هآرتس: “قوة زائدة وخطاب سياسي مهين”.. هكذا برزت إسرائيل تهديداً إقليمياً لدول الشرق الأوسط

حجم الخط
0

أعربت المؤسسة الأمنية عن قلقها من أن الإنجازات الحربية والردع الذي حققه الجيش الإسرائيلي بتكلفة باهظة من قبل القيادة السياسية، لا سيما الوزراء الكبار، تتم ترجمتها في ظل الصراعات السياسية الجارية في إسرائيل، إلى خطاب تفاخر وازدراء يصل إلى درجة إهانة دول المنطقة. وقد حذرت المؤسسة الأمنية القيادة السياسية من أن التحول من حالة الردع الإقليمي إلى حالة الإهانة الإقليمية يدفع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول التي وقعت على اتفاقات إبراهيم أو التي تجري محادثات للانضمام إليها، إلى فقدان الثقة والخوف من طموحات إسرائيل الإقليمية. وحسب المؤسسة الأمنية، تقيم هذه الدول تحالفات مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وفيما بينها لمنع إسرائيل من مراكمة نفوذ غير منضبط في المنطقة، وخلق أدوات ضغط قد تؤثر سلباً على أمن إسرائيل واقتصادها.

وقال مصدر أمني رفيع لـ “هآرتس”: “دول كثيرة في الشرق الأوسط تعتقد أن إسرائيل أصبحت أقوى أثناء الحرب بما يفوق حجمها الحقيقي في المنطقة”. إن القدرة التي أظهرها الجيش و”الشاباك” والموساد أثناء الحرب أعادت بدرجة كبيرة قوة الردع أمام جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة، وجعلتها تقدر قوتها العسكرية. ولكن الخطابات المتفاخرة والتصريحات غير المسؤولة من قبل النخبة السياسية، تحول الردع إلى إهانة. ففي الشرق الأوسط، يتم النظر إلى أي شخص يراكم الكثير من السلطة ويتفاخر بها على الفور بأنه عامل يضعضع الاستقرار ويجب الاستعداد له.

انتقاد المؤسسة الأمنية هذا ليس نظرياً فحسب، بل يستند إلى عدة تصريحات علنية لكبار الوزراء. من بين ذلك تصريحات نتنياهو بأن إسرائيل قد غيرت وجه الشرق الأوسط، وتهديده باستئناف القتال في كل القطاعات، وسعي وزير المالية سموتريتش إلى فرض حقائق على الأرض تؤدي إلى ضم الضفة الغربية، خلافاً لموقف أمريكا. فضلاً عن تصريحه بأنه “إذا عرضت علينا السعودية التطبيع مقابل الدولة الفلسطينية، فسنقول لكم أيها الأصدقاء: لا، شكراً. استمروا في ركوب الجمال في صحراء السعودية”، والحملة التي أطلقها أعضاء في مكتب رئيس الحكومة، التي هدفت إلى الإضرار بمكانة مصر الإقليمية واتفاق السلام، بزعم أن المصريين كانوا يحشدون القوات استعداداً للمواجهة مع إسرائيل، وأنهم سمحوا بالتهريب في الأنفاق عن طريق محور فيلادلفيا حتى أثناء الحرب – الأمر الذي كرره مسؤولون كبار في الحكومة، وتبين بعد ذلك بأنه افتراء، ومحاولة اغتيال قادة حماس الكبار في قطر أثناء المفاوضات حول صفقة الرهائن، وهو الحدث الذي جعل دول الشرق الأوسط تعرف، وفقاً للمؤسسة الأمنية، يصعب الوثوق بالحكومة الإسرائيلية الحالية.

وقال مصدر أمني إن “هذه التصريحات لا تبقى حبيسة الخطاب الداخلي في إسرائيل، بل تترجم فوراً إلى لغة الشرق الأوسط، ما يثير قلقاً كبيراً في المنطقة كلها”.

المسؤولون أنفسهم يقولون بأن معظم الدول عززت تحالفها مع إسرائيل ضد إيران أثناء الحرب. فقد كان الخوف من امتلاك إيران للسلاح النووي كابوساً مشتركاً بين كثير من دول الشرق الأوسط، التي شارك بعضها في الحرب بين إسرائيل وإيران، سواء في مجال المخابرات أو الدفاع الجوي أو تقديم الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية والغربية التي عملت على اعتراض الصواريخ الإيرانية.

لكن الآن، بعد أن أضعفت إسرائيل محور إيران بشكل ملحوظ، يزداد قلق دول الخليج إزاء ثقة إسرائيل المفرطة بنفسها، التي تتحول بالنسبة لهم من عامل استقرار إلى عامل يقوض الاستقرار الأمني في المنطقة. مصدر أمني رفيع ومطلع قال: “ثمة توجه واضح بين الشخصيات السياسية وكبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية أيضاً، الذين يعتقدون أن القوة العسكرية تحقق إنجازات أكبر من التحركات السياسية. بالنسبة لدول الخليج، هذه رسالة تقول بأن إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة حتى في ساحات الشراكة مثلما حدث في قطر. وقادة كثيرون منهم يتساءلون إذا كانت إسرائيل، بعد إيران، ستكون هي العامل الذي سيحاول التأثير على ما يحدث في دولهم، وإذا كان متوقعاً أنها ستعتبرهم تهديداً في الغد وتشن الهجوم عليهم. هذا مصدر قلق حقيقي في المنطقة”. 

في نقاشات أمنية مغلقة، تُنقل رسالة إلى المستوى السياسي تفيد بأن تصور دول الخليج بأن إسرائيل بدأت تنظر إلى نجاحها العسكرية بأنه “توجيه سياسي” سيؤدي إلى تآكل الثقة الإقليمية وإضعاف التعاون الإقليمي. وحسب الرسالة نفسها، ستعقد دول الخليج تحالفات جديدة، لا سيما مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ما سيؤدي إلى إضعاف موقف إسرائيل في المنطقة.

لقد ازدادت المخاوف في ظل المحادثات الاستراتيجية التي تجري بين الولايات المتحدة والسعودية، والاتفاقات الأمنية والاقتصادية الضخمة التي وقع عليها ترامب مع قطر والإمارات ودول أخرى. وقال مسؤول رفيع سابق: “هذه الدول لا تكتفي بتعزيز نفوذها وقوتها من خلال الاتفاقات مع ترامب، بل تستثمر أموالاً طائلة في الطب في العالم الغربي والأكاديميا والإعلام، وتستحوذ على شركات عملاقة وبنية تحتية حيوية، ما يخلق تبعية كبيرة لها من قبل تلك الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، في أي لحظة معطاة. لدى إسرائيل الآن فرصة للتأثير على مسار المنطقة، وأن تكون عاملاً حاسماً في مستقبلها والتأثير على الاتفاقات التي توقع في هذه الأيام، لكننا لسنا هناك”.

موقف المؤسسة الأمنية كما عرضته النقاشات الأمنية، أن الاستمرار في خلق خطاب يصور إسرائيل بأنها تفضل الحلول العسكرية أحادية البعد على العمليات السياسية والمدنية والاقتصادية، هو موقف خاطئ. وحسب المؤسسة الأمنية، فإن استمرار سياسة التفاخر وإهانة دول المنطقة قد يؤدي إلى تآكل اتفاقات السلام والإضرار بالتطبيع الذي رسخته اتفاقات إبراهيم، وضياع فرص التعاون مع دول أخرى، لا سيما السعودية، لاتخاذ خطوات تعزز أمن إسرائيل على المستوى الاستراتيجي.

 ينيف كوفوفيتش

 هآرتس 9/2/2026

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية