طرح وزير خارجية أمريكا، ماركو روبيو، خلال جلسة مع لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، أول أمس الأحد، إشارة خطيرة على خطط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحالية تجاه مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي.
مهّد روبيو للموضوع بالحديث عن أن الحكومة الإيرانية ربما تكون «أضعف من أي وقت مضى»، وأن اقتصادها «يواجه حالة انهيار»، وأن الاحتجاجات قد تعود إلى الشوارع، وأن «لا أحد يعلم» من سيتولى السلطة «إذا تم عزل المرشد الأعلى الإيراني من منصبه.
لم يتحدّث روبيو طبعا عن قيام واشنطن بنفسها بـ«عزل خامنئي» ولكنه لمّح إلى ذلك بالقول إن الوضع في إيران «أكثر تعقيدا» من الوضع في فنزويلا، وأنه سيتطلب «الكثير من التفكير المتأني»، وأن الولايات المتحدة «قد تنفذ هجوما استباقيا» على إيران «لحماية القوات الأمريكية في المنطقة»!
جرى «النقاش» الآنف في الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة الأمريكية تتابع تحشدها في المنطقة المحيطة بإيران، ويتحرك أسطول حربي آخر للانضمام إلى حاملة طائرات وقاذفات ومقاتلات وسفن حربية موجودة في المنطقة.
على «الجبهة الغربية» رفع الاتحاد الأوروبي بدوره سقف التوتّر مع إيران وفي منطقة الشرق الأوسط بإعلانه حزمة عقوبات، سيتبعها، كما هو متوقع، إعلان «الحرس الثوري» منظمة إرهابية وهو ما سيشكل غطاء واقعيا لأي ضربة أمريكية جديدة على إيران.
مهد ترامب لهذا السيناريو خلال فترة تأجج الاحتجاجات في إيران داعيا لـ«تغيير القيادة» فيها، وهو ما ردّ عليه الرئيس مسعود بزشكيان، الذي اعتبر أن أي اعتداء على المرشد الأعلى يعني «حربا شاملة»، لكن استعادتها، يوم السبت الماضي، من قبل إبراهيم جباري، مستشار القائد العام للحرس الثوري، الذي قال إن «صدور تصرف مثل هذا عن مجرم كترامب ليس مستبعدا»، تشير إلى القيادة العسكرية الإيرانية تتحسّب لهذا الاحتمال، وهو ما تكرر، أول أمس الأربعاء، على لسان وزير الخارجية، عباس عراقجي، الذي تحدث عن أن «أصابع» القوات المسلحة «على الزناد للرد فورا وبقوة على أي عدوان».
حسب تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» حول المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، فإن هدف التصعيد الأمريكي هو إجبار إيران على تنفيذ ثلاثة شروط، أولها ينهي المشروع النووي عبر وقف نهائي لتخصيب اليورانيوم، والثاني يضع قيودا على مدى وعدد الصواريخ الباليستية (بحيث يتوقف التهديد لإسرائيل) والثالث يفرض وقفا كاملا لدعم طهران للميليشيات التابعة لها في المنطقة العربية.
تضع هذه الوضعية العسكرية الضاغطة، بالتزامن مع العقوبات الاقتصادية، ووضع «الحرس الثوري» على قائمة الإرهاب، القيادة الإيرانية في حالة أقرب إلى ما وصفه زعيم الثورة الإيرانية الراحل، الخميني، حين تحدّث عن وقف الحرب مع العراق، باعتباره «تجرعا للسم»، وإذا أضفنا إلى ذلك الصدع الكبير ضمن الإيرانيين، الذي أدى إليه قمع الاحتجاجات الشعبية، فإن الحالة تغدو أقرب لاستعصاء يصعب الخروج منه.
تدرك القيادة الأمريكية، في الوقت نفسه، أن سيناريو التخلص من القائد، على شاكلة ما حصل في فنزويلا، ولو كان مصحوبا بحصار على إيران، لا يضمن، أولا، خضوع القيادتين السياسية والعسكرية الإيرانية لشروط الاستسلام، ولا يضمن، ثانيا، حصول تداعيات كبرى لن تستطيع الجيوش والدبلوماسيون الأمريكيون تدارك آثارها الكارثية على المنطقة التي هي من أهم مراكز إمداد العالم بالنفط والغاز، وعقدة عالمية رئيسية لسلاسل الإمدادات وخطوط المواصلات البحرية العالمية.
يستخدم ترامب تكتيك «الزعيم المجنون» الذي يفرض شروطا قصوى ليحصل على مطالب ممكنة، لكن الملابسات المحيطة بالصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران، وما شهدناه من إبادة في غزة، ومن خطف الرئيس الفنزويلي وزوجته، ومن تهديدات ترامب ضد حلفائه الغربيين، إشارات تدلّ على أن ما كان جنونيا في عصر مضى صار ممكن الحصول في عصر ترامب.