليوم؟ وإذا ذكر عدد من قتل في الحروب والصراعات التي سبقت اطاحة النظام، سيقف بوجه صاحب الكلام اخر يسأله، وماذا عن الملايين الذين قتلوا وهجروا بعد سقوط النظام؟ ويبقى المواطن المسكين متأرجحا بين كفتي مزايدات هذا الجانب وذاك، والكل يدعي التكلم باسم هذا المسكين الذي لا صوت له. لكن هنا يجب أن نقف ونسأل سؤالا، هل المواطن حقا مسكين ولا يد له فيما حصل ويحصل؟ وهنا يأخذ السجال منحى آخر يختلط فيه الغيبي بالتاريخي بالأسطوري، وتصدر أحكام باتت كليهشات ثابتة، تبدأ بقول نسب إلى العديد من الشخصيات التاريخية (اهل العراق .. اهل الشقاق والنفاق) وبالتالي فإن كل ما يحصل لهم حكم عادل صادر من حكمة الهية تعرف عيوبهم فتسلط عليهم أشرارهم، أو الاستشهاد بـالحديث النبوي الذي ضعفه العديد من علماء الحديث «كما تكونوا يولى عليكم)، ولان العراقيين أشرار بطبيعتهم، لذلك بات تاريخهم بناء على هذا الحديث الضعيف، مليئا بالطغاة والحروب والمجازر والاحتلالات. بينما السبب النفسي والاجتماعي لهذا الامر واضح وبسيط، ففي زمن الازمات واشتدادها تطرح مثل هذه التخريجات المستندة إلى ماورائيات غير مثبتة، تدعي أن مسببات كل الفواجع ماورائية، ولا نملك أن نفعل ازاءها شيئا، لكن في أوقات انفراج الازمة وازدهار الامور لا احد يتذكر (اهل الشقاق والنفاق)، وفي زمن الخير والعدل لا أحد يمدح هذا الشعب بـ(مثلما تكونوا يولى عليكم). كما تجد من يصف العراقيين، بانهم نهبوا مؤسسات الدولة في لحظة سقوطها، ونهبوا المال العام ودمروا البنى التحتية واظهارهم بصورة جموع من الغوغاء النهابين القاتلين، ولا يضع في اعتباره أن اكثر المجتمعات تحضرا عندما تغيب فيها سلطة القانون ومؤسسات الدولة يحصل فيها أكثر من ذلك، وتجد المتحدث يصل إلى حل وحيد مفاده أن العراقيين لا ينفع معهم إلا القوة ولا يستطيع ضبطهم سوى الديكتاتور الصارم الذي يعرف كيف يعالج مثل هذا الانفلات.
عراقيون كثر اليوم يخفون لهفتهم لـ(مستبد مستنير) وقلة منهم من يعبرون صراحة عن هذه الرغبة، أملا في هذا المستبد الذي سيزيح الطبقة السياسية الفاسدة التي تحكم العراق، ويعيد النظام والعدل، وقد نسوا أو تناسوا أن العراق عاش قرابة الاربعة عقود تحت ظل نظام شمولي مستبد، ابتدأ علمانيا بخطوات اشتراكية متعثرة وانتهى اسلاميا بمواصفات فصلت على مقاس المستبد عبر حملته الايمانية، نظام شمولي حطم المظاهر البسيطة التي حصل عليها البلد من مظاهر الحداثة في اربعة عقود سابقة، ليصل به عشية الاحتلال إلى بلد باقتصاد منهار ودولة ضعيفة ونسيج اجتماعي ممزق، عاد مجتمعه إلى تشكيلاته الاجتماعية الاولية الممثلة بالعشيرة والطائفة والمدينة أو الجهة القرابية. مجتمع هذا حاله جاءته الديمقراطية المحمولة جوا على صواريخ كروز، مغلفة بوعود انها ستخلق منه يابانا جديدا في الشرق الاوسط، عبر دمقرطة المجتمع ولبرلته وعلمنته، لكن ماذا فعل به صقور الادارة الامريكية (المحافظون الجدد) اغرقوه في (الفوضى الخلاقة) القائلة إن الديمقراطية هي من تفرز تداعياتها وتصلح نفسها مثل قوانين السوق التي يؤمنون بها، ديمقراطية في بلد يعاني فراغا وطنيا هائلا، ثقبا اسود مستعدا لابتلاع اي تحرك سياسي عقلاني، الجيش العراقي الذي كانوا يخوفون به العالم تبخر في ايام، عشرات الالاف من القوات الامنية والاجهزة الخاصة وحماية الرئيس والامن الخاص اختفت تحت الارض، لتظهر بعد ذلك متماهية مع انواع الحركات الراديكالية، لتفرض شروطها السياسية المطالبة بالعودة إلى المربع الاول، تقابلها حركات سياسية عاشت عقودا في المنافي، عاشت رثاثة الغربة وصراعات ومؤامرات المنفى والاحترابات والانقسامات الداخلية والعيش على هامش البلدان التي كانت تستضيفها لتفرض عليها اجنداتها، مع هكذا فرشة سياسية كانت مطالب من يتحدثون باسم الشارع المتشظي هي الاستعجال بنقل السلطة وكتابة الدستور، الذي تم سلقه في ستة شهور، والنتيجة، دستور ملغم بمشاكل ليس لها أول ولا آخر يتعامل معه الكل مجبرا على السير بين الغامه، ويبقى السجال مستمرا حول النصف الفارغ أو النصف الممتلئ من القدح المهدد بالزوال.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي