هل كانت أمريكا يوما راعية سلام؟

لم يكن يتحقق أو يمر القرار الأممي المجحف رقم 181 القاضي بتقسيم أرض فلسطين عام 1947 ـ بصيغته ـ لولا التدخل الأمريكي العابث والسافر.. وهذه حقيقة لا يقدر أحد على إنكارها أو تجاهلها.. فقد استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية شتى الأساليب الالتفافية سعيا منها وراء تمكين الطائفة اليهودية من إنشاء دولتهم المستقلة في أرض فلسطين.. كما مارست أيضا العديد من الضغوط والإغراءات لكسب أصوات بقية الدول الأخرى الأعضاء، خصوصا بعد ضمان تصويت غالبيه الدول اللاتينية لصالح القرار، الذي رفضته جميع الدول العربية الأعضاء، وامتناع وتحفظ بعض الدول كاليونان وغيرها.
ومن هنا فقد شكل هذا القرار، أو المشروع الأممي المتخذ ـ برعاية أمريكية ـ أحد أبرز الإشكالات التي عصفت بالأمم المتحدة الوليدة والناشئة حينها، وكأول خطأ فادح ارتكبته في سجل تاريخها، دفع ثمنه للأسف الشعب العربي الفلسطيني الأعزل، الذي تجرع أقسى الويلات وعلى مدى اكثر من ثمانين عاما وحتى الآن..
فقد تم إعطاء الشعب اليهودي الأسبقية والأولوية في تأسيس وبناء دولتهم المزعومة بعد سنين طويلة من الشتات والتشرد في أنحاء العالم.. وفي المقابل تم الإخلال المتعمد بالقضية الفلسطينية، وأصبح الشعب الفلسطيني هو من يعاني الشتات والعزلة والقتل والإبادة، ومصادره حقوقه المشروعة.
والشي اللافت في هذا الصدد، أن بريطانيا ذاتها لم تبد موافقتها على القرار الأممي وامتنعت بدايه عن التصويت، على الرغم من كونها أول من شارك في المؤامرة الكبرى، وافسحت المجال، أمام الوكالات اليهودية والمنظمات الصهيونية لنيل الاعتراف بالوطن القومي لليهود في أرض فلسطين، إبان فترة توليها حكم نظام الانتداب 1923- 1948، أو تلك الفترة التي سبقتها خلال مرحلة الوصاية المباشرة لدول عصبة الحلفاء على المناطق العربية في إقليم الشام ومحاولة هذه الدول مثل بريطانيا وفرنسا فرض نفوذهما في أرجاء المنطقة، والقيام بشن حملات عدائية ضد الوجود العثماني التركي، مع إعطاء الوعود الكيدية للشعوب العربية لإعلان حريتها واستقلالها..
ولعل امتناع بريطانيا هنا عن التصويت في أول الأمر وكذا محاولتها استمالة بعض الدول الأعضاء للوقوف إلى صفها، رفضا للقرار يعود إلى تلك الصدمة غير المتوقعة التي تلقتها من الجانب اليهودي عقب قيام العصابات الصهيونية المسلحة بمهاجمه الجنود الإنكليز وحثهم على المغادرة وقتل المئات منهم وذلك قبيل انتهاء موعد فتره الانتداب، في الوقت الذي كانت بريطانيا قد سلمت جميع عتادها من الذخيرة ومستودعات السلاح للوكالة اليهودية، التي لم تحسن التصرف في رد الجميل، حسب كلام الساسة الإنكليز وتنكرهم للموقف البريطاني الداعم لقضيتهم عبر عقود من الزمن، وما وعد بلفور المشؤوم عام 1917 إلا خير شاهد على ذلك، حسب تأكيدهم.
ولذا فقد كان هول الصدمة أكبر مما توقعته بريطانيا، بعد مقتل جنودها على أيدي العصابات اليهودية، الذي جاء متزامنا مع التقارب اليهودي الأمريكي.. الأمر الذي إلى جعل الحكومة البريطانية تعيد ترتيب حساباتها وعلاقاتها مع الجانب اليهودي، وفي ذلك قال: رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل «كيف لهم أن يعملون ذلك فنحن اصدقاء لهم ومهندسون دائمون لمستقبلهم».

الإدارة الأمريكية بعد أن صوبت خنجرها المسموم في الخاصرة العربية لأرض فلسطين منذ وقت مبكر وأمام الملأ ما زالت الداعم الأساسي للكيان الصهيوني

وكانت بريطانيا قد سعت في أكثر من اتجاه لكبح التوجه الأمريكي في أروقة الأمم المتحدة أثناء مناقشة مشروع التقسيم، كتثمينهم للموقف الكولومبي تجاه القضية الفلسطينية الرافض للتصويت، حيث أشار المندوب البريطاني بالفكرة التي طرحتها كولومبيا لتعديل مشروع القرار، بما لا يضر حقوق الشعب الفلسطيني قائلا في حديثه، إن الورقة الكولومبية المقدمة كادت أن تنجح لولا تقاعس الدول العربية .هذا التراجع في الموقف البريطاني رغم بشاعة ما اقترفوه من جرم شديد في تاريخ مسار القضية الفلسطينية، إلا أنه أتى أيضا ـ حسب شهادتهم ـ انعكاسا لمقدار الندم والخيبة جراء رده الفعل تجاههم.. الأمر الذي دعا الحكومات البريطانية المتلاحقة إلى توخي الحذر في طبيعة العلاقات مع الكيان الصهيوني، والنظر كذلك في مظلومية الشعب الفلسطيني، خصوصا بعد أن تعالت الأصوات في الداخل البريطاني للاعتراف بقيام دوله فلسطين.. وهو ما أعلنته المملكة المتحدة التي عبرت عن رفضها لسلسلة الانتهاكات الجماعية التي تعرض لها قطاع غزة.. ولعل هذا التغيير الذي طرأ في الموقف العام الدولي تجاه فلسطين، جاء بعد اتضاح وانكشاف الكثير من الحقائق أمام بقية الشعوب الحرة في العالم، التي طالبت بوقف المجازر اليومية وفك الحصار الخانق على غزة، وإدراكها أيضا أن جرائم النظام الإسرائيلي قد تعدت وفاقت كل المفاهيم الإنسانية والاتفاقيات الدولية المنظمة لحقوق الإنسان..
وفي الاتجاه الآخر أبقت أمريكا بشاعة وحشيتها ووجهها القبيح السافر المتعنت ونهجها المتواطئ الموالي للكيان الإسرائيلي.. فمن دوله عظمى راعية للنظام العالمي، كما تدعي استباح الساسة الأمريكيون جل سلطاتهم المتعاقبة ونفوذهم القوي والمتسلط لفرض هيمنتهم ومشروعيتهم، من دون أدنى اعتبار، أو حسبان للعهود أو القرارات أو المواثيق الأممية والدولية الصادرة من مجلس الأمن، أو المحكمة الجنائية، أو محكمة العدل، واستخدام حق النقض (الفيتو) ليصبح الموقف الأمريكي هو المتنفذ الأول والساري، وإن خالف الإجماع العالمي.. وما قضية فلسطين إلا شاهد على ذلك ومنذ وقت مبكر، ففي عام 1944 مثلا كان قد طالب الأمريكي ستيفن وايز، إضافة إلى سياسيين آخرين في مؤتمر الصهيونية، الذي أقيم في أتلانتا بالإسراع في إقامة دولة يهودية في فلسطين وطرد العرب منها وبدعم من الرئيس الامريكي هاري ترومان..
فلم يكتف العدو المغتصب بوضع يده على القدس الغربية، حسب القرار الأممي الأمريكي حتى تسنت الفرصة لإلحاق وضم القدس الشرقية في مخالفة صريحة وواضحة، وصولا إلى الإعلان بأن القدس هي عاصمة إسرائيل الأبدية في تحد واضح ومستفز لم يوافقهم أحد عليه سوى الرئيس الامريكي ترامب أثناء فترة رئاسته الأولى وعدم امتثاله للوائح وقرارات مجلس الأمن في هذا الخصوص، ومسارعته بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.. وما حديث الرئيس الأمريكي ترامب، الراعي الاول لآلة القتل في فلسطين عند زيارته الأخيرة للمنطقة للتوقيع على انتهاء الحرب في غزة، التي ابتدأها بالالتقاء بأعضاء الكنيست والحكومة الإسرائيلية، إلا تأكيد على هذا المسار.. فقد بدأ مباركا لانتهاء المهمة ومباركا أيضا للعلاقة الوطيدة مع إسرائيل وقدومه إلى القدس عاصمة إسرائيل الأبدية حد قوله..
فأي سلام تتشدق به الإدارة الأمريكية بعد أن صوبت خنجرها المسموم في الخاصرة العربية لأرض فلسطين منذ وقت مبكر وأمام الملأ وما زالت ـ وبكل صلف ـ تبارك جهودها وموقفها الداعم للكيان الصهيوني.

كاتب يمني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية