لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده ستيفن إرلانغر، قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب لجأ مرة أخرى للدبلوماسية مع إيران، ولكن الطريق أمامه ضيق.
وأشار إلى أن طهران ماهرة في إطالة وتيرة المفاوضات بشأن برنامجها النووي وتعول على رغبة الرئيس الأمريكي في حرب سريعة لا حرب إقليمية طويلة.
ومع حشد ما أسماه الرئيس ترامب “الأسطول الرائع” قريبا من سواحلها، لجأت إيران مجددا إلى استراتيجية مألوفة: تأجيل ملف برنامجها النووي الشائك وإطالة أجل المفاوضات.
وبالنظر إلى الخلافات الجوهرية بين الجانبين والحشد السريع للقوات الأمريكية في المنطقة، وقلق إسرائيل إزاء الصواريخ الباليستية الإيرانية، قد يكون الطريق أقصر مما تعتقد طهران. فقد كانت المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران حول البرنامج النووي الإيراني، التي جرت يوم الجمعة في عمان، ناجحة، بمعنى أنها لم تنته لا بالخلافات الحادة ولا بالضربات الجوية. ومن المتوقع استئناف المحادثات قريبا حول ما وصفه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بـ”إطار” للمحادثات المستقبلية. وقال لوسائل الإعلام الإيرانية: “كانت بداية جيدة، اتفقنا على مواصلة المحادثات، لكننا سنتشاور في العواصم حول كيفية الاستمرار وإذا استمر هذا التوجه، فسنتوصل إلى إطار متين للمحادثات المستقبلية في الجلسات القادمة”.
وكرر عراقجي يوم السبت في منشور على تطبيق تيلغرام، موقف إيران الذي أصر فيه على حقها في تخصيب اليورانيوم، وأن الصواريخ الباليستية غير قابلة للتفاوض. ورغم عدم وجود محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فقد أشار المنشور إلى وجود “فرصة لمصافحة الوفد الأمريكي”، مضيفا أن تصريحاته جاءت في مقابلة مع قناة الجزيرة.
من جانبه، قال ترامب للصحافيين يوم الجمعة بأن المحادثات بدأت بداية موفقة، وأنه ليس متعجلا لإبرام اتفاق. وأضاف أن على إيران الموافقة على عدم امتلاك أسلحة نووية.
إلا أن تصريحات الرئيس أثارت ارتباكا، فقد سبق لإيران أن صرحت بأنها لن تصنع قنبلة نووية، وهو تأكيد ترفضه الحكومات الغربية. كما أكد مفاوضو ترامب أنفسهم أن الشرط الأمريكي النهائي هو موافقة إيران على عدم تخصيب اليورانيوم نهائيا.
وتتمثل المطالب الأمريكية، بصيغتها الأصلية، في أن تسلم إيران جميع مخزونها من اليورانيوم المخصب، ولا سيما ما يقارب 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء قريبة من درجة تخصيب القنابل، وهو ما يكفي لصنع 10 قنابل، والحد من مدى صواريخها الباليستية بحيث لا تصل إلى إسرائيل، وإنهاء دعمها للميليشيات الوكيلة لها في المنطقة، مثل حماس وحزب الله والحوثيين.
وتشعر إسرائيل نفسها بالقلق إزاء سرعة إيران في إصلاح منشآت إنتاج الصواريخ الباليستية، والتي ستكون هدفا مبكرا في أي حرب.
ويعلق إرلانغر أن ترامب، الذي كان يفضّل في الماضي العمل العسكري السريع والمحدود، يميل الآن على ما يبدو إلى اتفاق يمكن أن يقدمه كانتصار دونما التورط في حرب إقليمية طويلة من النوع الذي تهدد به إيران في حال تعرضها للهجوم. فمثل هذه الحرب قد تتسبب في مقتل مئات الأمريكيين وتلحق ضررا بالغا بإسرائيل وتعطل أسواق الطاقة العالمية، ومن المرجح أن تؤجج حركته “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، التي لطالما انتقدت بشدة الحروب الأمريكية الطويلة في الشرق الأوسط وأفغانستان.
ويعترف إرلانغر بمهارات عراقجي الموهوب بالتفاوض، مما أحبط أجيالا من الغربيين. وحتى الآن، في أضعف حالاتها، بعد حرب حزيران/ يونيو مع إسرائيل والولايات المتحدة وقمع الاحتجاجات الشعبية الهائلة، لا تزال إيران تتمتع بمزايا. فالنظام، الذي يشعر بهذا التهديد، أقل ميلا لكبح جماح هجماته المضادة، وهذا أحد الأسباب التي تدفع حلفاء أمريكا كالسعودية ومصر وعُمان، لدعم حل دبلوماسي.
وقالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس: “الأمر المثير للاهتمام حقا هو إصرار إيران على إطار تفاوضي وكأن شيئا لم يتغير، وكأن الاحتجاجات وتهديدات ترامب الداخلية غير موجودة. فشروط التفاوض هي نفسها التي كانت عليها في خريف العام الماضي وقبل حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/ يونيو”.
وتساءلت وكيل: “هل لدى ترامب الصبر الكافي للتوصل إلى اتفاق تفاوضي؟”. وأكدت أن طهران تختبر ذلك بوضوح. وكما هو الحال في فنزويلا، يهدف الحشد العسكري قرب إيران إلى زيادة الضغط عليها لتقديم تنازلات، لكن القوات الأمريكية تحتاج أيضا إلى مزيد من الوقت للاستعداد لمواجهة حرب إقليمية محتملة. وهو ما يمنح وقتا للمفاوضات، لكن مدتها غير واضحة.
ويقول محللون إن تصريحات ترامب الأولية الداعمة للإيرانيين الذين احتجوا على النظام وسقط منهم الآلاف قد عرّضت مصداقيته للخطر، مما يزيد من احتمالية العمل العسكري بشكل ملحوظ.
إلا أن هناك شكوكا بشأن جدوى التدخل العسكري، فحتى لو تمكن الأمريكيون من القضاء على الجمهورية الإسلامية وقتل المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، والعديد من كبار قادة الحرس الثوري الإسلامي، فإن فرص ظهور حكومة ديمقراطية ضئيلة. ويرى المحللون أن ما سيظهر على الأرجح هي حكومة عسكرية متشددة تحت الراية الإسلامية، قد تتجه نحو امتلاك سلاح نووي باعتباره أفضل رادع ضد أي هجمات مستقبلية.
ورغم الاحتجاجات الحاشدة، أظهر رد فعل النظام العنيف والدموي عدم وجود انقسامات ظاهرة داخله. ويقول تريتا بارسي، الباحث في الشؤون الإيرانية بمعهد كوينسي للسياسة المسؤولة في واشنطن: “هناك اعتقاد راسخ لدى الجانب الإيراني بأن ترامب يبالغ في تقدير ضعف إيران”.
ويضيف بارسي: “إذا ما أُريد للدبلوماسية أن تؤتي ثمارها، يعتقد هؤلاء الإيرانيون أن حربا قصيرة وحاسمة قد تكون ضرورية لتصحيح تصور ترامب وإجباره على تبني مطالب أكثر واقعية”. حتى لو تكبدت إيران خسائر فادحة في مثل هذه الحرب، فإن الأمريكيين والإسرائيليين سيتكبدون خسائر مماثلة، و”ترامب أقل تسامحا مع الخسائر أو الحرب المطولة”، على حد قوله.
وأضاف بارسي أن خط ترامب الأساسي، والذي قد يظل هو الخط الحقيقي: وهو وقف تخصيب اليورانيوم، وفرض قيود على الصواريخ الباليستية، وعدم دعم الوكلاء “يعد بمثابة استسلام كامل، حتى وإن لم تهزم إيران عسكريا”. ويتفق المحللون على أن هذه المطالب ستؤدي، عاجلا أم آجلا، إلى انهيار المفاوضات.
لكن التوصل إلى اتفاق سريع بشأن تخصيب اليورانيوم وحده، يمثل معضلة سياسية لترامب، نظرا لرفضه الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 والذي وصفه بأنه “أسوأ اتفاق في التاريخ”. في هذه المفاوضات، ترفض إيران وقف التخصيب تماما، لكنها تبدي استعدادا، بحسب التقارير، لتقييد تخصيبها النووي بنسبة 3%، وهي نسبة أقل بكثير من نسبة 60% التي كانت تقوم بها منذ انسحاب ترامب من الاتفاقية النووية في عام 2018، والتي تقارب نسبة اليورانيوم المستخدم في الأسلحة.
وقد حدد ذلك الاتفاق تخصيب إيران إلى نسبة 3.67%، لذا فإن العودة إلى ترتيب مماثل لاتفاق 2015 لن يكون انتصارا. وقد تضمن اتفاق 2015 “بنود انتهاء الصلاحية” وحدودا زمنية انتقدها ترامب أيضا. ويمكن القول إن اتفاقا جديدا غير محدد المدة قد يكون أفضل، حتى لو تم رفع العديد من العقوبات الاقتصادية وأبقى على الوضع الراهن للجمهورية الإسلامية إلى حد كبير.