وسط انباء التفجيرات الدموية التي تضرب العراق يوميا، جاء خبر منع وزير النقل العراقي هادي العامري الاحد الماضي هبوط طائرة تابعة لشركة ‘طيران الشرق الاوسط’ اللبنانية في بغداد بسبب عدم وجود ابنه على متنها، ليضيف بعدا من الكوميديا السوداء على صورة قاتمة يغلب عليها لون الدم.
وكانت الشركة اللبنانية اعلنت في بيان الطائرة ‘عادت الى بيروت بعدما تبلغت من السلطات العراقية انها ممنوعة من الهبوط ما لم يكن نجل العامري على متنها’، مشيرة الى ان الاخير تأخر عن موعد اقلاع الرحلة.
وقال موظف في المطار امضى ثلاثين عاما في الخدمة ‘لم تحصل حادثة مماثلة في مطار بغداد حتى في زمن عدي’، في اشارة الى نجل الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
واضاف ان ‘ابرز شيء قام به عدي في زمانه هو تأخير موعد اقلاع طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية لمدة ثلاثين دقيقة، لكنه لم يجرؤ على تأخير اي طائرة عربية او اجنبية’.
وبعد ان زعمت الحكومة ان سبب منع الهبوط كان ‘سوء الاحوال الجوية’ تراجعت واجبرت الوزير على الاعتذار، فكان عذره اقبح من ذنب اذ اعلن ‘تحمله على نفقاته الخاصة مبالغ نقل المسافرين العراقيين الذين علقوا في بيروت’، وهو ما يثير اسئلة بشأن رواتب الوزراء والنواب في العراق وما حققوه من الثروات الضخمة، في حين يعاني اكثر من ثلث العراقيين حالة من الجوع والفقر المدقع حسب احصائيات دولية.
ولعل الموظف في المطار العراقي نجح في ان يلخص بتصريحه الوضع المأساوي الذي يعانيه العراقيون، حيث يعتبر كثيرون في العراق اليوم ان المالكي ليس سوى ‘طاغية وديكتاتور او حتى صدام حسين جديد’، وبالتالي ليس غريبا ان نسمع مجددا عن صولات وجولات المسؤولين وابنائهم انتهاكا للقوانين، وتهديدا لسلامة الناس.
وحسب تعبير السيد مقتدى الصدر فان العراق تحكمه ‘ذئاب متعطشة للدم والمال’، وهو ما يتفق مع ارتكاب الوزير هكذا جريمة كان يمكن ان تؤدي الى كارثة جوية، تودي بحياة العشرات.
واذا كانت هكذا جريمة لم تقع حتى في عهد صدام، فانها حتما لم تقع في اي مكان او زمان اخر، وهو ما يشير الى ‘خصوصية الحالة العراقية’، من تفش للفساد والمحسوبية وغياب لدولة القانون، وهو للمفارقة اسم الحزب الذي يحكم به نوري المالكي البلاد، (فكم من الجرائم ترتكب باسمك ايتها الدولة وايها القانون).
ان مجرد بقاء هذا الوزير في منصبه، بل مجرد بقاء الحكومة في السلطة بعد ان فقدت السيطرة على نحو نصف البلاد، وقسمت المجتمع على اساس طائفي، مطلقة العنان لسرطان الفساد والفقر لدليل حي على ان العراق تحول الى ‘اقطاعية عائلية’ للمالكي وزمرته.
لقد دفع العراق ما لم يدفعه غيره من ثمن باهظ للحرية، زاد على المليون من الشهداء بعد ان تعرض لغزو اجرامي زعم من جاؤوا على دباباته انهم سيعوضونه عن عقود من العقوبات والحروب والفساد والقمع تحت حكم صدام. الا ان العراقيين يجدون انفسهم اليوم وقد عادوا الى نقطة الصفر، بل وما قد يكون اسوأ منها، وهو الذي كان يظن محقا انه يصعب ان يعود مرة اخرى الى زمن عدي صدام.
فهل تكون حادثة منع هبوط الطائرة مؤشرا على اقتراب رحلة هذا النظام من نهايتها؟