هل تنجو أمريكا من الضرر الذي يضمره ترامب لأوروبا؟

منذ بواكير الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأت أوروبا تواجه التهديدات نفسها التي وجهها لها في ولايته الأولى، بل تبدو وكأنها أقسى وأشد. ففي حين كان يطالب أوروبا برفع ميزانيتها العسكرية في الناتو إلى 2% من ناتجها المحلي، ها هو اليوم يطالبها بـ5% من الناتج المحلي، مضافا إليها التلويح بالحرب التجارية عليها، من خلال رفع الرسوم الجمركية على المنتجات والبضائع الأوروبية، ما يهدد الاقتصادات الأوروبية بدخول حالة من الركود. والآن يعلنها صراحة بالقول، إن دول الاتحاد الأوروبي (قامت باستغلالنا بالفعل ولدينا عجز تجاري معها يبلغ 300 مليار دولار. إنهم لا يشترون سياراتنا ولا منتجاتنا الزراعية بينما نحن نشتري منهم كل شيء).
يبدو واضحا أن ترامب لديه منهجية يعتمدها وهي، منهجية لا حلفاء. هو لا يعتبر التحالف الذي كان قائما منذ الحرب العالمية الثانية بين أوروبا الغربية، ثم أوروبا ككل وأمريكا الشمالية، وتحديدا الولايات المتحدة هو تحالف يستحق أن يستمر، لا بل هو يتعامل مع الجميع على أنهم خصوم، ويصنفهم على أنهم مستغلون ومستفيدون من الولايات المتحدة وغير مفيدين لها. كما أن جزءا من هذه المنهجية التي يعتمدها هي إسقاط المنظومة الدولية القائمة على القواعد، واعتبار أن منطق القوة الأمريكية تحديدا هو المرجعية الفعلية، ثم داخليا هو يلوم الولايات المتحدة بالقول، إن البُنى في الولايات المتحدة مسؤولة عن الهشاشة في أداء الولايات المتحدة عالميا من وجهة نظره، وبالتالي لا بد من تفكيك البُنى الداخلية، إذن تفكيك البُنى الداخلية لحصر السلطات وحصر القوة بشخصه، وتفكيك المنظومة العالمية لحصر القوة بالولايات المتحدة أي بشخصه أيضا هذه هي المنهجية الجديدة. وعندما نتحدث عن الضرر الذي سيقع على الأوروبيين، فليس معنى ذلك أن الولايات المتحدة ستنجو من الضرر.

أوروبا بحاجة إلى الولايات المتحدة، ولكن أمام إصرار رجل له الكثير من الاعتزاز بنفسه، على فرض أسلوب جديد، قد يؤدي إلى فرط العلاقات القائمة، وبالتالي إلى فرط الاتحاد الأوروبي

بالتأكيد ثمة ضرر على الولايات المتحدة، فهي تُفرّط اليوم بالبُنية التي قامت على أساسها القوة الأمريكية، والهيبة والتأثير الأمريكي. فالاستفادة الآنية من ضعف الدول الأوروبية اليوم، ودفع هذه الدول إلى الرضوخ، ستؤدي حتما إلى إن هذه الدول التي لم تطور منظومتها العسكرية، انطلاقا من مصلحة أمريكية كانت موجودة، وهي التي فضّلت بأن لا تطوّر هذه المنظومات، كي تبقى هذه الدول طيّعة للولايات المتحدة. إذن في المرحلة المقبلة في حال تحركت هذه الدول وتمكنت من تجاوز المرحلة الحالية، وسارت الأمور باتجاه تشكيل قدرة دفاعية ذاتية أوروبية، قد نجد أن أوروبا لن تكون بالضرورة الحليف التلقائي للولايات المتحدة، أي أن الولايات المتحدة تُفرّط على المدى البعيد بمكانتها عالميا. ولكن ترامب ليس معنيا بالمدى البعيد. هو معني بالنتيجة الفورية. هو يأسف عندما يرى الميزان التجاري بينه وبين أي دولة ليس لصالح الولايات المتحدة، ويعتبره استغلالا، لأنه ليس معنيا بكيف أن هذه العلاقة التجارية تربط الطرف الآخر بالولايات المتحدة. هو معني بالربح الآني. لكن الولايات المتحدة بالتأكيد متضررة، والمنظومة العالمية ككل متضررة، لان السابقة التي يؤسس لها اليوم هي، أن النظام القائم على التوازنات لم يعد هو النظام المعتمد، بل النظام أصبح من الآن فصاعدا قائما على القوة الفارضة، القوة المُكرهة، والولايات المتحدة اليوم لديها هذه القوة.
أما على أرض الواقع فإن الولايات المتحدة لن تستفيد من هذه السياسة، بل هي أغبى حرب اقتصادية في العالم، لأننا هنا أمام إمكانية التفاوض والتوصل إلى خطوات إيجابية، دون هذا المنهج الاستعلائي والاستعدائي، الذي يؤدي إلى التفريط بمصالح الولايات المتحدة الخارجية. أما داخليا فالمواطن الأمريكي يستعد للتو بأنه سيدفع أكثر وسوف يتحمل أعباء أكثر. كما أن المشكلة الأساسية هي أن المعارضة لترامب، أطلقت على نفسها رصاصة الرحمة. نتحدث هنا عن الديمقراطيين الذين أساءوا التصرف ليس فقط خلال الحملة الانتخابية الماضية، ما أدى إلى خسارة مجلس الكونغرس والبيت الأبيض، ولكن على مستوى التأييد الشعبي، من خلال التزامهم بقضايا قد لا تعني المجتمع كافة، أو قد تُنفّر البعض. إذن ترامب لديه فرصة اليوم أن يُنفّذ هذه التصورات الخيالية والخُرافية، تلك التي تسعى إلى جعل الولايات المتحدة القوة المُطلقة في العالم، من خلال استيعاب كندا واستيعاب قناة بنما، وإعادة تسمية خليج المكسيك خليج أمريكا، وغيرها من الخطوات التي قد تأتي، لأننا ما زلنا في بداية هذا العهد.
وردا على هذه المنهجية التي اعتمدها ترامب مبكرا في ولايته الثانية، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس (الواضح لا يوجد رابحون في هذه الحرب التجارية. وإذا بدأت الولايات المتحدة الحرب التجارية فالذي سيبحث عنه الجانب الآخر هو الصين. نحن في القليل مترابطون للغاية وبحاجة إلى الولايات المتحدة وهي بحاجة إلينا أيضا. الرسوم الجمركية ستزيد التكاليف، وهي ليست مفيدة للوظائف ولا للمستهلكين وهذا أمر واضح). لكن الحقيقة هي أن ترامب يعلم جيدا أن دول الاتحاد الأوروبي ليست على قلب رجل واحد، هناك تصورات مختلفة داخل الاتحاد خصوصا في ما يخص الدفاع وهناك اختلافات أيديولوجية. وترامب لديه علاقات جيدة مع بعض الحكومات الأوروبية اليمينية واليمينية المتطرفة مثل إيطاليا وهنغاريا، وسيواصل مساعيه من أجل توسيع هذا الشرخ داخل الاتحاد الأوروبي. فهو لا يعبأ بأي ائتلاف أو حلف. هو يراهن فقط على أنه الأكبر ولديه سلطة، هو القوة وأمريكا هي الأقوى ويريد أن يفرض ما يريد.
طبعا أوروبا في موقف الضعيف، حيث الاقتصاد الأوروبي في حالة شلل، وهناك حاجة لتصدير البضائع والمنتجات الأوروبية إلى الولايات المتحدة. كما أنهم لم يهتموا بجيوشهم على مدى عقود من السنين، ولم يستثمروا في القوة العسكرية، وبذلك بقيت أوروبا مرهونة فيما يخص الدفاع للعلاقة مع الولايات المتحدة لاسيما إزاء روسيا. قد يسعى الاوروبيون إلى أن تكون هناك صفقة، ويريدون أن يتفاوضوا ويتقربوا من مطالب ترامب قدر الإمكان، ولكن هذا سيتسبب بأكلاف كبيرة على أوروبا. كما أنهم أمام مهمة صعبة وهي من أين سيدفعون نسبة 5% التي يريدها ترامب، في حين أن الصناديق المالية الأوروبية شبه فارغة.
نعم أوروبا بحاجة إلى الولايات المتحدة، ولكن اليوم أمام إصرار من جانب رجل له الكثير من الاعتزاز بنفسه، على فرض أسلوب جديد. هذا الأسلوب قد يؤدي بالفعل إلى فرط العلاقات القائمة، وبالتالي إلى فرط الاتحاد الأوروبي. لذلك التحدي هو تحد أوروبي. والسؤال هل سيرتقي الأوروبيون إلى موقع أن يتوحدوا ويتوافقوا؟
كاتب عراقي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية