« وتر خامس للكمان» مجموعة الشاعر المصري محمد عرب صالح:  إيقاع داخلي وقصائد في مديح اللغة

صابر رشدي
حجم الخط
0

ربما كان الشعر أحد الوسائل الناجعة لترميم عزلة الإنسان، واستعادة مباهج الحياة، والاندماج فيها، عن طريق البحث عن الجمال المحجوب وراء الغبار والغيوم، وعبر إرهاف السمع لموسيقى الكون، إنه تطهر بالنور المبهر، النابع من الكلمات، فالشعر ينتمي إلى البشرية دون بقية الكائنات، إحدى هدايا السماء إلى المرهفين، المتيمين بموسيقى الكلمات…
الشعر مَلَكَةٌ، وهِبَةٌ، تمرين على الاختزال. دعوة للتأمل، ومحاولة دؤوب لاكتشاف الذات مجدداً.
في ديوان «وتر خامس للكمان» للشاعر المصري محمد عرب صالح، ثمة طابع غنائي، يَسِم معظم قصائده. بدءاً بالعنوان اللافت، الذي يدعو إلى التساؤل: لِمَ الكمان تحديداً؟
هذا التساؤل الذي سنجد له إجابة جاهزة: لأنه أمير الآلات الموسيقية، الذي يفصح عن مشاعر الحزن والسعادة، وهو القاسم المشترك في الموسيقى الكلاسيكية والشرقية، بصوته الدافئ، والشجي، والمعبر أحياناً عن الوجع الإنساني.
ولِمَ الوتر الخامس، والكمان له أربعة أوتار؟
ستكون الإجابة، حينئذ، نابعة من مطالعة نصوص الديوان.
الوتر الخامس مجاز، استدعاء لصوت جديد، غير مألوف، اختراق لمساحات أوسع للتعبير عن الوجدان، ورفض للاكتفاء بما هو متاح من الكلمات، وكأن المشاعر لا تكفي، ولا تفي بحاجتنا إلى البوح والكلام. إنه التوق إلى موسيقى شعرية جديدة، من خلال هذا الوتر الزائد، والمتخيل، صوت يتجاوز الممكن والمتاح، ولا يقبل بالعادي، وتر يضيف إلى إيقاع الحياة نغمة ساحرة، غير مسبوقة.
يقول الشاعر معبراً عن ذاته في قصيدة «تُدَلِّلُ أَيامَها بالغِناءِ»:
«في العين أيامي تمرّ غزالة
لا شيء
إلا طلقتان وصائد
لغد يؤرقه قدومي نحوه
متحيراً:
أبغيه أم أنا زاهد».
لنذهب بعدها إلى مقطع آخر في القصيدة، حتى نتبين بأي روح يقرض الشعر:
«فتنام في الشعر ملء جفونها
وتضيق ذرعاً أن تعدّ شوارد
«زرقاء» يا بحر
انتظرها في غد
فلكم يطاردها غد وتطارد».
ثمة تذكير هنا بتيارات الحداثة الأولى، وبهؤلاء الذين فتحوا أبواب القصيدة أمام الشعر الحر وقصيدة التفعيلة، فنحن نستمع إلى صوت مشابه، قريباً من الآباء الأوائل أصحاب هذا التحولات الكبرى في القصيدة العربية. ونرى الذات وهي تشيد عالمها، متجاوزة التعبير المباشر، من خلال إيقاع داخلي، رنان، وواضح. يكشف عن توتر داخلي لذات تسكن حافة الأشياء، وتتأملها بهدوء، من دون أن تمسك بها.
فهو يصرح بأن الشعر مرتبط بوجود الإنسان، وأن مستقبل الشعر هو مستقبل البشرية، ولن يندثر إلا بانتهاء الحياة.
وها هو يدخر بعض الموسيقى للأنثى، وللحسناوات، ويوزع نصوصه على أوتار الكمان، وعلى أنغام كل وتر يضع لحناً معيناً، فنحن نعرف أن الأوتار الأربعة مرتبة من الصوت الأغلظ إلى الصوت الأرفع على النحو التالي: صول، ري، لا، مي. فهو إذن يؤطر كلماته وفقاً لهذه النغمات.
نستمع إليه في قصيدة «نهاوند» التي يستلهم موسيقاها من اللحن الرائع المصاحب لقصيدة جبران خليل جبران «أعطني الناي وغنّ» والتي سحرتنا بها الرائعة فيروز وهي تشدو بها، بادئاً بهذه «اللازمة»:
«دو
في الطريق الذي يبدأ الآن بين النهود
حيثما قمر أحمر من رعاياكِ
جاذبني للصعود
فاسترحت على ربوة لأغني
فضاع «النهاوند» مني
ولم تستثمر بفمي صرخة أو نشيد».
مردفاً بهذا المقطع على نغمة (الري) و (البي مول):
«ري
مرّة
قبل أن يتعانق ظلان، أو يتشاكس ديكان
كان المدى مفعماً بالدخان
وكان الغراب يَعُدُّ الفوارغ من طلقات الجنود
مي بيمول
رغبة في معاينة الذكريات
رأيتك راكضة بين سهلين
والزمن المترصد يعكس عقربة جهة القلب
منتظراً لحظة القنص».
ثم يستمر الشاعر في لحنه، يُصَعِّدُ النغمات، كأنه بصدد قصيد سيمفوني، ليعرج على الـ(فا)، ثم الـ(صول)، متدرجاً إلى (لا بيمول)، مرتفعاً إلى (سي بيمول)، ليعود مجدداً إلى الـ(دو) ليختتم بها لحنه:
«دو
بالشفاه،
وبالشبق المتناهي
لن أطيل خطاي على جلدها.. سأطيل القعود
تحت صفصافة في الطريق الذي يبدأ الآن بين النهود».
إنه يلجأ في نصوصه إلى الموسيقى، بحثاً عن أحاسيس مضافة إلى الشعر، كغاية مرتجاة، تخص الروح، دون انفصالها عن الجسد، فثمة سخاء لغوي يطل من عالمه، مبني على اتساع قاموسه، وتداخله مع كثير من المدارس الشعرية، القديمة والحديثة. ربما لكونه درس جيداً اللغة والأدب، وباحثاً – بعد التخرج – في البلاغة والنقد والأدب المقارن. لكنه، على أي حال، شاعر مفعم بالرومانسية، يسعى معها، وفقاً لمزاجه النفسي، ليستميل الشعر إلى محبته، حتى لو كان مقيداً، في هذا الديوان تحديداً، إلى نزعة من التقاليد الكلاسية، التي تبتعد عن أحاديث الحياة العادية، طامحاً إلى النظم المتأنق.
وهو يجنح إلى الإيقاع في أثناء بناء الجمل، ليعطيها دوراً دلالياً، وكياناً خاصاً بها. لتصبح لغة شعورية، كما في قصيدة «جَرَّاحُ المصابيح» التي أهداها إلى الشاعر السعودي محمد الثبيتي، (حادي البيد، وقاطف الأنجم من شجر الليلك) كما وصفه في صدر قصيدته:
«مداحة الريح، أم رَثَّاءةُ الروح
أن يطرب الليل من أنات مجروح!
من رقصتي ويدي تفضي إلى يدها
وكان إفضاء مذبوح لمذبوح
ألقيت في معشر العشاق أقمصتي
فصيرتهم رواة للتباريح.»
مقترباً من صدى التراتيل، وحداء الإبل، مستعيداً تراثاً شعرياً ضارباً في عمق الزمن. إنه يستلهم الأجواء البدوية، ونظم شعراء العرب، القدماء والمحدثين، وصولاً إلى قصيدة التفعيلة، حيث الاهتمام بالصور الشعرية والمجاز، والتطرق إلى تلك الموضوعات التي كانت رائجة لديهم:
«وسرت في مدن صماء
في طرق عرجاء.
أُعلي بلا صوت تواشيحي
لحكمة تتدلى من كفوف أبي
شالاً يقاسم أمي في التراويح
أصغيت للضوء حتى صرت كُنيته
وكان ظلي جراح المصابيح
وأعيني آية في كل مفتتح
تتلى
وقلبي إمامٌ للمجاريح».
منذ فترة بعيدة، بدأت أشعر بأن هناك أزمة حقيقية لدى شعراء التفعيلة المتأخرين، لا شعر التفعيلة نفسه. أتحدث عن هؤلاء الذين ذهبوا بها إلى طرق مسدودة، متخبطين في البحث عن أواخر حروف الكلمات التي تضبط الوزن والإيقاع وفقاً لبحور الشعر العربي، بعيداً عن جوهر الشعر ذاته، عن الخيال، وعن حرية المرء في رصد انفعالاته، والتعبير عن مشاعره تجاه العالم، بعيداً عن هذا التعامل الهندسي، الذي أخذ معه هذا التيار إلى دروب النسيان. هؤلاء الذين لم يضيفوا شيئاً مهماً إلى قصيدة التفعيلة، من بعد مبدعيها الكبار من أساطير الشعر العربي أمثال صلاح عبدالصبور، بدر شاكر السياب، محمود درويش، أمل دنقل، عبدالوهاب البياتي، محمد عفيفي مطر، وآخرين بعدهم كعلي قنديل…إلخ.
حتى تحول حلم العثور على ديوان شعر جيد، ينتمي إلى هذا التيار، في وقتنا الحالي، ضرباً من الوهم. لكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن القدر، والحظ الجيد، أحياناً ما يسوقان إلينا بعض الأعمال، التي تستحق الاهتمام وإعادة الثقة، وأحياناً ما يشير أحدهم إلى عمل يستحق القراءة، موفراً جهداً كبيراً في البحث، بين ركام من الأعمال الكثيرة، التي تدفع بها المطابع يومياً، وتحتاج إلى أعمار مضاعفة لمطالعتها.
يقول الشاعر محمد عرب صالح في مقطع قصيدة «يا عين.. يا ليل»:
«هنا تَضُمّ جراح الفارسِ الفرَسُ
قد علقوه ولم يأذن له جرسُ
على صليب من الصَّبّارِ مُستعلم
وقلبه في حقول الفل منغرس
أقصى أمانيه قبل الموت أغنية
لقرية نام عن عشاقها الحرس
هنا الفوارس جوابون والخيل
فقال حاديهم: يا ليل يا عين».
في استعادة لموضوعات ظلت دهوراً تشغل بال الشعراء القدامى، الفوارس، النرجسيين، حيث يبدأ العالم من عندهم، وينتهي إليهم. ذواتهم الشاعرة المتضخمة هي محور القصيدة، لا قلق وجوديا، ولا اشتباك مع التفاصيل الصغرى، غير ميالين إلى اجتراح الآلام، وجعلها وقوداً للقصيدة، فلهم قضاياهم المختلفة. هم أبطال، محاربون، أصحاب نفوذ، ومراتب عليا في القبيلة. ثيمتان، يراوح بينهما الشاعر القديم بفخار: الحب والحرب، المجد والبطولة، الخلود أيضاً، فما زلنا نردد أبيات عنترة بن شداد، امرؤ القيس، طرفة بن العبد، قيس بن الملوح.. تلك العناصر هي الأكثر جاذبية لديهم، لكنها، رغم خفوت تداولها في القصيدة الحديثة، نجد استلهاماً جيداً لها في هذه القصيدة لدى محمد عرب صالح، وأصداء من تراث عظيم، يستعيده في حاضره:
«على سرير كهذا النهر ثم فتى
يقلّب الرأس لا نوماً ولا سُهداً
حيث الفتاة التي أغوته رقصتها
من فرط تصفيقه
عنه انثنت زُهْدا
الآن يُلقي على الكرسي حيرته
ويستعيذ بصوت الناي كي يَهدا
فلْتُفْلِت القلب صوب البئر يا حبلُ».
لا انشغال سياسيا هنا، ولا اهتمام بأيديولوجيات معينة، إنما اشتغال على اللغة، وعلى الشعر ذاته، اشتغال على المجاز، تعويضاً عن الاندماج في العالم الواقعي، ومشاكله المعقدة. ترك الأفكار المعاصرة، والقضايا الملحة للآخرين، والتضحية بكثير من العناصر الفنية الحديثة، من أجل قصيدة متماسكة، لا تنتمي إلى الشغب، فهذا شاعر قضيته الأساس هي الشعر، واستعادة بريق اللغة.

محمد عرب صالح: «وتر خامس للكمان»
كتاب للنشر والتوزيع، القاهرة 2023
101 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية