«سيلما» فيلم يرصد ازدهار الصالات في طرابلس وحال ناسها الاجتماعي والثقافي والسياسي
بيروت ـ «القدس العربي»: في زمن الصورة المتحرّكة والسريعة اختار المخرج هادي زكاك لفيلمه الوثائقي الجديد «سيلما» الصورة الفوتوغرافية. رفد تلك الصور بالأصوات الخارجية، ليس فقط لعدد من الشهود على زمن خصب من تاريخ مدينة طرابلس، بل أن الصورة الجامدة كادت تنطق.
هادي زكاك الذي أصدر كتاباً توثيقياً عن صالات السينما في طرابلس بعنوان «العرض الأخير»، أنجز الوثائقي «سيلما» ليُكمل المهمة وبالوسيلة الأكثر شعبية وهي السينما. فيلم لساعة ونصف توالت خلاله اكتشافات صالات السينما المُقفلة على بقايا الرواد، وما أضيف إليها من مستجدات الزمن من عنكبوت وحشرات وقوارض ورطوبة وغيرها.
اختار هادي زكاك شهوداً على مرحلة ماضية كان لشهاداتهم أن تطلع المتلقين لهذا الفيلم على طرابلس المدينة المستنيرة. المدينة الناشطة اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، والمؤثرة بمواقفها. وهكذا اتّسم الفيلم ببعده الفني التأريخي والتوثيقي، وبكونه دراسة اجتماعية وثقافية كما سبق الذكر.
وضوح ميز الشهود في وصفهم للمراحل التي مرّت بها طرابلس منذ منتصف القرن العشرين، وصولاً حضور الجيش السوري في حياة المدينة، ومن ثمّ التشدد الديني. وكانت لهؤلاء الشهود جرأة محسوبة في وصف بعضهم لصالات تخصصت بعروض البورنو، وتناولهم لانفعالات روّادها. صالات روادها ليسوا فقط من طبقة الفقراء والمحرومين جنسياً، بل معهم سياسيون معروفون، كانت سيارتهم المركونة في الخارج تُعرّف بهم.
قال الوثائقي «سيلما» الكثير عن انفتاح طرابلس على الطقس السينمائي الجميل عبر عشرات دور السينما الواسعة والعصرية في حينها. وباتت أيام الجمعة والأحد والأعياد تشبه التظاهرة في باحات الصالات، باتت مكاناً للقاء العائلات وهم بأبهى حللهم، ومع ذلك حصل سؤال هادي زكاك «كنتوا تعزمو بنت ع السينما؟» رداً: «ما في منّا هاي».
طرابلس كانت رحيمة مع ناسها، ووزعت صالاتها في كافة الأحياء. الفقراء ومن بينهم الفنان الكبير فايق حميصي صرّح بدخوله السينما مقابل «بيضة، أو رغيف خبز، أو حبتين من الفلافل»، وباعتقاده أن بطل الفيلم سيأكلها.
عالم الفن السابع السحري «سيلما» اُبطل مفعوله في طرابلس، هي خسارة للفكر والوعي والخيال. صارت سينما لفظاً وغاب فعل الـ«سيلما» الذي كان.
مع هادي زكاك هذا الحوار:
○ بعد توثيق السينما في طرابلس في كتاب «العرض الأخير» كانت ولادة الفيلم الوثائقي «سيلما». هل الولادة الطبيعية؟
• بدأ المشروع كبحث أنجزته مع الصحافية ناتالي روزا بوخر، وإيفلين حليس وماغالي عون ومن ثمّ تطوّر إلى كتاب. تدريجياً خالجتني مشاعر بأن يصبح مشروعاً مزدوجاً أي كتاباً وفيلماً. استغرق البحث وقتاً طويلاً، ولم يكن متيسراً أن يُصبح فيلماً رغم سيل المعلومات. بحثت عن وسائل مختلفة لمقاربة الموضوع سينمائياً. وهكذا سارا توازياً، رغم ثقل المهمة. ضرورات العمل حتمت تفريغ المادة لإنجاز الكتاب أولاً، ومن ثم رصد صداه، ومعرفة كيفية مقاربة الفيلم.
○ من يطالع كتاب «العرض الأخير» ويشاهد فيلم «سيلما» تحاصره مشاعر أنها مدينتك وفيها نشأت علاقتك بالسينما؟
• بل ولدت ونشأت في بيروت، ولست على معرفة بمدينة طرابلس، لهذا كنت أمام تحدي اكتشاف المدينة بتاريخها وناسها، لأتمكن من الربط بين تاريخ صالات السينما، والتاريخ الأشمل. دخلت الجامعة مع انتهاء الحرب الأهلية، والخطوة العملية الأولى التي أسرعت إليها هي تصوير دور السينما في وسط بيروت. فمشروع إعادة الإعمار كان سريعاً لدرجة فاقت التوقعات، فمحا الصالات التي كانت بحدود الـ17، بقي منها ثلاث ولم تخصص للعروض. بزيارتي لطرابلس بعد مقال ناتالي روزا بوخر وبمساعدتها شعرت بأن الصالات التي افتقدتها في بيروت وجدتها في طرابلس، وبالأسماء نفسها في الغالب. فأستعدت بيروت في طرابلس. إذاً ليس لي صلة عائلية بطرابلس، بل بت اُصنّف منها.
○ لمست في الفيلم وكأن صلة معرفة قديمة تجمعك بمن حاورتهم واللغة التي استخدمتها أظهرت الأمكنة «معربشة» بداخلك كما حال العنكبوت في الصالات؟
• أنظر إلى استنتاجك بإيجابية جميلة. إنه عنصر الوقت وهو الرأسمال الأساسي في السينما الوثائقية. إنه الوقت الذي نمضيه مع الناس والمكان لبناء علاقة إنسانية حقيقية، وبالتدريج يبوح هؤلاء الناس بما هو خاص. وحقيقة مشاعري تقول أني بنيت علاقة إنسانية مع الناس ومع المدينة.
○ كم بلغ عدد الذين سمعنا شهاداتهم في الفيلم؟
• عملياً كانت حوارات مع كثيرين لم تظهر أصواتهم في الوثائقي. اخترت المتميزين بقدرات حكواتية. دور الشخصية الجمع بين المعلومة والحكاية والذاكرة الشفهية والشخصية، لهذا جمع الفيلم بين 39 شخصياً، وصوتي أصبح الـ40.
○ فتحت أبواب صالات تغلغل فيها الزمن. فهل باحت تلك الأمكنة بأسرارها؟
• طبعاً. بعض الأمكنة كانت مخيفة نظراً لإقفالها منذ زمن بعيد. صالات شغلها العنكبوت، وسرحت فيها الجرذان، والقطط الميتة والرطوبة غير المحتملة، إلى روائح المجارير في بعضها. شعرت وكأني في زمن أركيولوجي. توقف الزمن لدى اقفال تلك الصالات على ما تبقى من نفايات المشاهدين من عبوات بيرة وقشور. نعم كانت قفزة في الزمن لاكتشاف أسراره. أماكن شاهدة على القرن العشرين في حال انتظار، والمدينة بدورها ما تزال بالانتظار.
○ وهل خشيت من اختفاء تلك الصالات؟
• بالفعل. وهذا ما بدأ تدريجياً، خلال إنجازي لعملي. أشعر بأني وصلت متأخراً بعض الشيء. أفترض وجود امكانات أكبر لو باشرت المشروع قبل عشر سنوات، فآثار الصالات يضمحلّ بالتدريج.
○ لفتتني نصوصك على الشاشة كمثل «أبحث عن شاشة تُدخلني في الحداثة.. فيما أشعر أني خارج الزمن»؟
• نصوص استقيتها من مشاعري خلال دخولي إلى تلك الصالات المهجورة. كنت أشعر وكأني دخلت القرن العشرين خاصة عندما وصلت السينما بكل حداثتها إلى الجمهور، وبما تمثّله من انفتاح على العالم أجمع، انفتاح على كافة الجنسيات والثقافات، وعندما كنت أغادر المدينة أشعرها وكأنها مكان محليّ جداً، مقفل على ناسه، عاجز على الانفتاح، وهكذا كنت حيال انفصام بين مساحتين.
○ «سيلما» سيرة ثقافية واجتماعية لواقع طرابلس قبل أن توصد أبواب الصالات. كأستاذ وباحث ماذا قالت لك اكتشافاتك عن حال مُدننا الساحلية؟
• وجدت طرابلس مكاناً نموذجياً معبراً عن كثير من مدن الساحل العربية كما في سوريا. كان لي بحث في حال السينما في الأردن، ووجدته مطابقاً لحال مدن الساحل. يأتي الاستثناء من مصر وتونس. بحثت في صالات وسط البلد القديمة في مصر، ووجدتها قُسّمت لصالات صغيرة. والحال في أفريقيا مشابه من تحول إلى الصالات الصغيرة، والأمر ينسحب على كل العالم.
○ أين توقفت شخصياً في روايات من اخترتهم للشهادة وحديثهم عن العسر واليسر لدى رواد السينما والفرق بين طرابلس والمينا؟
• وهذا ما كان مهماً بالنسبة لي. منذ سنوات طويلة والحاضر يصدمنا، فسيطرت علينا نغمة التغنّي بالماضي الجميل، بتنا نشعر حيال الزمن الجميل الذي يُحكى عنه بمقابل ما نعيشه، وكأن لعنة سقطت علينا وبتنا في الجحيم. لم يحتج الأمر للكثير من البحث للتأكد من حقيقة واقع المجتمع في ذاك الزمن. زمن كما سواه تخللته الكثير من الصعوبات الاقتصادية. طرابلس كمدينة كانت وما تزال تُصنّف ذاتها محرومة مقارنة ببيروت، وكأنّ العاصمة سرقت منها النجومية. وجدت مقالات صحافية لطرابلسيين يسألون إن كانت طرابلس جارية. إلى ذلك ثمة تفاوت اقتصادي بين أحياء المدينة، من وسطها إلى أحيائها الداخلية، وصولاً إلى المينا وباب التبّانة، جميعها كانت في تدهور تدريجي رغم ما سمّي بمرحلة الزمن الجميل. المهم أنّ السينما تتميز بجمعها لكافة الطبقات، أنما ليس لكافة الطبقات قدرة ارتياد السينما ذاتها، أو الجلوس في مقاعد متجاورة، أو حضور العرض الأول.
○ وهل فقدت طرابلس حياتها الاجتماعية بعد إقفال صالات السينما؟
• وكانت السينما بحد ذاتها رمزاً لهذا التحوّل. نلحظ وكأن الحي الذي كان يحيط بصالات السينما قد تغير، سواء في ساحة التل أو في البوليفار. كافة مناطق المدينة تراجعت منها باب التبانة التي كانت تُعرف بباب الذهب، تحوّلت إلى فقر كبير. وحدثت حركة تبديل في أماكن السكن مترافقة مع تراجع اقتصادي. وجدت صالات السينما وكأنها باتت وحيدة حيث هي، ولم يعد لديها جمهور، وفقدت الصالات في الأحياء الشعبية قدرة مواصلة العمل نظراً لانتشار وسائل جديدة وسهلة لمشاهدة السينما.
○ ما الذي فاجأك وأنت تجمع أطراف الوثائقي؟
• لفتنتي تصريحات من التقيتهم حول الجنس، قد يكون السبب أننا نعرف طرابلس مدينة محافظة. المفاجئ تمثّل بتنامي عروض أفلام البورنو من «قطشة» داخل الفيلم، إلى عرض كامل. ولفتني موضوع التحرّش، حيث باتت السينما مكاناً خطراً، وليس جميلاً في الذاكرة، وهذا ما يؤدي إلى دراسة تحليلية عن الكبت الجنسي العام، ليس في طرابلس بل في معظم المدن والمناطق. والسؤال عن قدرة السينما باللعب على هذه الناحية. وتوقفت كباحث في السينما عند الغنى السياسي لطرابلس وفي مختلف المراحل، إلى أن باتت ساحة النور تحمل عنوان «قلعة المسلمين تُرحب بكم»، وكأن المدينة إسلامية بامتياز. وبالبحث في تاريخ المدينة نلمس مدى اتساع دور اليسار في طرابلس. مدينة تميزت بتعددية سياسية من أحزاب يمينية وقومية وشيوعية إلى حركة التوحيد. إنها مدينة جامعة عابرة للطوائف. والعنصر الأهم الذي توقفت عنده أن طرابلس شكّلت عملياً عاصمة لكل الشمال، من اهدن وزغرتا والكورة، وعكار. طرابلس تحمل ذاكرة محيطها بأجمعه، إنها ذاكرة جامعة.
○ الوعي السياسي تداخل مع الوعي الثقافي والحاجة للمعرفة. عشّاق السينما كانوا مؤثرين ومنعوا فيلماً أمريكياً عن حرب فيتنام؟
• صحيح كانت المدينة تغلي بالوعي فيما يخص المنطقة العربية وغيرها. وإن اردنا تأريخاً للحرب الأهلية، يمكن القول أنها بدأت من طرابلس سنة 1969 مع الحركات الاعتراضية التي بدأت تظهر أكثر وأكثر.
○ وماذا عن حرية المرأة في الذهاب إلى السينما. سمعت من خلال المقابلات أن السيدات كنّ يقصدنها بمفردهن مرتديات أجمل ملابسهنّ؟
• اتسع حضور المرأة في صالات السينما بدءاً من الخمسينيات. ولا شك بدور لعبته الأفلام المصرية التي كان جمهورها من الوسط المحافظ. روّاد تلك الأفلام كنّ من النساء، يلحظن علاقات الحب التي كانت لبطلات تلك الأفلام. هنا باتت العلاقة مباشرة، فتلك البطلات يحكين لغتنا، ويعشن هذا النوع من الحرية التي تتيح لهنّ الحب. من المؤكد أن ارتياد السينما للنساء كان ضمن مجموعات، ولم تكن دعوة شاب لفتاة لمرافقته إلى السينما أمراً متاحاً، مع العلم أن أواخر الستينيات سجلت خروقات للنظم والأعراف.
○ من آرائك على الشاشة «تنطفئ الأنوار وأنا أنتظر العرض المؤجل على ركام طفولتي ومراهقتي». لماذا كل هذا الأسى؟
• ولدت سنة 1974، وأحمل بداخلي عبء النمو السريع بفعل الحرب كما الجيل الذي انتمي إليه. تجارب كثيرة من لعب وحب ومراهقة بترتها الحرب من طفولتي ومراهقتي، ووجدت نفسي مباشرة في الجامعة.
○ في أية شاشة تجد نفسك اليوم؟
• إنها السينما التي تتيح لي مبادلتها الكلام. أرغب بمواصلة تقديم أفلام تعكس صورتي على الشاشة الكبيرة. كنت في مشاهد على الشاشة، وهي المرة الأولى، ظهرت في صالة سينما، وشاهدت نفسي حاملاً الكاميرا قبل أن تظهر الجملة موضوع سؤالك السابق. إنها رغبتي بأن أعكس ما بداخلي على الشاشة، وما هو مشترك مع آخرين، كما ذاكرة الناس وعلاقتهم بالسينما.