هكذا تكلّم ترامب وراوغ

كان واضحاً لي، وأنا استمع لخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد انتهاء اجتماعه مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، بشأن الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب الإجرامية في غزة، أننا أمام دعوة مشبوهة لتجرّع أنواع عديدة من السمِّ بالعسل، دعوني أشير إلى بعض من تلك السموم:
أولاً ـ بشّر الرئيس دونالد ترامب الفلسطينيين بأن الكيان الصهيوني لن يحتل غزة ولن يضمَّها إليه. ولكن، وهنا مربط الفرس، ستشرف على إدارة أمور غزة سلطة «السلام» برئاسته، ومساعدة المجرم المخادع توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق، حسب اعترافه، بما فيها تسمية حكومة محلية تضم «فلسطينيين» و»خبراء». ولا يمكن، لمعرفتنا بالنظام الأمريكي وحليفته المطيعة إنكلترا، استبعاد أن يكون اختيار أعضاء الحكومة الفلسطينيين من جواسيس أو أتباع الكيان، والخبراء من المتعاطفين مع الكيان الصهيوني، أو حتى من الأمريكيين، أو الأوروبيين المفاخرين بصهيونيتهم. والأدهى من ذلك، عدم ذكر مدة بقاء سلطة «السلام» هذه. ولا استغرب أنها ستبقى تشرف على قطاع غزة طيلة الباقي من ولاية ترامب، ثم تسلّم إلى صديق أمريكي، أو إنكليزي آخر للكيان.
ثانياً ـ ويزداد الغموض وتكثر الأسئلة عندما نسمع الرئيس الأمريكي ترامب يتكلم عن الانسحاب «التدريجي» للجيش الصهيوني من غزة. عدم وجود تاريخ محدد لإتمام الانسحاب، سيفتح الباب لأن تكون سرعة الانسحاب قوة ابتزاز أمريكي ـ صهيوني في الموضوع الفلسطيني برمَّته. سيتباطأ الانسحاب إذا تصرَّف الفلسطينيون بأي شكل لا يرضي الأمريكيين أو الصهاينة، وسيكون سريعاً كلما نجح الفلسطينيون في أن يكونوا عبيداً مطيعين وشعباً بلا كرامة أو أحلام مستقبلية.

دون حياء، يعلن ترامب نهاية حركة أبطال غزة المقاومين، الذين لولا بطولاتهم وتضحياتهم، لما اضطرَّ ترامب ومعه المجرم نتنياهو للوقوف أمام العالم، ليقدّموا بعض التنازلات المرغمين على قبولها

ثالثاً ـ قالها بالفم المليان الرئيس الأمريكي: إن نتنياهو لن يقبل حالياً بقيام دولة فلسطينية، وأنا ترامب، أتعاطف معه. إذن، فثمن عدم احتلال غزة والوعد بعدم الترحيل القسري للغزاويين هو إهانة ودفن الحق والحلم الفلسطيني بأن يعيش الفلسطينيون، مثل غيرهم، في دولة وطنية مستقلة بكامل متطلباتها. عليهم أن يقبلوا بأن يظلوّا كلهم، مثل إخوتهم في قسم فلسطين المحتل منذ عام 1948، كمواطنين من الدرجة الثانية، أو حتى كضيوف مؤقّتين، حتى تنجح أمريكا وإسرائيل مستقبلاً في اقتطاع أرض من قطر عربي ما، لتكون وطناً بديلاً للفلسطينيين المطرودين من أرض «دولة إسرائيل الكبرى» اليهودية القوية المتمددّة المهيمنة.
رابعاً ـ هكذا، ومن دون ذرّة من حياء، أعلنها واضحة: نهاية حركة أبطال غزة المقاومين، الذين وقفوا كالجبال طيلة أكثر من سنتين يحاربون جبروت أمريكا وقدرات الإبادة الهولوكوستية الصهيونية، الذين لولا بطولاتهم وتضحياتهم، لما اضطرَّ ترامب ومعه المجرم نتنياهو للوقوف أمام العالم، ليقدّموا بعض التنازلات المرغمين على قبولها. ما كان يكفي الحقد الصهيوني ولا الجنون الأمريكي أن يلقي المقاومون السلاح للفئران الذين اختفوا في جحورهم، وينسحبوا. كان لا بدَّ من إذلالهم ثم موتهم، أي إخفائهم من الوجود. لكن ما لا يعرفه وأترابه وأمثاله، هو أن عبق البطولة وعظمة تضحياتها وسموّ شعاراتها لا ولن تموت.
هناك الكثير من السموم في العسل المزَّيف المخلوط، لكنها أتفه من أن يشار إليها.
كاتب بحريني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية