العولمة وضرورات التكامل الاقتصادي

في ظل العولمة تضيق الحدود القومية للدّولة القطرية، ويتقلّص مبدأ السيادة الوطنية ويتهمّش دور الحكومات في إدارة الاقتصاد الوطني والتحكّم بآلياته واتّخاذ القرارات اللازمة بشأنه، وتدبّر المخطّطات الاقتصادية، ولا شيء يبقى حينئذ للحكومات المحلية في ظل الاقتصاد المُعولم وسياسات البنوك الدولية.
وقد يصل الأمر إلى حدّ عجز الدولة عن مواجهة تقلّبات الدورة الاقتصادية، أو مراقبة حركة رؤوس الأموال، أو التأثير فيها أو في أوضاع السوق وحركة السلع، في ضوء انفتاح الاقتصاد الوطني على السوق العالمية، ذلك أن الاندماج في الاقتصاد العالمي يجعل حجم إنتاج هذا البلد أو ذاك من السلع والخدمات متوقّفا على قدراته التنافسية، في ظل عولمة أسواق السلع والخدمات والمال والنقد والتمويل والاستثمار، وعلى مزاياه النسبية وفرصه التصديرية أمام تعاظم القيود على انتقال السلع ونقل التكنولوجيا الأحدث، وكذلك على مهاراته التسويقية، في الوقت الذي يتسارع فيه تحرير الأسواق وتعظيم القدرة التنافسية.
وهي أزمة الحضارة المادّية القائمة التي فُرضت علينا فوقياّ والتي لم تعد ترى في الفرد إلّا إضافة غير نوعية للسّلع، التي تنتجها الرأسمالية الصناعية المتوحّشة.  ولم تعد الدول قادرة على ممارسة سيادتها بشكلها التقليدي، في ظلّ عولمة تتشابك فيها العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. 
ولا يخفى علينا، وملامح المشهد العالمي تتغيّر بوتيرة متسارعة، أن مفهوم التكامل الاقتصادي العربي لا يُعامل بالجدية الكافية، إمكانا وتمكّنا وهو إلى حدّ الآن ينحصر ضمن دوائر الحلم والأماني (سوق عربية مشتركة – اتحاد المغرب العربي- فتح الحدود بين دول الجوار- عملة موحّدة ) بدافع نزعات الانكفاء القطري على الذات والمشاكل المفتعلة والحساسيات القطرية الموهومة، التي تغيب عن القائمين على أمرها، تغافلا أو جهلا، أهمية التكامل الاقتصادي في تنمية الاقتصادات العربية، وتحقيق الاندماج المتكافئ في الاقتصاد العالمي. 
فمنذ سقوط الخلافة بعد حالة الانسداد التي شهدتها الامبراطورية العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية البحث عن مرحلة جديدة، ظلّت الدولة العربية تحاول تجديد بنيتها الهيكلية ضمن عملية تشييد الدولة من الصفر، بما أفضى إلى دوام تعقّد الفكر السياسي العربي، الذي أبقى على حالة الانحلال والتخبّط ، يعكسه واقع التفتّت الراهن للفضاء العربي الموزّع على دول متعدّدة ترفض خلق فضاء مشترك للتعاون فيما بينها، رغم وجود مسمّيات اتحادية موؤودة منذ البداية (جامعة الدول العربية – منظمة المؤتمر الاسلامي- اتحاد المغرب العربي- الاتحاد الافريقي) . وينشأ عن ذلك كلّه أنّه لا يمكن التعامل مع تحديات العولمة والمتغيرات الحادثة من حين إلى آخر، إلاّ بامتلاك رؤية استراتيجية تكُون نتاج عقلية جديدة تتخلّص من رواسب منطق المؤامرة، وتتعامل مع المستجدات الحياتية والفكرية بعقلية موازية وغير متأخّرة من جهة الاستيعاب والتمثّل والإقرار والتنظير. إذ لا يمكن مجاراة التحوّلات المتتابعة على الصعيد العالمي بالتعصّب للذات الحضارية وفق أصولية علمية، ولا يمكن فهم الألفية الثالثة بمنطق بدايات الألفية الثانية ولغتها الاستعمارية، كما أنّه لا يمكن تحدّي العولمة بالقوقعة والانكماش والاحتراب على الوهم، والتشبّث بفكرة التآمر الخارجي وأن العولمة مجرد تعبير آخر لأمركة العالم.
 إنه حينئذ الفهم المساعد على أن مضار الاستعمار والتبعية مسّت بنية الفكر العربي والإسلامي وجعلته نسيجا مهزوما لا يمتلك قراره. وهو فهم ندعو في إطاره إلى ضرورة التخلّص من «ثقافة الموت» أو البدء في محاولات استعادة الإنسانية القلقة، باستعارة تعبير أمثال بنجامين وايكر وجيمس هيلجندورف، من خلال مراجعة روحية عميقة للوعي المتكوّن على إيقاع الألفية الثالثة التي اضطهد في سياقاتها الفرد تحت وطأة النظام السياسي المالي بقيادة الرأسمالية المتوحّشة وأيديولوجيا الليبرالية الجديدة. وهو النظام الذي يتحمّل الفرد المواطن، خاصّة في الدول الفقيرة أعباء خسائره المالية وأخطاءه الاستراتيجية، واستسلم للهزيمة وتداعياتها ضمن أطر العولمة التي قادته إلى المتاهة في لحظة ما بعد الحداثة وأيديولوجيا الاختراق الإنساني والسوق المعولمة، ليصبح الصراع الحقيقي للقوى التقدّمية حول العدالة الاجتماعية. وبالتوازي مع هذه المسارات المعقّدة لم تستطع النخب الفكرية إعادة الروح إلى مجتمعاتها أو التصدّي لمشروع الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية وتبعاتها على المستوى الاجتماعي والمعيش اليومي، تماما كمحاولات جيل النهضة غير الناجزة، وهم  الذين أطلّوا على النهضة من زوايا ضيّقة، فلم ينتجوا سوى وهم النهضة. وبات الوعي الحداثي لدى أغلب المفكرين العرب منذ ذلك الحين وعيا قاصرا، يرى التحديث ممكنا من خلال مظاهر التقدم المادّي، ولا يراه وليدا شرعيا لجملة من التحولات الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية العلمية، ليقتصر التحديث في البلاد العربية على الجانب المادي الفلكلوري، وتغيب إلى الآن أبجديات الحداثة الفكرية في البيئة الثقافية العربية الإسلامية عموما ، وفي الأثناء تعمّقت حالة التبعية باحتواء مباشر مع تفاقم ظاهرة العولمة وأيديولوجيا الليبرالية الجديدة، التي أنتجت أزمات اقتصادية متلاحقة، لتتنوع إثر ذلك جماعات الرفض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي – الجماعات المنظمة والفوضوية، والأقليات العرقية والطائفية.
إنها الحاجة إذن إلى استثمار مكتسبات الحداثة الحضارية والتقنية والاستفادة من المكتشفات العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية، وإدراك أن تعظيم القدرة الاقتصادية والتكنولوجية هي ركيزة الأمن القومي بعيدا عن الانكماش حول الذات الحضارية الرافضة لمنتجات العلم والتشكيل الحضاري المتنوّر، أو الانغماس الأعمى في لعبة الأمم والسقوط في براثن العولمة سلبياّ، دون الاستفادة من فرصها المختلفة ورسم رؤية استراتيجية للاندماج في البيئة العالمية الجديدة والمتجدّدة والبحث عن موقع التكافؤ والندّية.    
كاتب تونسي

العولمة وضرورات التكامل الاقتصادي

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية