وجود السودان وليس استقلاله فقط في خطر

حجم الخط
0

وجود السودان وليس استقلاله فقط في خطر

عبد الوهاب الأفنديوجود السودان وليس استقلاله فقط في خطر في الاسبوع الذي سبق الاحتفالات الصاخبة باليوبيل الذهبي لاستقلال السودان (1956 ـ 2006) خرجت مظاهرة من احد مساجد العاصمة تحتج علي ما وصفه تقرير صحافي بأنه ضلوع من قبل موظفي الأمم المتحدة العالمية في السودان في ممارسة الدعارة. التقرير الصحافي روجت له علي ما يبدو جهات رسمية، هي التي اخطرت الصحيفة المعنية بان الشرطة ألقت القبض علي شبكة دعارة يديرها عاملون في الأمم المتحدة. الناطقة الرسمية باسم بعثة الامم المتحدة في السودان نفت بشدة هذه الاتهامات، وأكدت ان الخبر عن اعتقال اي موظفين في الامم المتحدة بهذه التهمة او غيرها عار عن الصحة تماما.وفي حقيقة الامر فان اعتقال اي موظفين في الامم المتحدة ـ الا اذا كانوا من الموظفين المحليين ـ غير ممكن قانونيا، بسبب الحصانة الدبلوماسية التي يتمتعون بها. وبالطبع يمكن لاي حكومة ذات سيادة ان تقوم بطرد اي من هؤلاء العاملين رغم حصانتهم الدبلوماسية اذا ثبت لها اتيانهم بأعمال مخالفة للقانون. ولكن في حالة السودان فان هذا الامر قد لا يكون من السهولة بمكان، لان بعثة الامم المتحدة الحالية قد انشئت بموجب قرار من مجلس الامن يخولها سلطات واسعة في الاشراف علي اتفاق السلام، بما في ذلك جوانبه العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد اصبح لاشراف الامم المتحدة جانب قضائي ايضا بعد قرار مجلس الامن الخاص باحالة ملف المحاكمات في جرائم الحرب في دارفور الي المحكمة الجنائية الدولية.وبسبب هذه الصلاحيات التي تعلو علي صلاحيات الحكومة في احيان كثيرة، فان الحكومة هي التي اصبحت خاضعة لبعثة الامم المتحدة، وليس العكس، وقد اصبح الامر اشبه الي حد كبير بوظيفة المندوب السامي البريطاني في مصر في ايام ما قبل 1951، حين كان يعتبر اسميا سفيرا لبلاده، بينما هو في الواقع الحاكم الفعلي للبلاد، تحت تصرفه جيش كامل الاعداد. مندوب الامم المتحدة الحالي له ايضا قوات مسلحة، ولكنها لا تكفي لفرض سلطانه علي البلاد. بيد انه لا يحتاج الي مثل هذه القوات، حيث ان كلمته والتهديد بشكوي الحكومة الي مجلس الامن يكفيان للانصياع.هناك اضافة الي ذلك التزامات مضمنة في تفاهمات اتفاق السلام تلزم الحكومة بالتغاضي عن السلوك المخالف للشريعة الاسلامية في نطاق العاصمة القومية اذا صدر من غير المسلمين او في اطار المساحات الخاصة (داخل المنازل والاندية الخاصة مثلا). وكان هذا هو الحل الوسط الذي تم التوصل اليه بين مطالبة المفاوضين الجنوبيين بالغاء احكام الشريعة الاسلامية في العاصمة القومية واصرار الحكومة علي الابقاء عليها في اطار تفاهم مشاكوس الذي يستثني الاقاليم الجنوبية فقط من سريان احكام الشريعة. ومع ذلك فان بعض الجهات الحكومية تفسر هذا الاستثناء تفسيرا ضيقا كما حدث حين داهمت الشرطة المسماة بشرطة النظام العام منزل رجل اعمال سوداني مسيحي معروف في آب (اغسطس) الماضي في وقت كان يقيم فيه حفلا دعا اليه دبلوماسيين اجانب وبعض كبار موظفي الامم المتحدة. وقد وقعت هذه المداهمة علي الرغم من ان بعض كبار ضباط الشرطة والمسؤولين كانوا من بين المدعوين، ورغم وجود شرطة حراسة ترابط امام المنزل.هذا الموقف الملتبس من الاتفاقية ومن الوجود الاممي في السودان يرمز الي اشكالية الاستقلال السوداني المنقوص تحت ظروف الوصاية الدولية الحالية. وتكتسب هذه الاشكالية اهمية مضاعفة بسبب هوس الحكومة الحالية بما تسميه استقلال القرار . وقد كانت حكومة الانقاذ تفاخر منذ قيامها بأنها نظام مستقل عن كل هيمنة اجنبية، وكانت من التندرات الشائعة في اوساط اهل الحكم ـ وهو تندر يقصد به الجد ـ انه لا توجد سوي عاصمتين في العالم تتمتعان باستقلال القرار: واشنطن والخرطوم!من تداولوا هذه النكتة لم يسألوا انفسهم عن السبب الذي من اجله ـ اذا كانت هذه المقولة صحيحة ـ تفتقد كل دول العالم الاخري، بما فيها دول كبري وعمالقة في الاقتصاد والمجال العسكري، الاستقلال الذي تتمتع به الخرطوم؟ هل لانها كما هو مستبطن في هذه المقولة، تفتقد شجاعة الخرطوم في مواجهة الولايات المتحدة؟هناك بالطبع سوء فهم واضح لمعني ومغزي الاستقلال. فحرية الاوطان، مثل حرية الافراد، لا تعني الانفلات من كل عقال، وعدم المراعاة لمشاعر ومصالح الآخرين، فلو ان فردا مارس حريته في التصرف كما يشاء بدون مراعاة لقيم المجتمع ومشاعر الآخرين، لاعتبر مستهترا فاقدا للحياء حتي وان لم يوجـد قانون يردع سلوكه. وغني عن القول وان من يمـــارس حريته دون مراعاة لمصالح وحقوق الآخرين فقد يعتبر مجرما خارجا علي القانون.وبالمثل فان الدول التي تتصرف بدون مراعاة لمشاعر ومصالح الآخرين، بما في ذلك الولايات المتحدة، تعتبر اما مستهترة او خارجة علي القانون، وقد واجهت امريكا انتقادات حادة من قبل المجتمع الدولي ـ ومن داخل امريكا نفسها ـ بسبب مواقفها في غزو العراق او عدم الالتزام باتفاقية كيوتو حول البيئة. هذا علي الرغم من ان مواقف امريكا لم تكن منفردة في بعض هذه الامور، حيث استعانت في غزو العراق بدول كبري مثل بريطانيا وايطاليا واسبانيا، ودول اقل اهمية، مثل الكويت والاردن والسعودية وتركيا واوكرانيا وبولندا وغيرها، وكسبت ايضا سكوت او تواطؤ دول مثل مصر والصين وايران وروسيا، ولم تكن اي من هذه المواقف مجانية، بل شملت الكثير من الأخذ والعطاء. واذا كان هذا ينسحب علي دول كبري مثل الولايات المتحدة، فهو من باب اولي ينسحب علي دول اقل شأنا.فيما يتعلق بالسودان فان حكومته الحالية حينما جاءت الي السلطة واجهت امتحانا قاسيا لدعاواه الاستقلالية، تمثل اولا في نقص الامدادات الحيوية مثل النفط والقمح والسكر، حيث لم يكن لدي السودان امدادات من هذه المواد تكفي لأكثر من اسبوعين او ثلاثة. كما لم يكن لديه احتياطي نقدي لشراء هذه الامدادات الضرورية.وفوق ذلك فان الحكومة كانت تخوض حربا ضروسا في الجنوب، وبموارد محدودة ايضا، وكانت تحتاج الي امدادات الذخيرة والوقود والاسلحة وغيرها لمتابعة الحرب. وهذه المتطلبات اصعب منالا، لان المال وحده، حتي ان وجد، لا يكفي للحصول عليها، خاصة وان معظم الدول الغربية فرضت حظرا علي تصدير الاسلحة للسودان.وفي حالة دولة تحتاج الي مقومات الوجود الاساسية من طعام وسلاح ووقود، ولا تملك المال لشرائه، فان الحديث عن استقلال القرار يفقد كثيرا من وزنه، لان من يحتاج الي استجداء مقومات وجوده يكون في موقف تفاوضي ضعيف للغاية، اذ لا بد من مساومات يعطي فيها المقابل، وبالتالي قدمت الحكومة تنازلات للقوي المانحة، وابرزها الصين وايران وليبيا، وعقدت صفقات مع روسيا وغيرها لتوفير الامدادات، بينما سعت علي المدي الطويل لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح والسكر ثم النفط، وحققت في ذلك نجاحات متفاوتة.اضافة الي ذلك فان الحكومة السودانية واجهت الاشكال الذي واجه كل الانظمة العربية وانظمة العالم الثالث التي اكتشفت اعباء الاستقلال ومطالبه. وكانت الامم حديثة الاستقلال مواجهة بخيارين: القبول باستقلال منقوص عبر اللجوء الي جوار دولة كبري، غالبا هي المستعمر السابق، او اختيار النهج الثوري الاستقلالي. ورغم ان معظم الدول اختارت اسميا المنهج الاستقلالي تحت مسمي عدم الانحياز بقيادة دول مثل الهند والصين واندونيسيا سوكارنو ومصر الناصرية ويوغسلافيا تيتو، الا ان الواقع اختلف. معظم الدول المحافظة اختارت الارتباط بدول غربية، اما عبر الكومنولث البريطاني، او التجمع الفرانكوفوني، او الاحلاف الامريكية المتعددة. اما دول عدم الانحياز الحقيقي فقد وجدت نفسها، فيما عدا استثناءات قليلة، مضطرة للانحياز للاتحاد السوفييتي، وهو انحياز كان له ثمنه كذلك.عربيا فان معظم الدول التقليدية ذات الانظمة الملكية اختارت الولاء للغرب، مع الاستعانة بالولاءات التقليدية من طائفية ودينية وقبلية لتعزيز سلطانها. وقد ساعدتها المعونات الغربية، وما رزقت به من موارد اخري، مثل النفط، علاوة علي استثمار الولاءات التقليدية في تقليل كلفة الانفراد بالسلطة، بينما كانت الانظمة الثورية تتمتع بأرصدة اقل من المال والشرعية والدعم الشعبي، وتواجه تحديات اكبر من الخارج، سواء حربا مباشرة مع اسرائيل، او اعمال تمرد داخلية، او استهدافا غربيا يحاربها اعلاميا واقتصاديا وسياسيا، مما جعلها اقل استقرارا، واكثر اضطرارا الي القمع.الحكومة السودانية الحالية في مرحلتها الاولي اختارت النهج الثوري في عهد افول الثورية، وعشية انهيار المعسكر الشرقي وعودة اوروبا الشرقية الي بيت الطاعة الرأسمالي. وحتي لو لم يكن الاتحاد السوفييتي انهار فان اجندتها الاسلامية ما كانت بالتي تقربها زلفي للقيادة السوفييتية. وقد جعلها كل ذلك مع الأزمات الاقتصادية اكثر اعتمادا علي القهر والقمع للبقاء في السلطة.الامر تطور خلال الست عشرة سنة الماضية بحيث نمت موارد الدولة وزادت، وتقلص التوتر الداخلي والخارجي. ولهذا فان السودان يحتفل هذا العام باستقلاله وهو اغني واكثر استقرارا واقرب الي الانفتاح السياسي القابل للاستمرار منه في اي وقت مضي. ولكنه مع ذلك يواجه اخطارا علي استقلاله واستمرار وجوده اكثر من اي وقت مضي. ويعود هذا الي اكثر من سبب، اولها ان الحكومة بدأت تفاوضها مع الخارج ومع الفصائل المعارضة من موقف تفاوضي ضعيف، ازداد ضعفا مع كارثة دارفور والانقسامات داخل صفوف الحكم. وثانيا لاستمرار التشرذم السياسي داخل البلاد، وثالثا لتكاثر الضغوط من خارجها.لكل هذه الاسباب فان صفقة السلام قسمت البلاد، واضعفت الدولة ونالت من استقلال البلاد. الاتفاقية عمليا حولت السودان الي جمهورية كونفدرالية تمارس فيها حكومة الجنوب كل مقتضيات السيادة، حيث تقوم في البلد حكومتان وجيشان. وحتي في المركز فان الدولة اصبحت محاصرة بكيانات من خارجها، بعضها رسمي (المفوضيات التي تتمتع بصلاحية فوق الحكومة) او غير رسمية (احزاب وكيانات عسكرية وشبه عسكرية ومدنية ومنظمات سرية).اضافة الي ذلك فان الشق الدولي من اتفاقية السلام، مشفوعا بملابسات ازمة دارفور، ادي الي وضع البلاد عمليا تحت الوصاية الاجنبية، وهذه الوصاية ينتظر ان تتأكد وتتعزز مع اي معالجة محتملة لأزمة دارفور.وللأسف فان الاشكالات المتمثلة في ضعف الحكومة ستساهم في مزيد من اضعاف الكيان القومي واستقلاله، بسبب الدائرة الخبيثة المتمثلة في ضيق قاعدة الحكم والحاجة الي تقديم المزيد من التنازلات علي حساب السيادة ووحدة الكيان القومي. وهذا بدوره يشجع مزيدا من الكيانات الاقليمية والعرقية اولا الي طلب الانفصال عن الوطن الذي اصبح اقطاعا خاصا لمجموعة صغيرة مغلقة، وثانيا لابتزاز هذه المجموعة المعزولة بمطالب يعرفونها انها ستضطر للتسليم بها لانها لا تحبذ البديل، وهو السعي الي خلق شراكة حقيقية في الوطن.واذا لم يحدث تحول جوهري في طبيعة وتوجهات المنظومة الحاكمة ـ وهو امر يؤسفنا ان نقول انه مستبعد رغم جهود الكثيرين ونحن منهم ـ فان النتيجة الحتمية ستكون فقدان استقلال البلد اولا، ثم تفككه ثانيا، واخيرا انهيار النظام. ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.ہ كاتب وباحث سوداني مقيم في لندنّ9

mostread1000000

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إشترك في قائمتنا البريدية