وقفت أتأمل شاشة تليفوني مطولاً، تلك اليانعة مرتدية رداء التخرج الأسود، محيطة رقبتها بوشاح أبيض، متعلقة بيد والدها الذي يقف بجانبها بابتسامة واسعة تكاد تتسع إلى ضحكة يُسمع صوت قهقهتها قافزاً من الصورة. في الخلفية تبرز نافورة مياه فاخرة محاطة بعدد من التماثيل الكلاسيكية التي بلا شك تشكل رمزاً مؤثراً لمكانة الموقع وأهميته الأكاديمية والتاريخية. هي بشبابها ويناعتها، والمكان بهيبته وتاريخيته، الحاضر على خلفية الماضي وانطلاقة نحو المستقبل المنتظر، مستقبلاً أترجاه مليئاً بلحظات كهذه، كلها نجاح ودفء وابتسامات وفرح.
لم تسمح لي ظروف عملي بالمشاركة، ولم تسمح لي مبادئي التي باتت ثقيلة جداً على قلبي هذه الأيام بالتواري اختلاساً ليوم أو اثنين أحضر فيهما تخرج ابنتي، صغيرتي آخر العنقود، والتي بتخرجها نتمم أنا ووالدها مهمتنا ونرتضي للأبناء الثلاثة شهاداتهم الجامعية أمناً وحماية. بقيت على رأس عملي أتابع من بعيد لحظات تخرج هذه الصغيرة: وهي تشتري فستان تخرجها، وهي تخابرني قلقة من رد فعل والدها تجاه طول الفستان أو قصره، وهي تتهيأ لحفلها الكبير، وهي تصعد إلى المسرح، وهم ينادون اسمها ملغوماً باللهجة البريطانية، وهي تضع كفيها الصغيرتين بين كفي البروفيسور الذي يشرف على تخرجها حسب التقليد المعتاد هناك، وهي تهبط من المسرح، وهي تجري مرتمية في حضن والدها، ثم وهي تهجره لتصحب أصدقاءها في أمسية احتفالية بتخرجهم. راقبت الوضع كله من بعيد وأنا أفكر بمفارقة اللحظة وبالتجلي الواضح لطبيعة علاقتي بأصحابها من خلالها.
زاحَمَت الذكريات مشاعر الغيرة في قلبي، فأنا أعاني غيرة مزمنة من هذه الصغيرة، غيرة لا يأخذها أحد على محمل الجد رغم كل ما تثقل به هذه الغيرة على كاهلي وتضغط به على مشاعري. منذ قدومها إلى الدنيا، استحوذت هذه الصغيرة بشراهة على كل مشاعر العائلة، حب أخيها الكبير الذي لا يوصف، أمومية أختها الوسطى الحقيقية لها، ولع غير مسبوق في عيني وكلمات وتعابير والدها مصحوبين جميعاً بلين مستجد في قراراته وتراخ كوميدي في أحكامه مكنتها جميعاً من تخطي كل «لا» وأي ممنوع، ومن ثم تحقيق كل مطلب وهدف مرغوب. صالت هذه الصغيرة وجالت في أسرتنا الصغيرة، وبهدوئها وجمال وجهها وطرواة روحها ورقة ضحكتها وذكائها اللماح وضعتنا جميعاً في جيبها الصغير، مؤمنين دائماً على طلباتها، متنافسين تباعاً في تحقيق أمانيها ورغباتها.
ورغم أننا كلنا نشترك في هذا «الفشل التربوي» الذي، ولله الحمد، لم يطل من دماثة خلقها أو نجاحها، فإنني لطالما شعرت بعزلتي في بحر الحب هذا. الحقيقة أنني أردت أن يحبني ابني وابنتي البكريان، وأحب أن أعتبر كليهما أول فرحة، أكثر مما يحبان هذه الصغيرة، أردتهما في صفي لا أن يشكلا عصابة منصوبة دائماً للدفاع عن طلباتها وتوبيخي في لحظات غضبها. أردت أن أكون الأولى في حياة زوجي، هدف محبته وسبب فرحته ومثار شوقه الدائم، لا أن تضيء ابتسامته وتتسع عيناه ويفرح قلبه وتشتاق نفسه بهذه الصورة لأنثى غيري ولو كانت ابنتي. ورغم سخف وسذاجة وربما خام مشاعري هذه، فإنها حقيقية وموجودة، فأنا دائماً أشعر أنني خارج دائرة العشق هذه، دائماً أشعر أنني في موقف المنافسة، ودائماً أعرف أنني الخاسرة قبل حتى أن تبدأ المسابقة.
