عجائب أشجار عمّان

حجم الخط
1

 

شجرة اللوز تحمل لوزاً، وشجرة الجوز تعطي جوزاً، والكرمة تعطي العنب. قد يكون العنب أسود أو أخضر، مستديراً أو بيضاوياً، صغيراً أو كبيراً، لكنه يبقى في النهاية عنباً!
كل الأشجار والنباتات تفعل ذلك. أما ان تعطي شجرة، بمفردها، اللوز والمشمش معاً، فأمر يصعب تخيّله.
أُخذ الطفل الذي لم يُقبل في المدرسة العبدلية، لصغر سنّه، لكي يرى الشجرة العجيبة. هكذا قيل له في ذلك الصباح.
نزل الدرجات العشرين الحادة، العالية أكثر من درجات أخرى، فوجد الباب مفتوحاً، رأى أطفالاً يكنسون الباحة الفسيحة، واحداً يرش الماء واثنين يكنسان. قالت له أمّه: أنظر! رأى الشجرة. رأى اللوز في جانب والمشمش في جانب آخر. تمعن بالأوراق فوجدها مختلفة من جهة لثانية. نظر بإمعان إلى الساق ليتأكد أن ليس في الأمر خدعة ـ وخطأ: الساق واحد، ومنه تتفرع الأغصان، أما الثمر فنوعان مختلفان. فرح كثيراً في داخله لهذا الإكتشاف!
بعد أن سلّمت أمه على الشيخ حافظ، ثم على أم أمين وأمينة، وكان الطفل مشغولاً بالشجرة العجيبة، وبعد أن تأكد واطمأن، كاد يعتبر الزيارة انتهت، ويمكن أن يغادر كما جاء. لكن الشيخ حافظ طلب إليه بحزم، أقرب إلى الأمر، أن يدخل إلى الصف. أذهلته المفاجأة، فهو لم يأت لكي يصبح تلميذاً في هذا «المكتب»، لكنه لم يقو على الإعتراض بصوت عالٍ. نظر إلى أمه طالباً أن تقف إلى جانبه وتمنع هذه الكارثة، لكن أمه، لأول مرة، تبدو مختلفة. شعر أنها تتخلى عنه، تتركه وحيداً في مواجهة هذا الرجل الذي سمع عنه الكثير قبل أن يراه. كاد يقول شيئاً، كاد يمتنع، لكن كلمات الشيخ، وكانت أوضح من المرة الأولى، لم تترك له أية فرصة.
قال له:
ـ إمش قداميّ
حين نظر إلى أمه في محاولة أخيرة لأن تكون معه، لأن تحميه، قالت، وهي تحاول الإبتسام:
ـ سيدك الشيخ حافظ راح يعلمك القراءة والحساب، وراح تصير أشطر من أخوتك!
وبطريقة خفية، دون تهديد، اهتزت الخيزرانة في يد الشيخ، وحين تحرك لم يجد الطفل مفراً إلا أن يتحرك أمامه.
إنه اليوم الأول في الكتّاب!
سوف تنقضي سنوات كثيرة على ذلك اليوم، لكنه لا يزال محفوراً في الذاكرة، كأنه وقع بالأمس تماماً: رائحة المكان، عيون الأطفال التي تراقب القادم الجديد، كلمات الشيخ القاسية، نظراته الحادة، وأيضاً طريقته حين يمشي، بعد أن يكون قد جلس فترة طويلة على الكرسي في مواجهة التلاميذ!
لن ينتهي أبداً اليوم الأول في «المكتب»، لن يتوارى، بل أكثر من ذلك، إنه يتجدد ويعاود الظهور في اللحظات الصعبة بعد كل تلك السنين، ويكتسب بعداً إضافياً، خاصة أيام العطل!
فالطفل الذي لم يمض وقت طويل على انتقاله إلى بيت جديد في جبل عمّان، عاد حزيناً وغاضباً من «المكتب». عاد وحيداً لأن البيت لم يكن بعيداً. شعر أنه مخدوع، وأن الجميع تخلوا عنه، كما شعر أن تلك الشجرة العجيبة لم تكن أكثر من مصيدة، وسيحاول أن يقاوم جميع الخدع والأشجار التي من هذا النوع فيما سيأتي من الأيام، وسيبقى يردد لنفسه:
شجرة اللوز تعطي لوزاً
شجرة الجوز تعطي جوزاً
وحتى الكرمة، مهما تعددت أنواعها، لا تعطي في النهاية إلا العنب. أما أن تعطي الشجرة جوزاً ولوزاً، مشمشاً وعنباً، وأن يكون لها ساق واحدة، فليست أكثر من خدعة لصيد الأطفال.
ولا يتأخر الطفل لكي يعلن احتجاجه وتمرده، وأنه يصرّ على عدم الذهاب ثانية إلى «المكتب». ولكي يؤكد تصميمه يرفض الأكل ويعلن الإضراب، فيسمع جدّته تقول لأمه:
ـ حرام، زغيّر، وباجر خاف يحصر ويتودع!
(…)
ويستمر الإضراب عن الطعام إلى ما بعد العصر، وحين تذهب الأم لزيارة، وبنوع من التواطؤ بين الجدة والحفيد، يأكل الطفل، لكن مقابل ذلك على الجدّة أن تقف إلى جانبه في مواجهة الضغوط التي سيتعرض لها، لإجباره على الذهاب ثانية إلى «المكتب». تعده الجدة، لكن تسأله عن سرّ الشجرة العجيبة، فيردّ بغضب:
ـ مثل ما الشيخ يضرب الأولاد، يضرب الشجرة، ويقول لها لازم تعطي اللوز والمشمش، وهي مسكينة، وحدها، ما معها أحد، تخاف وتسوي مثل ما يريد!

ثاني «بطاركة» الرواية العربية الحديثة

رغم أنّ الجنسية السعودية كانت قد أُسقطت عنه، منذ العام 1973، فإنّ عبد الرحمن منيف (1933 ـ 2004) كان في عداد آخر السعوديين الذين فوجئوا بالعدد الكبير من مواطني بلده الأمّ، ممّن شاركوا في العمليات الإرهابية الاستثنائية التي شهدتها الولايات المتحدة، يوم 11 أيلول/سبتمبر 2001. ففي نهاية المطاف، ألم تكن الغالبية العظمى من أعماله الروائية قد حذّرت من مآلات كهذه، سوف تستولدها مناخات السياسة والاجتماع والدين والثقافة والعيش اليومي… في «مدن الملح» النفطية، التي كانت مهاد موضوعاته؟
وليست مبالغة أن تُطلق على منيف، بعد الروائي المصري الكبير الراحل نجيب محفوظ، صفة «بطريرك» الرواية العربية الحديثة، أو ثاني البطاركة بالأحرى. ولم تكن مصادفة، كذلك، أنه فاز بأوّل جائزة عربية كبرى تُمنح للإبداع الروائي (القاهرة، 1998)؛ حيث قالت حيثيات لجنة التحكيم إنّ منيف استحق الجائزة «تقديراً لإبداعه الروائي المتميز، وتأكيداً لأهمية هذا الإبداع الذي قدمه خلال ثلاثة عقود، وهي أهمية تتجاوز دائرة الرواية لتشمل المنجز الثقافي العام، نظراً لارتكاز تجربته الروائية على رؤية شاملة تستمد تحليلها من التاريخ والاجتماع والفلسفة والاقتصاد والتراث مكتوباً كان أو شفوياً، ويبني هذه الرؤية بعقل تجريبي وحساسية فنية ينتظمان عالمه الروائي، ويخصبانه بكثير من الحيوية ويؤسسان لطبيعة الفن الروائي بوصفه إبداعاً لا يتشكل من مجرد الإحساس بإيقاع الحياة، بل من خلال الإحساس العميق بالحرية أيضاً».
ولد منيف في العاصمة الأردنية عمّان، لأب سعودي وأمّ عراقية، وكانت سنوات يفاعته العمّانية قد تركت في ذاكرته مخزوناً غنياً أثمر عمله الجميل «سيرة مدينة: عمّان في الأربعينات»، الذي صدر سنة 1994. تنقّل، بعدئذ، بين العراق ومصر ويوغسلافيا وسوريا ولبنان، ورحل منفياً في دمشق، بعد صراع مع مرض عضال. ومنذ العام 1973، حين فاجأ مشهد السرد العربي بروايته الأولى «الأشجار واغتيال مرزوق»؛ تعاقبت أعماله: «قصة حب مجوسية»، 1974؛ «شرق المتوسط»، 1975؛ «حين تركنا الجسر»، 1976؛ «النهايات»، 1977؛ «سباق المسافات الطويلة»، 1979؛ «عالم بلا خرائط»، بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا، 1982؛ «مدن الملح»، الخماسية المؤلفة من «التيه»، 1984، و»الأخدود»، 1985، و»تقاسيم الليل والنهار»، 1989، و»المنبت»، 1989، و»بادية الظلمات»، 1989؛ ثمّ «الآن هنا»، 1991؛ «أرض السواد»، في ثلاثة أجزاء، 1999؛ و»أمّ النذور»، 2005، بعد رحيله. أمّا أعماله، غير الروائية، فقد تناولت قضايا اقتصادية ونفطية وسياسية وأدبية، بينها «الكاتب والمنفى»، 1992؛ «الديمقراطية أولاً، الديمقراطية دائماً»، 1994؛ «لوعة الغياب»، 1998؛ و»رحلة ضوء»، 2001.
وقد تُرجم منيف إلى لغات أجنبية عديدة، واكتسب حضوراً عالمياً بارزاً، في شخص الروائي والناشط الديمقراطي معاً.

(*) من «سيرة مدينة: عمّان في الأربعينات». المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1994.

عبدالرحمن منيف

إشترك في قائمتنا البريدية