نوبل والنوبلية والمراجعة النقدية

حجم الخط
0

كعادتها في خريف كل عام، تشرأبُ أعناق الأوساط الثقافية العربية وتشخصُ أبصارها نحو ستوكهولم بانتظار إعلان نتيجة الأكاديمية السويدية عن الفائز بجائزة نوبل للآداب. وهذا التكرار السنوي ليس مجرد طموح شخصي يسعى لنيله من يجد نفسه مؤهلا للجائزة حسب، بل هو أيضا طموح أمم وشعوب تهفو لأن ينال تلك الجائزة واحد من أبنائها الكتّاب، وكأن في هذا النيل اعترافا بمكانة آدابها أو أنَّ فيه فخرا، يحق لها أن تباهي به سواها. من هنا اكتسبت نوبل للآداب قيمة وأهمية كبيرتين، ولكن هل تملك هذه الجائزة فعليا قيمة عليا، تؤسس للعالمية؟ بمعنى هل يوجد في مواضعات الترشيح لها وآليات عمل لجانها ما يجعل منحها لأديب بعينه نزيها وحقيقيا؟ أليس في قيمتها المادية والماكينة الإعلامية المسخرة للترويج لها ما يعطي لمانحيها علوا، ويضفي على نوبل قيمة أكبر من مجرد كونها تمنح لإنجاز أدبي، يقدم منفعة للإنسانية؟
لو دققنا مليا في الأسماء الأدبية التي حصلت على هذه الجائزة عبر تاريخها الذي ناف على القرن وربع القرن، لوجدنا أنها لا تُمنح دائما للأسماء الكبيرة في تاريخ الأدب العالمي؛ الأسماء التي لا يختلف اثنان حول حقيقة ما أنتجت وأبدعت وتفردت في عالم الأدب. فكثيرا من الأحيان تذهب الجائزة إلى أسماء بالإمكان حذف نتاجها من مسيرة الأدب العالمية لسبب بسيط هو أن لا إضافة نوعية أتت بها، تميزها عن سواها. والفارق بطبيعة الحال كبير بين منح نوبل لمن يستحقها وبين الذهاب بها إلى من هو بحاجة إليها. ذلك أن الأديب الكبير هو من قَبْلِ منحه الجائزة كبير وهو من بعدها في العلو نفسه في حين أنَّ الأديب الذي لا يملك إنجازا كبيرا هو من قَبْلِ منحه الجائزة مغمور وبعدها كبير؛ لكن بالجائزة وحدها لا غير.
ومن يتمعن في الأسماء الفائزة بنوبل خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فسيجد أن هذا النوع الأخير هو الطاغي؛ فهل حققت الجائزة فائدة للإنسانية أم أنها أجحفت بحق أولئك الكتّاب الكبار حين حجبت الأنظار عنهم، ووجهتها نحو من هم أدنى منهم. هذا إن كان ثمة ما يمكن لنا أن نقارن به بين الاثنين؟
إنَّ هذا الذي يحصل على مستوى جائزة بوزن نوبل ينسحب على جوائز أخر شرقية وغربية، اتخذت من سياقات الأولى قواعد عمل لها. وبذلك تكون الكارثة مؤكدة لا فيما تلحقه هذه الجوائز من ضرر معنوي، بل في كونها سلاحا مضادا يشهر في وجه من أخلص في أدبه للإنسان والحياة.
ولو عدنا إلى وصية الفرد برنار نوبل العالم السويدي الذي اخترع أخطر سلاح يبيد آلاف البشر في غمضة عين، لوجدنا في نص من نصوصها ما يأتي «يتولى المنفذون لتلك الوصية استثمار رأس المال في جوائز تمنح لهؤلاء الذين يقدمون أكبر الفوائد للإنسانية خلال العام المنصرم. ويقسم إلى خمسة أجزاء متساوية، توزع بين الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والصداقة بين الشعوب». في هذا النص تشديد على أن المنح ينبغي أن يكون معقودا على (إفادة) ولا تأتي الإفادة إلا من التكريس منقطع النظير للإنسانية. والتكريس يعني الانشغال بهموم الفن والحياة، والتطلع من وراء ذلك إلى ما يرفع عن البشرية المآسي، ويفتح أمامها أبواب الأمل والحرية والمساواة وما إلى ذلك من قيم مثالية، لا يتطلع إليها إلا من أحب الفن، ونبذ من قلبه الحقد، وتنكر للعنصرية، ونظر إلى البشر سواسية. وهذا لوحده، يجعل من أدب الأديب عالميا، ذهبت إليه نوبل أو لم تذهب.
إن ما يجعل من نوبل قيمة عالية هم الكبار الذين بهم تتشرف؛ فهم الذين يضيفون إليها تلك القيمة، وليست هي التي تعطيهم إياها. وكل النوبليين المستحقين لها كانوا مشاهير من قبلها. فأدبهم رائج وأسماؤهم منتشرة بانتشار إبداعهم، يتلقفه عشرات الآلاف من القراء، وبلغات عدة من قبل أن تضع نوبل شارتها على صدورهم. صحيح أن منح نوبل إياهم يثير حولهم ضجة إعلامية، ويصبحون محط الاهتمام والترويج، لكن ذلك كله موسمي سرعان ما يذوي فلا يبقى سوى إبداعهم الذي أنتجوه. وما من طريق به تؤكد نوبل حضورها كل عام، إلا من خلال هؤلاء الكبار. فما بالك إذا تجاهلت لأسباب معينة هؤلاء الكبار، ومالت إلى تكبير من هم صغار؟
قد نفهم هذا الأمر من باب التشجيع في البحث عن المغمورين غير أن ثمة حقيقة لا يمكن دحضها وهو أن نوبل حين فتحت بابها للكبار ارتفعت قيمتها. ولم يدر أي لغط حول نزاهة لجانها، ولكنها حين أهملت الكبار، طالها الانتقاص والانتقاد. والغريب أنه مع كثرة تكرار هذا الأمر، نجد كثيرين يكترثون بالفائزين، ويتأسفون على المرشحين الذين ذهبت الجائزة بعيدا عنهم؛ ولكن أليست هي نفسها الجائزة التي حُجبت عن أديب كبير لا يحتاج إلى تعريف مثل تولستوي؟
علاوة على ذلك، نجد هذه الجائزة ومنذ ولادتها هي غربية ـ غربية، فعلى طول تاريخها لم تُمنح لأدباء الشرق إلا بعدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة مع تباعد السنين، فطاغور أول شرقي نالها عام 1913 وليس عن مجمل أعماله الأدبية، وإنما عن مجموعة شعرية واحدة هي «جيتجالي» وباللغة الانكليزية، وتم التوكيد على غربيتها.
لا نحتاج إلى برهان حين نقول إن نوبل باقية بالثروة الطائلة التي خلفها اللورد نوبل وصار بسببها حاضرا كل عام. ولو افترضنا أن الجائزة اعتبارية وما من قيمة مادية كبيرة لها، لما خلد اسم نوبل.
إن تأشيرنا على سلبيات نوبل يأتي من خطورة النظر إليها معيارا وحيدا لقياس مستوى الأدب العالمي. وتتجلى هذه الخطورة في الانبهار الكبير الذي يطغى على الأوساط الأدبية كلما اقترب موعد الإعلان عن الفائز النوبلي. فكأن قيمة الأديب هي في تعليق شارة نوبل على صدره أو كأن الفخر كل الفخر للصدر الذي حمل تلك الشارة.
ولنعد إلى أسماء الذين منحوا نوبل على مدى تاريخها وكان ذلك سببا في شهرتها وعلو كعبها، فسنجدهم كبارا من قبلها مثل فوكنر، همنغواي، نيرودا، توماس مان، بيراندللو، يوجين اونيل، هرمان هيسه، إليوت، البير كامو. وبالمقابل ظل أدباء غيرهم كبارا وعلى شهرتهم من دون أن يُمنحوا هذه الجائزة وفي مقدمتهم آنف الذكر تولستوي، جيمس جويس، فرجينيا وولف، نابوكوف، ارثر ميلر، سومرست موم، تشيخوف، كافكا. ويأتي تحديد هذه الأسماء من لدن الغربيين أنفسهم، ولكننا نضيف إليها أيضا برتولد بريخت، مارسيل بروست، جان جينيه، سيمون دي بوفوار، ولا شك هناك آخرون. أما من الشرق، فإن كتّابا مثل طه حسين وجبران خليل جبران وناظم حكمت ويشار كمال ومحمود درويش وأدونيس ونازك الملائكة والسياب، هم أحق بها من كثيرين حملوا شارتها.
ولا نجانب الصواب إذا قلنا إن الثقة والمصداقية بنوبل تراجعت وتضاءل حجم مانحيها حين اتجهت تبحث خارج نطاق الأدب عن الأدب، وعلى وفق مقاسات سياسية ومزايدات غير خفية. فهل ألحق ذلك ضررا بالأدب والأدباء الحقيقيين؟ بالطبع لا، فليس لنوبل بتجاهلها الكبار أن تنال منهم. وهذا ما يحتاج إلى وقفة نقدية واعية هي بمثابة مراجعة سنوية ينبغي أن تقوم بها أوساطنا الثقافية كي تضع النقاط على الحروف، وبالشكل الذي يخفف من حالة الانبهار، وينبه إلى أنَّ نوبل برمتها لعبة رأسمالية مؤدلجة، الغاية منها ترسيخ هيمنة رؤيا الغرب على العالم.
*كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية