عجب الناس لهؤلاء المتمشرقين الذين درسوا أدبنا وكتبوا بلغتنا، حتى تمنى الأستاذ الجليل ابراهيم المنذر، في مقال قدم به كتاب «المستشرقون» للأستاذ العقيقي، أن يكون عندنا متمغربون.
يا للعجب العجاب! أما وجد المنذر فينا متمغرباً؟
ألا يراهم في بيته، حوله وحواليه؟
إننا أحوج إلى التمشرق. فجبران متمغرب، وغانم وخير الله مثله، والريحاني كذلك، والقرم وفصيلته، والباني والسمعاني والحاقلاني ونوفل والنولاوي والفغالي متمغربون. فما أكثر الغربيين فينا وأقل الشرقيين!
قد تمغربنا يا شيخنا الكريم، وكتبنا بلغة القوم كما كتب نوابغهم. أليس أبناؤنا متمغربين أيضاً؟
أما هؤلاء المتمشرقون فآثارهم أمامك، وإن كنت لم ترها فارجع إلى الفارياق وكشف المخبأ، فعند أحمد الخبر اليقين.
أما إن كنت تبغي متمغرباً بالمعنى الأتم، فها هو أمامك. هو هذا الجهبذ. لم أجد لفظة أصلح منها لأنعته بها، فكأنها وُضعت لتقال فيه. هو النائم في الحازمية نومة الأبد بعد ما ملأ الدنيا نصف قرن. هذا الذي تمغرب وثأر للشرق من كتّاب الغرب، واكتشف من عيوب الغرب أكثر مما اكتشفوا عندنا.
ولكنه كان أعدل منهم فذكر ما لهم وما عليهم، بينا هم لا يرون عندنا إلا المخازي والمعايب. قد زيف بضاعة المتمشرقين المزجاة، فأقرأ تعلم أي مقدار من العلم بلغتنا عند هؤلاء الذين نمشي خلفهم ثم لا نسأل إلى أين.
ما رأي شيخنا الإبراهيم بمتمشرق قرأ «حِيلَ بينهما»، «جَبَلٌ بينهما»، وذلك في قول الشاعر الأندلسي: «يا رب أمّ وطفل حِيلَ بينهما/ كما تفرّق أرواح وأبدان». ثم شرحه شرحاً وافياً، فصرف ساعات تامة في شرح جملة غير تامة، كما قال الشدياق.
إقرأ في الفرياق تلك الوعظة الشهيرة التي ألقاها أحد هؤلاء المتمشرقين في كنائسنا، ولا ترم شيخنا بالغلو. فوالله وبالله وتالله، قد سمعت بأذني الثنتين أفظع منها. فهذا هو المتمغرب بالكامل الثقافة. عرف زهيراً كما عرف شكسبير وملتون ولامارتين وفرجيل، فحدثنا عن أدب الغرب وخصّ بالذكر منه الشعر، ناعياً عليه رموزه وغموضه. إنه لم يترك شاردة ولا واردة. وأذاع بالطبع كتباً عربية نفيسة كما أذاع المتمشرقون. وحسبه أنه نشرها سالمة من فاحش الخطأ الذي لا يدركه هؤلاء.
وإني لأعجب من المتمشرق كراتشكوفسكي الروسي الذي عدّ شدياقنا من غير البلاد العربية. فلو قرأ الشدياق كلمته تلك لنهض من قبره ومشى إليه حاملاً إحدى الأسطوانتين يعاتبه بها، وأسمعه ما أسمعه سواه من أهل زمانه. فالرجل يأبى أن يُنسب لغير بلاده ولو أعطيته ملء الأرض ذهباً. وحسبنا دليلاً على تعصبه لجيله أنه طاف أوروبا بزيّه الشرقي، وكم استغربوه ولم يبال. وكم هرب من غوغائهم في شوارع عواصمهم.
أما الآن فالكلام للشدياق في كشف المخبأ يصف لنا المتمشرقين، قال قدّس الله سرّه:
«إن من يعرف منهم، مثلاً، بعض كلمات من اللغة العربية، ومثلها من الفارسية أو التركية، فإذا ألف كتاباً بلغته أدرج فيه كل شيء يعرفه من غيرها، ليوهم الناس أنه لغوي. وما عليه أن يكتب تلك الألفاظ على حقها أو يخطىء فيها. وفي عنوان كتابه تعلق عليه جلاجل من الألقاب الطنانة فيكتب له أنه من أعضاء جمعية كذا، وملخص كتاب كذا، ومحرر نبذة كذا، وخطيب مثابة كذا وهلم جرا. ولو عصرت كتابه كله لما بللت منه صدى مسألة، وذلك لأنهم لا يأخذون اللغات عن أهلها. فمهما يخطر ببالهم في تأويلها يقذفوا به جزافاً من دون تحرج وينسبوا إليها ما ليس منها (…) فإن أحدهم لا يبالي أن يؤدي معنى الترجمة بأي أسلوب خطر له. فلو قرأ سبّاً في كلامنا، مثلاً، بأن قال بعض السبابين لآخر: يحرق دينه، ترجمه بأن دينه ساطع متلهب من حرارة العبادة والغيرة، بحيث أنه يحرق جميع ما عداه من الأديان، أي يغلب عليها، فهو الدين الحقيقي القاهر كما ورد: إن الله نار آكلة!».
٭ من كتاب:
«أحمد فارس الشدياق صقر لبنان»، 1949.
جاحظ القرن العشرين
«أبو الواقعية»، كان هذا أحد الألقاب التي حظي بها الأديب والكاتب اللبناني الكبير (1886 ـ 1962)، والأخرى تراوحت بين «شيخ النقاد» و»جاحظ العصر» و»سارد القرية»… ولم يكن في الوصف الأول مبالغة مفرطة، خاصة إذا وُضع اللقب في سياقات لبنانية صرفة، بمعنى كتابة المقال والسرد والمسرح في لبنان العقود الأولى من القرن العشرين. بيد أنّ الأسلوب، وهو الرجل كما يتفق الكثيرون، كان التفصيل الأهمّ، والسمة المميزة الأبرز، التي أسبغت شرعية مفتوحة على أبوّة عبود للمذهب الواقعي: ابتداءً من اللغة، التي زاوجت على نحو بارع وأصيل وتجديدي في آن معاً، بين جزالة الفصحى وسلاسة العامية الصحيحة؛ وليس انتهاءً بذلك الالتقاط الحيّ لأجواء القرية اللبنانية، وتلك المناخات الشعبية التي التصقت بمعطيات الواقع دون أن تكبّل أجنحة الخيال.
وللمرء أن يبدأ، في تفسير هذا كله، من حقيقة سوسيولوجية مفادها أنّ عبود مارس مهناً عديدة، فكان معلّم مدرسة وصحافياً ومزارعاً وتاجراً وموظفاً حكومياً، وجال بالتالي في مناطق كثيرة من لبنان، وتعايش مع قضايا متشعبة، سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية، فضلاً عن تلك الأدبية واللغوية. وهكذا، كان مزاجه الواقعي بمثابة تحصيل حاصل لما استجمعه من تجارب، وما تعرّف عليه من أنماط إنسانية؛ الأمر الذي أفضى، أيضاً، إلى مزاج من السخرية الناقدة، اللاذعة والمحببة تماماً، طبعت كتاباته عموماً، في المقالة والدراسة الأدبية، كما في الأعمال الأدبية الإبداعية. ومن طريف مواقفه أنه، وهو المسيحي الماروني المولود في قرية عين كفاع، اختار لابنه البكر اسم محمد، ولابنته اسم فاطمة؛ ليس بسبب إجلاله للنبيّ العربي، كما أعلن، فحسب؛ بل كذلك… ثأراً من أبيه، الذي حبسه في اسم مارون!
في القصة نشر عبود «وجوه وحكايات»، 1945؛ «أقزام وجبايرة»، 1948؛ «الأمير الأحمر»، 1953؛ «أحاديث القرية»، 1963؛ و»فارس آغا»، 1964. وفي المسرحية، كتب «كريستوف كولومب»، 1910؛ «مجنون ليلى»، و»الشبح الأبيض»، 1912؛ «الغلامان الأسيران» و»الانتقام الرهيب»، 1913؛ «أشباح القرن الثامن عشر»، 1924؛ «الأخرس المتكلم»، و»تيودوسيوس قيصر»، 1925؛ و»مغاور الجن»، 1926؛ إلى جانب حفنة من القصائد المتفرقة. وأمّا في الدراسات والنقد، فقد أصدر عبود «الرؤوس»، 1945؛ «على المحك»، 1946؛ «دمقس وأرجوان» و»في المختبر»، 1952؛ «جدد وقدماء»، 1954؛ «على الطائر»، 1957؛ «نقدات عابرة»، 1959؛ فضلاً عن تراجم حول أبي العلاء المعري، بشارة الخوري، أحمد فارس الشدياق، أمين الريحاني، وبديع الزمان الهمذاني.
هنا فقرات من مستهلّ كتابه «على المحك»، في السخرية من العلاقة بين الاديب والناقد: «الويل للناقد في أمّة لم يألف أدباؤها إلا قرابين المدح ونذور الثناء، يطرحها المؤمنون على أقدام تلك الآلهة، ثم حسبهم الرضا والشفاعة. والذي لفّه ضباب الندّ والبخور بإزار حجبه عن الأبصار، حتى تنكّرت سحنته وأصبح شبحاً مقدساً، يؤذيه النقد، ويذيبه التحليل، وكيف لا؟ أما صار عند نفسه كتابوت العهد: من لمسه صعق؟ ومن لم يبرح هياكل التقريظ الموصدة النوافذ، يضرّه القعود بالمروحة، ومن لم يتعوّد النظر إلى شمس الحقيقة يتململ إذا فجأه نورها، ويرقد إذا ثار في وجهه الرّهج، فماذا نفعل لأصحابنا ليألفوا تقلبات الأنواء واكفهرار الأجواء؟ إذا كتب أحدهم مقالاً لم يَرق لك، فالويل لك إذا جهرت بعقيدتك، فديوان تفتيشهم يؤدبك، وإذا أسمعوك قصيدة ولم تكبّر عند كل بيت، فأنت حسود. وإذا لم تصفّق لكل شطر فأنت لئيم خبيث. أما إذا نقدت فأنت كافر بالعباقرة، تتهاون بنوابغ الأمة».
مارون عبود