لم تكن ياسمين داخلة في خطة العائلة، بل هو قرارها القدري الذي اتخذته من العدم، هذه الصغيرة القادرة على تحقيق رغباتها قبل حتى أن تتشكل حقيقة مادية. لم يكن حملها تسعة أشهر مهمة سهلة، فقد أصابني حملها بكل أنواع «التلفيات» الجسدية الغريبة حتى تُشرفنا في هذه الحياة. وما إن قطع والدها حبلها السري ثم حممها وهي بعد طازجة الولادة بمساعدة الممرضات ثم وضعها على صدري، حتى بدأت رحلة «التلفيات» النفسية، فقد سالت دموعي ساخنة مدرارة، وارتجفت أصابعي هلعاً، ودق قلبي دقاً عنيفاً معلناً عن خوف عميق مهيب. لاحقاً، استوعبتُ خلطة المشاعر المرعبة المرهقة تلك، هو نوع من الحب الحارق المختلط بالقلق والندم، الندم على إطلاق سراح هذه الصغيرة من جسدي إلى هذه الحياة، إلى غيري من البشر الذين سيعرفونها، إلى آخرين سيحبونها ويقبّلونها ويطعمونها ويتكلمون معها، بعد أن كان كل هذا لي وحدي، أنا فقط.
وكأن الزمن كله لحظة، فمن سرير الولادة هذا، ومن كل مشهد في غرفة الولادة تلك والذي لا يزال مرسوماً بدقة في ذاكرتي: جسد الصغيرة اللزج، يدا زوجي المرتعشتان، الوعاء الأزرق المستدير والفرشة اللتان غسل بواسطتهما زوجي الصغيرة، شباك الغرفة المستطيل الضخم، الأسلاك الكثيرة على يميني ويساري، وجه الممرضة الباسم، الدكتور وهو يسر لي أن درجة حرارة الصغيرة منخفضة بعض الشيء وتحتاج لجسدي يدفئها، التصاقها بي وعودة حرارة جسدها طبيعية فوراً، دموعي وبكاؤها الهادئ اللطيف، تفاصيل السرير ومحاولتي الهبوط منه، شعور جوع وعطش اللحظة، من كل هذا ومن كل تفاصيله إلى اليوم: ياسمين على مسرح جامعتها العريقة، تتسلم شهادة تخرجها، تبتسم بجمال لم أر له مثيلاً لوالدها، تخطو بثقة أمام زملائها. أين كل ما انتصف تلك اللحظة وهذه، أين كل الزمن والأحداث والذكريات، أي آلة زمن نقلتني من غرفة الولادة تلك إلى قاعة المسرح هذه؟
آه يا ياسمين لو تعلمين، ولكنك لن تعلمي، لن تفهمي كيف أحب كل جزء فيك وكل قطعة منك وكل لحظة من حياتك وكل تجربة في مسارك وكل رغبة وكل غضبة وكل ضحكة وكل دمعة وكل كلمة وكل نفس يدخل ويخرج منك، لن تتخيلي ما مررت به جسداً وروحاً لأحصل عليك، لن تستوعبي أنني أتنفس بك يا آخر العنقود، وأنني رغم غيرتي وشعوري بأننا خارج دائرتك وأخوتك ووالدك دائماً، يكفيني شرفاً أن أقف حارساً على باب دائرتكم، أن أحبكم ولو عن بعد من خارجها، أن أصد عنكم ولو خفاء كل شرور ما بعد أسوارها.
اليوم أشعر أنني عجوز وصبية في الوقت ذاته، عجوز تسلم آخر عنقودها للدنيا الواسعة، وفي ذات اللحظة صبية تتسلم صغيرتها بين يديها، بين الحدثين لحظة، بين المكانين لمحة، وبين المرأتين عمر انصهر في ضحكة، ضحكة أطلقتها ياسمين وانطلقت بها نحو الحياة.