هجوم على نائم

قضايانا الثقافية لا تنتهي في مصر أو في أيْ مكان. إذا تركت نفسك لمواقع السوشيال ميديا ستجد غراما عند البعض «بالترند»، فيقولون كلاما الأفضل أن تتركه ولا تعلِّق عليه، فلا تكون أنت أيضا من ضحايا السقوط في الترند، مثل ما جرى أخيرا مع أحد الممثلين، الذي قال إن شكري سرحان لم يكن ممثلا ذا قيمة. استنفر الكلام أسرة شكري سرحان فردوا عليه، واستنفر عددا كبيرا من المعلقين فدافعوا عن شكري سرحان، وتطور الأمر إلى الحديث عن الممثل الذي قال ذلك، وكيف أنه غير موهوب ويعمل بالواسطة لأن أحد أقاربه، لا أذكر هل قيل إنه والده أم شخص آخر، هو الذي وضعه في التمثيل. أيْ نال الممثل شيئا من الأذى أيضا. لماذا لا أذكر اسم الممثل، ولا اسم من أشار إليه الآخرون من أقاربه الذي سانده في العمل؟ لأني أعرف أنه لا جدوى من هذه الترندات الاستهلاكية، فهي إحدى العلامات الكبيرة لعصر التفاهة الذي نعيشه.

على الناحية الأخرى، لديّ قناعة مشت معي في حياتي، هي أن لا أقلل من شأن كاتب أو فنان رحل عن الحياة، فلا أحد يشكل نهاية العالم. ولا أحد يغصبك على مشاهدة فيلم أو مسرحية لفنان راحل، أو لا يزال بيننا. يمكن أن تناقش أفكارا من الماضي عن المفكرين أو السياسيين، من أجل أفكار تراها أفضل، أما الأداء الفني لشخص ما فهذا أمر متروك لذائقة المشاهد، ولا يوجد مشاهد واحد. ما أكثر ما قلت إن الجمهور ليس حزمة واحدة، فهناك أنواع بين الجمهور ترتبط بأعمارها وذائقتها وثقافتها. لم أفكر أن أجعل الحديث عن هذا الترند موضوعي، لكنه قفز إليّ بداية المقال لسبب بسيط جدا مررت به، وهو أني قبل أن استيقظ في الصباح لأكتب المقال، مررت بلحظات مدهشة تمازجت فيها الكوابيس مع الأحلام، ورأيت نفسي أقول قم واكتب عن روايتك الجديدة. ليست التي ستنشر في معرض الكتاب الذي سيبدأ في الثالث والعشرين من هذا الشهر يناير/كانون الثاني عن دار المتوسط، والتي عنوانها «32 ديسمبر»، فما أكثر الاتصالات الصحافية من الشباب تسألني عنها، وردّي دائما أني لا أحب الحديث عن رواية قبل ظهورها، ومن ثم أعتذر. لكن الذي جاءني في الحلم يقول لي أكتب عن الرواية التي انتهيت منها مؤخرا، ولن تنشرها إلا بعد شهور من روايتك المقبلة، وبالذات عن عنوانها الذي تريد أن تكتبه. روايتك الرومانسية التي ستختلف كثيرا عما سبق، وتقول لأصحابك المقربين إن النقد الأدبي دائما يبتعد عن الروايات الرومانسية، ولقد ظلم كاتب مثل محمد عبدالحليم عبدالله قدم لنا فيها متعة ما زالت تمشي معك، منذ سن الشباب، ولا تنسى ليالي قراءتها، ولا مكانها في بيتكم في حي كرموز في الإسكندرية ذلك الوقت. كيف كانت رواية «شجرة اللبلاب» دافعا لك لمحاولة تعلم العزف بالناي، لكنك لم تكمل الطريق. ولإهمال الروايات الرومانسية تريد أن تضع لروايتك التي لم تُنشر بعد عنوان «رواية رومانسية يا أولاد..». وحيرتك في اختيار كلمة ليست بالقبح الذي يجعل الناشر يعتذر عنها. والأهم النداء الذي سمعته يقول لك، لقد طلبت من ابنك أن يطبع نسخة منها لتراجعها مكتوبة، أنت الذي صرت غير قادر على قراءة صفحات طويلة على الإنترنت، فقل له لا يرسلها مع البواب، فقد يطبعها ويبيعها إلى أحد الكتاب قبل نشرها، رغم أنك تعرف أن البواب لاعلاقة له بالثقافة ولن يفعل ذلك! لكن الكوابيس والأحلام استمرت فأنت ترى القبض على ندى مغيث المترجمة عن الأدب الصيني، بعد حوار عن زوجها فنان الكاريكاتير عمرو أشرف. صحيح تم الإفراج عنها لكن الذي أدار الحوار وهو الشاعر والقاص أحمد سراج، ناله ما تعودنا عليه من الحبس خمسة عشر يوما، رغم أن الحوار والأسئلة لم تكن بالبشاعة التي تستدعي ذلك. لم يقف الأمر عند هذا. تداخلت معه الرغبة أن تكتب عن تاريخ مصادرة الكتب والأفلام وكيف لا تغيب، فهناك الآن قنوات تلفزيونية خارجية متخصصة في عرض الأفلام الممنوعة، سواء على شاشة التلفزيون أو على قنوات اليوتيوب، أو غيرها مما تتسع له السوشيال ميديا. أكتب عن الخلط العجيب بين الفنان أو الفنانة وما يقوم به من دور في السينما، وكيف يعتبرونه هو صاحب الدور، ويحاكمونه على ما فعل وقال رغم، أن الذي فعل ذلك هو الشخصية التي يؤديها، ولو كانت مثلا فاجرة أو ملحدة ينتهي منها الفنان ويعود إلى حياته كل يوم من المسرح أو الاستوديو، يصلي ويصوم ويتحرك بشخصيته الحقيقية. ومهما قيل عن فنانين مثل أحمد زكي وكيف كانت الشخصية تتلبسه لوقت طويل في حياته، فلم نسمع أنه قام بالأذى لشخص ما في الحياة، كما فعلت شخصيته في الفيلم. الأحلام والكوابيس لم تنته خلال اللحظات العجيبة، فتزاحمت غرف المحبوسين لأسباب تبدو سياسية وهي ليست كذلك، بأحبائهم ونسائهم وأطفالهم، ما أربك إدارات السجون، وفتحوا أبواب العنابر ليطلقوا سراح الجميع، لأنهم لا يقتنعون أن ما يرونه أحلاما أو كوابيس، بل هو حقيقي ولا قدرة لهم على تحمل ضجته ولا إيقافه. لحظات طالت وأنت تعرف أنها قصيرة، من الأحلام والكوابيس المتمازجة تحتاج إلى عشرات الصفحات. من سيقرأها لن يصدق أن الأحلام تختصر الأزمنة والأمكنة، فيمكن في حلم أن ترى هوميروس أمامك، كما ترى شاعرا أحببته ثم افتقدته. ويمكن في كابوس أن ترى هتلر ينظر إليك ويضحك ساخرا، ويقول لك هل تصدق أيها السكندري المجنون، أننا انسحبنا من العلمين في الحرب العالمية الثانية لتكتب عن ذلك رواية لك. لقد غزوناكم ودخلنا مدينتكم وعلقناكم على المشانق وحرقنا كتبكم، لكنك لا تريد أن تعترف. لن أمشي مع هذه الأحلام والكوابيس أكثر من ذلك، لكن من المهم أن أعترف بأن ما كتبته هو قليل منها، والبقية نسيتها كالعادة مع أي حلم، رغم أني استيقظت متحفزا لأكتبها. كانت تجربتي القديمة مع الأحلام أن اتأخر في كتابتها فاكتشفت أني أنساها، فقررت أن أكتبها فور رؤيتها حتى لو في منتصف الليل، لكني هذه المرة لم أر حلما أو كابوسا واحدا، بل الكثير منها تزاحم أمامي، فاستيقظت لأكتبها بسرعة لكنها طبعا خذلتني وتم نسيان أكثرها. كيف تمسك بزحام الأوهام! عليك أن تحمد الله رغم ذلك، فما زلت قادرا علي الأحلام، وتداهمك الكوابيس التي يمكن أن تكون رافدا لعمل لك مقبل، وكأنها تتنبأ لك بأيام تعيشها مقبلة رغم الآلام الجسدية.
حاول أن تنتهي من الكتابة وتتفرغ لقراءة الكتاب الجديد للإعلامي والمفكر حسين عبد الغني، الذي عنوانه «طوفان الأقصى.. من غيَّر قواعد اللعبة؟»، أدهشك أنك منذ بدأت في صفحاته الأولى أدركت كم كان المؤلف مدركا ومتنبئا بنهاية الحرب بين إسرائيل وغزة، وضرورة الوصول إلى اتفاق، وانتصار حماس وشعب غزة، رغم أن الكتاب صدر قبل أيام من اتفاق وقف إطلاق النار. وأرسل رسالة إلى وطنك وحكامه قائلا لهم إن دوركم في هذا الاتفاق لا يمكن إغفاله، لكن ما تفعلونه من اعتقال للكتاب والمثقفين يجعل الناس تنسى، فلماذا لا تدركون ذلك. أين هي الدول التي اعتقلت كتابها. أين نازية هتلر وفاشية موسيليني، وأين الواقعية الاشتراكيه شعار الدولة السوفييتية، وأين جوزيف مكارثي والأمثلة كثيرة. إن رواية واحدة مما كتب عن هذه الفترات عاشت ولا تزال تعيش، وتتحول إلى أفلام في كل اللغات والبلاد، واضرب لهم مثلا بما هو غائب عن الكثيرين مثل رواية «الكونت دي مونت كريستو»، التي كتبها الكسندر دوما، وابتعد عن عشرات الأمثلة من الدولة التي حكمتها الشمولية في العصر الحديث. كم فيلما تم إنتاجه عن الرواية فما بالك بالعشرات غيرها.

كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية