نوستالجيا

في قصة لأديبنا البصري محمد خضير، نراه يستعمل استعارة غريبة لبطلة القصة، عندما كانت تجمّل وجهها ببهارج الماكياج، فهي «تقشّر زينتها». القشرة تسقط وتتغلف المرأة بجلد جديد، صورة قريبة من خروج الأفعى من جلدها القديم، لأنه لم يعد ملائماً للعيش. في لسان العرب، تدعى الأفعى «الرقشاء»، للترقيش؛ أي النقش الملوّن على الجسد، والمرأة أيضاً تغطي وجهها بقناع من المساحيق والظلال وأحمر الشفاه، تنزعه كل يوم، وأحياناً كلّ وقت.
صفةٌ أخرى خاصة بالأفعى، أنها المخلوق الوحيد الذي يمسّ الأرض ببدنه كله، ويعرف بذلك جميع الخفايا في باطنها. تمتدّ الأفعى مثل خيط من الظلّ إلى ما لا نهاية، وينبئنا الشعر والفن عموماً بأن جسد المرأة هو الآخر لا أول له ولا آخر، تمثال متحرك يُنظر إليه من جميع الجهات، ويتحسس الوجود من جميع الجهات، فهو (كليّ) بتعبير الشاعر محمود درويش: «أهذا الكلّي لي؟».
أنوثة المرأة طبيعيّة على الأغلب، وجمال جسدها وجاذبيته تكتسبهما بواسطة تسريحة الشعر والزينة والملابس البراقة، بالإضافة إلى المجوهرات والإكسسوارات، تتخذ أحياناً هيئة أفعى تلتف حول المعصم أو الإصبع أو الجيد، وكان لدى إحدى قريباتي حزام مصنوع من الذهب بهيئة حيّة غليظة، لم تستطع السيدة إخفاء شعور السعادة والتباهي بها حتى عمرها الأخير، باعتبار أنه لا تحصل على هذه الحِلية إلا من تمتلك حظاً عظيماً من بنات حوّاء. في اللحظة التي تلامس الزينة التي بصورة أفعى جسدها، تكون المرأة بصدد اكتشاف شيء ما في داخلها، لكنها لا تعرف ما هو. لقد غيّرت هذه القطعة من الزينة ذات المرأة وأكسبتها أعلى مراحل الجاذبية الجنسية، واستحالت إلى عمل فنيّ اشترك في صنعه اثنان؛ الله ويد الإنسان. مرة أخرى مع لسان العرب: المرأة هي الحيّة الرقطاء، أي الملوّنة بالأحمر والأصفر والأسود… وهي أيضاً كثيرة الزيت والسمن. ويُنبئنا العلم بأن النساء يمتلكن مستوى مائياً أعلى من الرجال في دمائهن، بالإضافة إلى طبقة من شحوم وزيوت تستقر تحت الجلد، وفي أماكن أخرى كالثديين والإليتين وغيرهما، كلّ هذا يجعلها جذابة ومثيرة، وفي بدنها ليونة وقدرة على الانثناء والتلوّي، مثلما تفعل الأفعى.
قصة لفؤاد التكرلي فيها رجلٌ تغويه جارته الأرملة، وكانت متبرجة وجسدها من النوع «المخلوق لأمور يعرفها الرجال». ثم راحت تحتكّ به، وتقوم بحركات أربكته وأفقدته رشده، وكانت تتلوى وتلهث. قادته في الأخير إلى غرفة النوم «وكان منساقاً معها، وأذهلته جرأتها واندفاعها الوحشي، وأحسّ بنفسه كأن أفعى ضخمة تبتلعه بشراهة». سلاح الأفعى هو السمّ الذي تقتل به أعداءها، اكتسبته المرأة التي تحمل حِلية بصورة أفعى، لكن السمّ انقلب لديها بواسطة سحر الفن إلى إكسير الحياة، تمنحه إلى الرجل الذي تصطفيه.
دون أن تملك خياراً في المسألة، وجدت المرأة نفسها في ثنائية قدريّة معقّدة ومتناقضة مع الأفعى، فهما مرة ترمزان إلى الشيطان الموسوس والدافع إلى ارتكاب الشرّ، وفي الأخرى تكونان رمزاً للخصوبة والنماء. هناك ختم سومري فيه شجرة تتدلى منها الثمار، وعن يسارها ويمينها يجلس رجل وامرأة يمدّان أيديهما لقطف الثّمر، ووراء المرأة تنتصب الأفعى، تخبرها بما عليها القيام به. ولدينا أيضاً عمل نحتيّ بابليّ يُظهر امرأة جالسة على مقعد ملتحم بالأرض، ممتزج مع أديمها، ومن جسدها تنبعث سنابل القمح، وعلى رأسها تقف حية ذات رأسين على هيئة قرنين، كأنها تُبارك للمرأة هذه النعمة. النساء يمثّلن الرذيلة والشرّ، ومعهنّ يحلّ الخير وبهنّ تدوم الحياة. كيف يمكن لهذه المعادلة أن تحافظ على توازنها، منذ بدء الخليقة إلى الآن؟
ليس هناك من قصة في الأدب الحديث لا يمكن أن تكون حقيقية، أو أنها تُخبرنا عما هو صادق وفعّال في وجودنا. صار لدينا تشبيهان اجتمعت فيهما الأفعى مع المرأة؛ الأول لمحمد خضير، والآخر لفؤاد التكرلي. يقول العالم والفيلسوف أبو الحسن بن عيسى الرماني: «التشبيه البليغ هو إخراج الأغمض إلى الأظهر، وإخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة… وإخراج ما لا يُعلم بالبديهة إلى ما يُعلم بالبديهة». علينا إذن، وَفق هذا الرأي، تدبّر ما قام به كلّ من خضير والتكرلي على أنه حقيقة يقف وراءها العلم القائم على التجربة، وليس زينة بلاغية مما تضمّه كتب الأدب.
تصويرٌ لرحم المرأة اطّلعتُ عليه في كتاب طبيّ بتقنية الأمواج فوق الصوتية، يماثل رأس أفعى تنتصب واقفة. يُنسب هذا القول إلى مجهول: «ليست الصّور إلا آثار أشباح». امتزج في الصّورة تشكيل يضمّ شبحيْ ثغر الأفعى وجوف المرأة الذي يستقبل الرجل ويودعه في آن واحد، يُطلقه إلى الوجود، ويستعيده حين يجتمع الرجل والمرأة عند الباه، لتكون حياة الرجل على الأرض تعبيراً نموذجياً عن قصة الغياب والعودة، الفقد يؤدي إلى الضياع، تمثله رحلة يوليسيس في ملحمة الإلياذة. رغم الحرب والسفر البعيد وبقية متاعب الرحلة، يؤكد لنا هوميروس أن العودة حتمية بسبب الاتفاق الضمني في عالم الغيب بين الاثنين؛ الرجل والمرأة. في اللغة اليونانية توجد كلمة تختصر هذه العلاقة هي nostos، تعني «العودة الأسطورية»، منها جاء الاصطلاح الذي أطلقته الحداثة: Nostalgia أي الحنين، الذي قاد بطل الإلياذة إلى أرض الوطن وكهفه الخاص؛ زوجته. يقفز يوليسيس من الأسطورة إلى داخل الوعي الذاتي لكل منا، فنتّبع الطريق التي سار عليها، حتى وصل إلى مبتغاه. الرحلة دون عودة ناقصة، وتكتمل دائرتها بالاجتماع مع المرأة. يُقال عن الشابّ الذي يروم الزواج في بلدي إنه يريد «إكمال دينه»، فإذا كان دين الإنسان هو سِفره مع مجموع الوصايا والتعاليم واختبار الخطوات التي يسير عليها، تكون الصلة بين خطّنا الملحمي في الوجود وسبيل الدين واضحة.
الألفاظ التي تُشير في العربية إلى الحنان البالغ بين الرجل والمرأة في الفراش، هي الباه والجماع والوطء والنكاح والمضاجعة، وكلها مفردات تدل على خشونة العيش. هل يمكننا استبدالها بـ «نوستالجيا»؟
لا أريد أن أكون متفلسفاً أكثر من اللزوم، وأضيف خيطاً من «عقدة أوديب» إلى كوكبة الخيوط التي جمعتها أمام القارئ، وأختم المقال برأي طريف اعتقد به العرب القدماء، وهو أن التصريح باسم الأفعى بمثابة مناداة لها، فيتجنبون ذلك ويقولون (حيّة) كي لا تحضر بغتة وتهجم عليهم وتُذيقهم الموت بسمّها. لهذا السبب أيضاً يُحجم الرجال من أهل هذا الزمان عن ذكر اسم المرأة، فيقولون أم فلان أو أخته أو ابنته، وإن توفيت أذاعوا كنيتها فحسب، ونشروها في الإعلان وفي الصحف. مدّ علماء الدين لرجالنا يد العون لتبرير هذا الفعل، بالإفتاء بأن اسم المرأة (عورة)، فلا يجوز ذكره أمام من لا يحلّ أن تظهر في حضوره.
العنف الموجّه من قبل المجتمع ضدّ المرأة، واستصغارها واحتقارها وإعطاؤها نصف حصّتها في الميراث، ووأدها أيضاً، كلّ هذا بالأحرى اعتراف بقوّة الأنثى ودليل على ضعف الرجل أمام سطوتها. مرّة ثالثة مع لسان العرب: الحَيُّ هو فرج المرأَة. ورأى أَعرابي جهاز عَرُوسٍ فقال: هذا سَعَفُ الحَيِّ؛ أَي جِهازُ فرج المرأَة. هناك في الوجود ما يمكن أن أدعوه أنثى كونية لا تنسى قط حاجة الجميع إلى مركزها، البؤرة الأزلية لكينونتنا، والأفعى أيضاً تعرف كنزها المخبوء في عشبة الخلود التي سرقتها من جلجامش في رحلته. المرأة والأفعى مخلوقان يتشابهان في لغة العرض والجوهر. قالوا في الأثر: فحيح الأفعى وغضب المرأة من جهنّم. تمتلك كلتاهما صفة مشتركة تسكنان إليها عند الشدّة، هي الكمون والاستخفاء؛ من وراء سِترَي السكون والمراقبة، في لحظة تهجم المرأة وتُطيح بأعلى العروش.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية