تباين المواقف السياسية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية على المستوى الدولي ليس بالأمر الجديد، وقد حدث ذلك في مواجهة قضايا دولية عديدة من أبرزها قضية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ وهو الغزو الذي أسقط نظام صدام حسين. فقد كانت الدول الأوروبية، ما عدا بريطانيا تعارض في ذلك الحين عملية الغزو. ويومها اتخذ كل من ديك تشيني نائب الرئيس جورج دبليو بوش، ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفلد موقفا سلبيا حاداً من الدول الأوروبية المحورية، حتى أن الأخير كان يسعى من أجل الاستثمار في الدول الأوروبية الشرقية التي كانت قد تخلصت في ذلك الحين من هيمنة روسيا في نسختها السوفييتية، ويصف في المقابل دولاً مثل فرنسا وألمانيا وايطاليا بأوروبا القديمة.
ورغم عودة العلاقة التقليدية التحالفية المعهودة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الغربية إلى مجاريها مجددا في عهد باراك أوباما؛ إلا أنها سرعان ما واجهت اضطرابات غير مسبوقة في عهد ترامب الأول. فقد فرض هذا الأخير الرسوم الجمركية المرتفعة على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة، وبدأ يتعامل مع الأوروبيين بأسلوب فوقي محرج في أكثر الأحيان. وكانت نقطة الضعف في المواقف الأوروبية تتمثل في عدم قدرتها على مواجهة تلك الضغوط بصورة جماعية، وإنما حاولت كل دولة أن تسوّي أمورها مع إدارة ترامب عبر الصفقات الثنائية. هذا في حين أن ترامب كان من جهته ينتقد الاتحاد الأوروبي كتكل اقتصادي وسياسي بصورة مستمرة، بل شجع البريطانيين على الخروج من الاتحاد، وهذا ما حصل.
ومع مغادرة ترامب البيت الأبيض بعد انتهاء ولايته الأولى، ودخول جو بايدن إليه، حاول الأخير ترميم العلاقات الأمريكية الأوروبية التي كان ترامب قد ألحق بها ضرراً كبيراً لم يكن من السهل معالجته. وعادت الولايات المتحدة إلى المنظمات والمعاهدات الدولية التي كان ترامب قد أمر بالانسحاب منها. وأكد بايدن أهمية دعم الأنظمة الديمقراطية لتتمكن من معالجة جملة التحديات التي تواجهها. ولكن جهوده لم تسفر عن نتائج ملموسة ربما كانت ستساهم في جهود الحد من التأثيرات السلبية لاندفاعات ترامب الصاخبة على مختلف الجبهات.
ولكن المصيبة الكبرى حلّت على الأوروبيين مع عودة الأخير إلى البيت الأبيض ليمارس سياسة أساسها المصالح العارية لمجموعة من أصحاب المليارات المحيطين به والمستفيدين منه. واللافت أن ترامب قد تحرّر في فترة رئاسته الثانية من سائر الأعراف والقواعد الدبلوماسية، وحتى من المواثيق والقوانين الدولية. بل وصل به الأمر إلى التصريح العلني بأنه يلتزم فقط بما يمليه عليه ضميره أو تفكيره. أما تعامله مع رؤساء العالم وخاصة الأوروبيين منهم، ورؤساء دول أمريكا اللاتينية، فهو يعتبر استهتاراً غير مسبوق بقواعد الدبلوماسية الدولية. هذا في حين أن انسحابه من معظم، إن لم نقل كل المنظمات الأممية المعنية بمختلف القضايا التي تهم البشرية في مجالات الصحة والتعليم والبيئة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان وغيرها، يؤكد رغبة ترامب في التخلص من النظام العالمي الذي توصل إليه المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. أمّا البديل الذي يطرحه فهو ذاك الذي يحدد هو قواعد وشروط الانتساب إليه (مجلس السلام العالمي)، وسيفرض من دون شك طريقة عمله، ليمدحه لاحقاً ويصفه بأنه من أروع الإنجازات.
إن ما يتبلور في الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب الثانية هو أقرب إلى ما يمكن تسميته بالشعبوية المتوحشة التي تتخذ من سطوة القوة بكل أشكالها، (العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية…) وسيلة لفرض المواقف، وانتزاع المرغوب فيه، ومن دون اعطاء أي اعتبار للأعراف والمواثيق الدولية والالتزامات التي من المفروض أن تحترمها الولايات المتحدة في علاقاتها مع حليفاتها بصورة خاصة ومع الدول الأخرى على وجه العموم. وهذا ما ظهر جلياً في مقاربة ترامب لموضوع فنزويلا، وعملية خطف رئيسها أمام مرأى ومسمع العالم أجمع. وهذا ما تواجهه الدنمارك ودول الشمال والاتحاد الأوروبي ككل في جزيرة غرينلاند التي يريد ترامب الاستيلاء عليها وبأي ثمن، فهو يرى أن الجزيرة تمتلك موقعا استراتيجيا في المنطقة المحاذية للقطب الشمالي، وهي المنطقة الواعدة على صعيد احتوائها لمجموعة من المعادن النادرة، وتحكّمها في الوقت ذاته بطرق مائية جديدة في طور التشكّل بفعل ذوبان الجليد القطبي.
من جهة أخرى، يواجه الأوروبيون راهناً، وبقلق كبير توجه ترامب الواضح نحو التنصل من التزامات الولايات المتحدة تجاه الحلف الأطلسي، وهذا ما أفصحت عنه بوضوح استراتجية الأمن القومي الأمريكية التي تم الإعلان عنها في كانون الأول/ديمسبر 2025. الأمر الذي يضع الأوروبيين أمام خيارات وتحديات لا يُحسدون عليها، خاصة في أجواء استمرارية الحرب الروسية على أوكرانيا.
وأمام الضغط الاقتصادي الهائل المفروض على الأوروببين نتيجة التكاليف الباهظة للمساعدات العسكرية التي تُقدّم لأوكرانيا، والرسوم الجمركية المفروضة على السلع الأوروبية المصدرة إلى الولايات المتحدة، يتوجه هؤلاء نحو الخيارات البديلة الممكنة منها عقد الاتفاقيات التجارية مع التكتل الجمركي الأكبر لدول أمريكا اللاتينية «ميركوسور» الذي يضم كلاً من الأرجنتين، البرازيل، باراغواي، أوروغواي، فنزويلا. كما عقد الاتحاد الأوروبي الاتفاقيات التجارية مع الهند. وهناك دول أوروبية توجهت نحو الصين أيضاً، وكل ذلك يؤسس لشراكات وتحالفات جديدة على المستوى الدولي، قد تساهم في إعادة النظر في النظام العالمي الذي يترنّح حالياً تحت وطأة سياسات ترامب، ونزعاته وردود أفعاله المفاجئة التي باتت تقلق الأنظمة الديمقراطية المستقرة في أوروبا التي تواجه في داخلها تحديات تصاعد التيارات اليمينية القومية المتشددة، خاصة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا والمجر. وهي تيارات تشن الحملات العنيفة على سياسات الهجرة والمهاجرين، وتشجع الإسلاموفوبيا في المجتمعات الأوروبية، وهي تلتقي مع سياسات ترامب في هذا المجال وتوجهات مستشاره ستيفن ميلر، بل تستهلم منها الأفكار وتستقوي بها.
وفي هذه الأجواء الصاخبة على مستوى العلاقات الأمريكية الأوروبية، يلوّح ترامب بشن هجوم على إيران في سياق ممارسة الضغوط القصوى على النظام الإيراني، وإرغامه على الرضوخ للشروط الأمريكية الإسرائيلية الخاصة بملفات النووي والصواريخ الباليستية ودور إيران الإقليمي. ومن الملاحظ أن الدور الأوروبي في هذا الموضوع شبه غائب، أو مغيّب مما يوحي برغبة أمريكية لهندسة المنطقة وفق معادلات يحاول ترامب ومستشاروه فرضها على القوى المؤثرة في إقليمنا المضطرب أصلاً. لذلك تعيش كل دول المنطقة حالة ترقب وانتظار وتوجس لما هو قادم.
ويحاول الأوروبيون من ناحيتهم التكيف مع الوضع غير المريح بالنسبة إليهم، وذلك في انتظار مغادرة ترامب للبيت الأبيض. هذا رغم تخوفهم من استمرارية خط ترامب عبر نائبه جي دي فانس الذي يبدو انه في مقدوره هو الآخر أن يضمن تحالفاً انتخابياً بين قطاع كبير من صقور الجمهوريين، واللاهثين خلف المناصب، وأصحاب المليارات المستعدين للدفع مقابل التحصيل لاحقاً عبرالمشاريع الحكومية أو الصفقات التجارية التي سترسو عليهم.
وفي الداخل الأمريكي يستعد الديمقراطيون للانتخابات النصفية القادمة. وهي الانتخابات التي يعولون عليها لتحقيق اختراقات نوعية مؤثرة في مجلسي النواب والشيوخ، الأمر الذي إذا تم، سيحدّ من الصلاحيات شبه المطلقة التي يتمتع بها ترامب حالياً. وما يُستشف من استطلاعات الرأي هو أن شعبية ترامب في تراجع بفعل عدم ثقة غالبية الأمريكان بما يصرّح به وما يُقْدِم عليه من خطوات إشكالية تثير الكثير من التساؤلات. ويُشار في هذا السياق إلى أن الأرشيف الضخم الخاص بجيفري إبستين الذي قرر الكونغرس الإفراج عنه، ووجد الرئيس ترامب نفسه شبه مرغم للموافقة على رفع السرية عنه، يساهم هو الآخر من ناحيته في إضعاف شعبية ترامب، وذلك نتيجة العلاقة الوثيقة التي كانت تربطه بإبستين.
هل ستؤدي الانتخابات النصفية الأمريكية إلى فرملة قطار ترامب، وتخفّف من هواجس الضحايا المحتملين لهذا القطار السريع؟ أم أنها ستعطيه قوة إضافية تمكنه من التحرك في مختلف الاتجاهات من دون أي رقيب أو حسيب أو وازع؟
وما هو نصيب شعوب ودول منطقتنا في الحالتين؟
أسئلة لا يمكن تقديم إجابات مقنعة بشأنها حالياً، لأن كل ما يجري يخالف منطق التفكير المعهود. ولكن من المؤكد الذي لا شبهة حوله، هو أن سياسات ترامب، التي تفزع العالم كل يوم، تخدم في المقام الأول أقوياء السلطة والثروة؛ وتنذر الفقراء والضعفاء بالمزيد من الفقر والضعف.
*كاتب وأكاديمي سوري