وسط تقدم السلطوية وخطاب اليمين القومي المتطرف الظلامي، خاصة في الغرب، تشرق بين الحين والآخر مبادرات سياسية قيمة تستحق قبل الثناء والإعجاب، كل الاهتمام والمتابعة والاقتداء بها، لأنها أضواء في زمن الظلام الذي بدأ يهيمن على هذا العالم من جديد وبقوة. يتعلق الأمر بقمة احتضنتها تشيلي وجمعت رؤساء دول تقدميين، ثم تأسيس حزب يساري «حزبكم» في بريطانيا من طرف الأمين العام السابق لحزب العمال جيريمي كوربين، يؤمن بالمبادئ الإنسانية الحقة في مواجهة توغل الرأسمالية المتوحشة.
هكذا، يعيش العالم مرحلة من التوتر شبيهة بالتي سبقت كلا من الحرب العالمية الأولى، خاصة سنوات 1900-1914، ثم التي سبقت الحرب العالمية الثانية وهي مرحلة ما بين 1930- 1939، حيث تفاقمت خطابات الكراهية والتطرف ممثلة في حركات أبرزها الفاشية والنازية في الغرب، وارتفاع قمع حركات التحرر من طرف القوى الاستعمارية في باقي العالم، وإلى جانب الحروب التي يشهدها العالم وانضافت إليها المواجهات العسكرية منذ أيام بين تايلند وكمبوديا، يعيش العالم حربا أخلاقية وفكرية، الأولى بسبب موت الضمير العالمي أمام ما يجري في قطاع غزة، من استراتيجية توظيف المجاعة للقتل والتدمير البشري، وفكرية نظرا لتقدم الفكر المتطرف في الغرب، أكثر منه لدى أمم الجنوب.
جمعت القمة الأخيرة التي عُقدت في سانتياغو دي تشيلي يوم 21 يوليو/تموز 2025 رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس كولومبيا غوستافو بيترو، ورئيس الأوروغواي ياماندو أورسي ورئيس تشيلي غابرييل بوريك المحتضن لها، وجاءت القمة تحت شعار «الديمقراطية دائما»، وتهدف إلى الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة تقدم اليمين المتطرف والسلطوية على المستوى العالمي. ولعل أهم ما يميز الرؤساء المشاركين في القمة هو، ارتفاع صوتهم للتنديد بما يجري في قطاع غزة من جرائم وتقتيل، إلى مستوى أن الرئيس البرازيلي لولا وصف ذلك بتكرار جرائم النازية، بينما أوقف رئيس حكومة إسبانيا سانشيز أي تعامل مع إسرائيل، مواقف تتجاوز أخلاقيا وسياسيا موقف غالبية من يطلق عليهم «زعماء العالم العربي». وسطرت القمة أجندة سيعمل الرؤساء على ترجمتها إلى واقع سياسي على المستوى الدولي، وكسب مزيد من الأعضاء، وتتجلى في الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة ما يعتبرونه ارتفاع السلطوية، ويؤكدون أن الديمقراطية هي أهم وسيلة لضمان التماسك الاجتماعي في المجتمعات، وسيادة الحوار في العلاقات الدولية. وفي ملف آخر، انتقدت القمة تقدم اليمين القومي المتطرف، وما يشكله من تهديد للديمقراطية والسلام العالمي، وكان المشاركون في القمة يلمحون إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومن يرافقونه في هذه المغامرة مثل، رئيس الأرجنتين خافيير ميلي. ولعل الأهم في هذه الحركة هو اتفاق المشاركين على تقديم خطابات في أشغال الأمم المتحدة خلال شهر سبتمبر/أيلول المقبل، تدافع عن هذه التصورات، والعمل من أجل جبهة دولية للدفاع عن الديمقراطية. وهكذا، تبقى قمة تشيلي ذات رمزية كبيرة، لأنها كتلة تقدمية ديمقراطية دولية في مواجهة التهديدات المتربصة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
مبادرات تبرز أن جزءا من اليسار العالمي يعيد تنظيم نفسه دوليا في مواجهة صعود اليمين المتشدد ومخاطره المتزايدة على الديمقراطية وحقوق الإنسان
وفي مبادرة أخرى للدفاع عن الديمقراطية تجري في بلد له وزن في العلاقات الدولية، أعلنت مجموعة من السياسيين بزعامة الأمين العام السابق لحزب العمال البريطاني، جيريمي كوربين والنائبة زارا سلطانة، عن تأسيس هيئة سياسية تحمل الاسم المؤقت «حزبكم»، ترفع شعار إعادة السياسة إلى القواعد الشعبية. ومن ضمن النقاط الرئيسية التي أعلن عنها الحزب الآن في أجندته المؤقتة نجد: الزيادة في الضرائب على الأغنياء، واستثمار الدولة في السكن الاجتماعي، بعدما تخلت عنه خلال العقدين الأخيرين، ثم الدفاع عن الاعتراف بدولة فلسطين، ووقف مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري مع إسرائيل، والرهان على إشراك القواعد الشعبية في اتخاذ القرارات. ويكفي أنه خلال أيام قليلة وصل الحزب 400 ألف طلب للانخراط، وأصبحت حظوظه تتجاوز 15% من الأصوات، في حالة إجراء انتخابات تشريعية. لماذا يمكن اعتبار هذه المبادرات السياسية التي جرت خلال الأيام الأخيرة بمثابة منعطف حقيقي في السياسية الدولية، قد تتعدد القراءات لكن يمكن اختزالها في ما يلي:
في المقام الأول، مبادرة «الديمقراطية دائما» يقودها زعماء لهم وزن في الساحة الدولية، حيث أصبح بيدرو سانشيز منارا لليسار في أوروبا، لاسيما بعد سياسته نحو عدالة اجتماعية وسط إسبانيا، ووسط الاتحاد الأوروبي، ثم رهانه على مواقف جذرية من أجل فلسطين في مواجهة إسرائيل. في الاتجاه نفسه، يعتبر الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا من زعماء أمم الجنوب، الذين يمنحون للجنوب صوتا قويا في المحافل الدولة، علاوة على دور البرازيل في مجموعة بريكس. وهذه المبادرات تتجاوز التنديد والحلم بالتغيير، القائم على ما هو تجريدي إلى واقع ملموس، وقد ينضم عدد من رؤساء الدول وزعماء الأحزاب إلى حركة «الديمقراطية دائما».
في المقام الثاني، تعتبر مبادرة «حزبكم» بقيادة كوربين وسلطانة ذات أهمية فائقة. فعكس الأصوات التي تعتبر أنها مبادرة لإضعاف اليسار، فهي إما ستجبر الحزب العمالي على العودة إلى تبني مبادئ اليسار والابتعاد عن اليمين في قضايا مثل، العدالة الاجتماعية والهجرة. وسيكون الحزب الجديد حركة سياسية قد تلعب دورين مختلفين وفق الشروط والظروف، الأول وهو مساندة حزب العمال لتشكيل ائتلاف حكومي في حالة عدم حصوله على الأغلبية في الانتخابات التشريعية المقبلة، وفي البلديات، وبالتالي سيتكرر سيناريو دعم حزب بوديموس وسومار للحزب الاشتراكي الإسباني الحاكم، وسيكون هذا الحزب البوصلة التي لا تترك حزب العمال ينحرف كثيرا في الاقتراب من أطروحات اليمين. والسيناريو الثاني هو أن يصبح مع مرور الوقت بديلا لحزب العمال، في حالة تراجع هذا الأخير مستقبلا، مثلما حصل مع الحزب الاشتراكي الفرنسي، الذي كان حتى الأمس القريب أكبر حزب اشتراكي في أوروبا، وتقريبا في العالم، وتولى رئاسة فرنسا مع فرانسوا هولاند والحكومة حتى سنة 2017، وانهار لاحقا وأصبح هامشيا، وفي المقابل برز حزب «فرنسا الأبية» بزعامة جان لوك ميلونشون، ممثل اليسار وصاحب المواقف المشرفة في ملفات مثل الهجرة والعدالة الاجتماعية وفلسطين.
هذه المبادرات تبرز أن جزءا من اليسار العالمي يعيد تنظيم نفسه دوليا في مواجهة صعود اليمين المتشدد ومخاطره المتزايدة على الديمقراطية وحقوق الإنسان، إذ تكفي مبادرات ناضجة لإعادة الثقة للمواطن/الناخب التقدمي والليبرالي المؤمن بالعدالة الاجتماعية والإنصاف في العلاقات الدولية. من دون شك، هذه المبادرات ستقود في القريب العاجل إلى تشكل يسار عالمي في مواجهة المد اليميني الظلامي، وقد بدأت الأصوات تتعالى في هذا الاتجاه.
كاتب مغربي