كثيرا ما ترددت هذه الكلمة من باب السخرية: في رأس كل عربي برلمان خاص ودستور شخصي. القصد من وراء ذلك هو غياب أي اتفاق في المجتمع الواحد بسبب انعدام حد أدنى من وفاق ممكن في العالم العربي لأسباب تاريخية ولغياب الثقة بين أفراد المجتمع الواحد. الدكتاتوريات الشمولية فرضت نمطا خاصا من التفكير وردة الفعل ولم ترب ثقافة الحوار والعقل فنما كل شيء داخل سلطان التطرف. لا نستغرب أن نجد كل الدساتير العربية ضيقة الرؤية، ومحدودة الآفاق، لأنه أصلا لا توجد آفاق تنفتح على المستقبل، إذ يهيمن حاضر شديد الارتباك، يجب تسييره بأقل الخسارات الممكنة في السلطان والحكم، مع الحفاظ على المصالح الكبرى للمجموعات المتحكمة في اقتصادات البلدان العربية.
ولا غرابة أن تأتي هذه الدساتير مسيّسة ومؤدلجة وليست تعبيرا شعبيا ولكنها خطاب ميت، يهم الأقليات الحاكمة بالمعنى المصلحي آنيا ومرحليا ولا شيء آخر. فهو لا ينبئ مطلقا بأنه حالة إصغاء لمتطلبات الشعب والعصر إلا وفق ما يخدم المصالح الخاصة وإن ارتدت أغلفة وألبسة وطنية، ويجمد الكتلة الشعبية في مكانها، في ظل تخلف مدقع، ولا يتذكرها أحد إلا أيام الانتخابات حيث تصبح الحاجة الشكلية لها مهمة وضرورية.
استجابت الكثير من الدساتير العربية لخصوصيات الهوية مثلا لتلبية مطلب شعبي معين، ولكنها ظلت عند حدود الخطاب الإرضائي أكثر منه المتأتي من عمق الحاجة العصرية، بينما ظل الجوهر هو هو. لا غرابة أن تعكس الدساتير العربية الصراع القائم بين سلطة لا قانون في رأسها إلا قانون البقاء الأبدي والاستمرار في الحكم تحت مختلف اليافطات ومنها السلم المدني، وشعب على الرغم من الفقر وأوضاعه البائسة، حقق بعض المطالب وفرض تثبيتها في الدستور.
لكن هذه الوضعية الدستورية غير الطبيعية، تعكس أيضا حالة من الخلل التي تلون الدساتير العربية بمختلف الأطياف السياسية التي لا تسمح بوجود دستور قار، هو في النهاية وثيقة جامعة وشبه مقدسة، يتم من خلالها الحفاظ على منجزات ووحدة البلاد خارج الأهواء والمطامع الشخصية للحاكم. الدستور الأمريكي الذي سنّه جورج واشنطن، ما يزال إلى اليوم مستمرا. فقد تكللت جهوده الوطنية الكبيرة بعقد مؤتمر دستوري في فيلادلفيا عام 1787 الذي اقرّ الدستور الذي انتخب بموجبه بالإجماع رئيسًا للولايات المتحدة، فأدى أول قسم دستوري في تاريخ الولايات المتحدة في مجلس الشيوخ يوم 30 أبريل/نيسان 1789 ليحكم أميركا لفترتين متتاليتين 1789 – 1797. وعندما طلب منه أن يحكم فترة ثالثة، رفض ولم يتجاوز أبدا صلاحيات الكونغرس الدستورية. الدرس الحقيقي للحاكم الذي يريد تثبيت تقاليد الحكم الراشد، يبدأ من هنا.
الدساتير العربية لا تتعلم من تجارب الأمم السباقة إلا في الشكليات. مَنِ الرئيس العربي الذي اكتفى بعهدين وأخلى السبيل لغيره؟ فكرة منصب نائب الرئيس في النظام الأمريكي مثلا غائبة تماما من هذه الدساتير، بل ومحاربة، مع أن الحاجة إليها ماسة بالخصوص في أوضاع هي شبيهة بالرمال المتحركة. وإذا وجد منصب نائب رئيس، فهو شكلي وليس صمام أمان. نائب الرئيس عربيا لا يحكم أبدا حتى في حالة وفاة الرئيس، إذ تُعلن فجأة انتخابات طارئة ويؤتى بمن ترشحه المؤسسة السياسية العسكرية المهيمنة. لأن الرئيس العربي في النهاية قليلا ما يأتي عن طريق الصندوق. وإذا أتى فهو ليبقى حتى الموت. من صندوق الانتخابات إلى صندوق الموت. لهذا يتعرض الدستور للتغيير الدائم والمستمر الأمر الذي لا يمنحه أية فرصة ليكون وثيقة إجماع وطني وليس ورقة توت. فأي دستور في العالم هو الناظم للمجتمع، والضامن لاستمرار الدولة. وهو ما لا نجده في المجتمعات العربية مطلقا. وفي أي انقلاب عسكري أو انتخابي، أول قرار يتخذه الحاكم هو توقيف العمل بالدستور وكأن هناك دستورا يحتاج لأن يوقف؟ فالأنظمة غير الديمقراطية لا تفكر إلا في المصلحة الآنية والبقاء أبدا في أمكنة القرار والتحكم في مصادر المال. في مثل هذه الحالات، من يجبر الرئيس على أن يحترم الدستور غير هزات المجتمع المدني التي قد تكون مدمرة أحيانا، والإجماع الوطني غير المتحيز الذي يضع المصلحة العليا في قمة مطالبه؟ من هنا، فالحاجة إلى دستور غير متحزب، قانوني، وضابط، أكثر من ضرورة في البلدان العربية المتهالكة.
دستور تقني بالدرجة الأولى، وليس دستورا سياسيا ضيق الرؤية. يحدد الوظائف التشريعية والتنفيذية ودور مؤسسات الحكم وحدودها، وشفافية صرف المال العام. الدستور في النهاية هو مساحة للتعايش، تحترم فيه المواطنة والمكونات الأساسية للأمة والتعددية اللغوية والديمقراطية خارج الحسابات السياسوية الآنية، فما يهم في النهاية هو تكوين لحمة أساسية قادرة على الحماية من التمزقات المتربصة بالبلدان العربية التي وصلت إلى سقف تحللها، إما أن تتغير أو تتبدد، وليس هناك خيار ثالث.
واسيني الأعرج