«وجوه إبراهيم نصر الله»… على التاريخ اليوم أن يخشى الرواية

القاهرة ـ «القدس العربي» : استمراراً لفعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ(57) أقيمت محاورة للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله بعنوان «وجوه إبراهيم نصر الله»، أدارها الباحث في الشأن الثقافي مصطفى الطيب، الذي أشار بداية إلى معنى عنوان اللقاء، وعلاقته بصاحب (الملهاة الفلسطينية)، الذي يمتلك عدة وجوه إبداعية، فبخلاف الشعر والرواية يمتلك نصر الله موهبة موسيقية، حتى إنه لحن عددا من قصائده، وكذا تنفيذ بعض اللوحات التشكيلية. على الجانب الآخر احتفل صاحب (الشرفات) بصدور طبعة مصرية من روايته «كل الأشياء الجميلة القابلة للكسر». كما فاز نصر الله مؤخراً بجائزة (نيوستاد) الدولية للأدب، والمعروفة بـ(نوبل الأمريكية). وهذا بعض ما جاء في اللقاء..

جائرة نيوستاد

أوضح نصر الله أن الجائزة التي تم تدشينها عام 1970 وفاز بها غابرييل ماركيز، لأول مرّة تُمنح لكاتب يكتب باللغة العربية، فكانت مفاجأة كبيرة، فمن غير المتوقع أن نكون (العرب) جزءا من هذه الجائزة الكبيرة، ونحن نعرف أن الجوائز العالمية ليست لنا، ويعود ذلك لأسباب كثيرة. وعن توقيت الفوز بالجائزة يقول نصر الله.. «كان الأهم بالنسبة لي بيان الجائزة، الذي ذكر أن الكاتب مُنح الجائزة لكتاباته المتجذرة في الهوية والمنفى والمقاومة، خاصة أن كلمة المقاومة لم تعد تذكر في عالمنا العربي، كذلك حينما عرفت أن رمز الجائزة هو الريشة، وهو يرمز لثقافة السكان الأصليين في أوكلاهوما، أو ما اصطلح على تسميتهم (الهنود الحُمر)، فهي بذلك تعني أنها تُمنح لذلك المؤتمن على الذاكرة الجمعية. من هنا تأتي فكرة المقاومة من خلال الكتابة، التي تكمن في علاقتك بالآخرين وكيفية تشكيل الهوية، وأول عوامل تشكّل الهوية وأخطرها هي مرحلة الطفولة، من هنا بدأت الحكاية بكتابة الشعر والرواية.

السيرة والذاكرة

وبالسؤال عن كتابة السيرة الذاتية، يقول، إن كتبت السيرة كما هي فستحدث مشكلات كثيرة، ولكن صياغتها في شكل روائي ممكن، وقد كتبت بعضها في (السيرة الطائرة) و(طيور الحذر)، وهي بشكل أو بآخر جزء عن طفولتي، كنت أكتب عن طفولتي في المخيم، وهو ما جاء في رواية (طفولتي حتى الآن). ويضيف، فمن الميلاد إلى التعليم حتى السفر إلى العديد من البلاد، أجد أن طفولتي هي الأكثر تأثيراً، هذا كله كتبته في كتاب (السيرة الطائرة)، وهو الذي يعبّر عن سيرتي في الكتابة خلال 25 سنة. إلا أن موضوع السفر ساهم في تشكيل وعيي والوعي المضاد، وتعلمت كيف يجب أن تكون صريحاً وواضحاً ولا تخفي أي شيء بالمطلق، وتتحدث معهم ـ الأجانب ـ مباشرة، كما تتحدث وكأنك في القاهرة، أو في مخيم الوحدات، أو أي مكان فلسطيني، يجب أن تتحدث، من دون أي خوف.

الرواية والتاريخ

عن هذه العلاقة يرى نصر الله أن التاريخ العربي القديم والحديث نصطدم معه، وفي الكثير منه، فنحن الآن شهود على حوادث بعينها نجد كيف يتم تزويرها أمام أعيننا، وحينما تذهب إلى القضية الفلسطينية تجد أن هناك تزويرا كارثيا، فحجم البطولة الزائفة في التعامل مع القضية مرعب، فتشعر أن الجميع كانوا أبطالا، وطالما كان الجميع أبطالا فمن الذي أضاع الأرض؟! كذلك جميع الجيوش كانت منتصرة، فلماذا ضاعت فلسطين؟!
وحتى التاريخ الفلسطيني ما قبل النكبة نكتشف أن كثيرا من الأشياء زائفة، حتى أن بعض المؤرخين الرائعين لم يلتفتوا إليها، ولكن ككاتب عليك أن تقرأ التاريخ بصورة مختلفة، ولا تأخذ كل شيء كمسلمات، حتى على مستوى الوثيقة، فهناك الكثير من الوثائق المزورة، لكننا عندما نسمع كلمة وثيقة نشعر بالثقة تجاهها، إلا أنها في الحقيقة لا تمثل شيئا.
ويضيف قائلاً.. أخطر شيء واجهني شخصية (فوزي القواقجي) وتصويره كبطل وقائد ثورة وكل هذه المسائل. حينما قرأت عنه باستفاضة وتسلسل، تساءلت حول تاريخه، واكتشفت أنه شخص لاهٍ، غير مسؤول، لا يؤتمن حتى على الجنود الذين معه، وحين كان الإنكليز يعدمون الثوار، خرج عن الثورة وتم استقباله في عمّان استقبال الأبطال، ثم ذهب إلى العراق وعاش، وعندما جاءت ثورة 1936 اتفقت كل الجيوش العربية على أن يكون (القواقجي) قائد جيش الإنقاذ. فلماذا لم ير أي من المؤرخين هذه المسرحية الكبيرة! لذا علينا كروائيين أن نراقب التاريخ، وعلى التاريخ اليوم أن يخشى من الرواية، فالرواية تقرأ العالم وتقرأ الفترات التاريخية بمسؤولية كبيرة، وبجانب كونها أخلاقية بالأساس، إلا أنها ستواجه من الأجيال الجديدة، فكيف ستصبح روايتك وقتها؟ هل ستصبح جزءا من تاريخ أصلي أم مزيف بدوره.

الذات والآخر
وبالسؤال عن رؤيته للآخر وكيف يمكن أنسنته في بعض الأعمال الأدبية والفنية، يرفض نصر الله هذه الأنسنة، ويقول، نحن نوجد حينما يكون هناك مَن يرانا، والكيان الصهيوني لا يقبل بوجود آخر له. مئة عام من التجاهل والإبادة، ومهما كان النفي والقتل فالإنسان الفلسطيني مصمم على أن يكون موجوداً، فالمعركة مع العدو هي معركة محو، سواء جسدياً أو اقتصادياً أو ثقافياً، لأنه لا يراك موازياً له إنسانياً. وفي الكتابة على سبيل المثال عليك أن تعمل حتى تصبح موجوداً، لكننا ومن جهة أخرى نمارس بدورنا فكرة نفي ذاتنا، وأننا لا نستطيع أن نكون آخر للآخرين، وبالتالي نشعر بالضآلة تجاه أنفسنا والعالم، إلا أن نموذج الشعب الفلسطيني هو المثال، فرغم كل ما يحدث ضده يظل موجوداً، بل أكثر تحققاً من هذا الآخر، هذا التحقق يتم من خلال الكتابة، لذا فحينما تكتب عن شهيد يجب أن تكتب عنه بطريقة يصعب معها قتله مرّة أخرى.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية