نتنياهو وزمرته يستثمرون “كذب” المدعية العسكرية لاستكمال الانقلاب.. وتحذيرات من اغتيال سياسي جديد

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: تتصاعد الضجة داخل إسرائيل بعد اعتقال المدعية العسكرية يفعات تومر يروشالمي، في الليلة الفائتة، بعد فقدان آثارها والعثور عليها على شاطئ البحر، تاركة رسالة وداع لأسرتها، ما يبعث تساؤلات عما إذا كانت تنوي الانتحار.

وستنظر المحكمة، ظهر اليوم، في طلب النيابة العامة تمديد اعتقالها بشبهة الكذب وتشويش إجراءات قضائية، غير أن الغبار الكبير المنبعث حولها لا يخفي حقائق وخلاصات جوهرية حول ما يجري في ظل حكومة احتلال تسارع إلى استغلال المسألة لتحقيق عدة أطماع.

معلّقة سياسية: لا يوجد لديهم خوف ولا ذهول مما حصل ويحصل، بل غضب مقدس أو تبرير أعمى ملتهب

وأصل القضية أن صحيفة “هآرتس” العبرية نشرت قبل عام تحقيقًا عن “غوانتنامو” إسرائيلي، هو معتقل “سديه تيمان” في النقب، وفيه يتم تعذيب أسرى غزة بطرق وحشية. وبعد الكشف عن الجريمة، سارعت المدعية العسكرية في جيش الاحتلال تومر يروشالمي إلى فتح ملف تحقيق تطور لاحقًا إلى لائحة اتهام ضد بعض جنود الاحتياط المتورطين بالتنكيل والتعذيب.

وكانت يروشالمي بذلك، وبحكم وظيفتها وصلاحياتها، تحاول الدفاع عن الجيش ومكانته وصورته في البلاد والعالم، “وإلا سيتحول إلى عصابة إجرام”، وفق ما يؤكده الباحث في الشؤون العسكرية البروفيسور الإسرائيلي ياغيل ليفي، ضمن مقال تنشره صحيفة “هآرتس” اليوم. كما أنها كانت تبحث عن طريقة لحماية إسرائيل، مكانتها وصورتها وقادتها، من مقاضاة دولية، على مبدأ فهمها أن متابعة الانتهاكات داخل الجيش وغيره من خلال الجهاز القضائي المحلي سيعفي المحاكم الدولية من القيام بذلك.

لكن أقطاب الائتلاف الحاكم، المتورط في قتل المدنيين وفي السلب والنهب والعربدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، رفضوا هذه الرؤية وسارعوا إلى التحريض عليها واتهامها بالكذب والافتراء ومساندة “الإرهاب” الفلسطيني لمجرد قرارها فتح ملف تحقيق للجنود المتورطين بالتعذيب.

في محاولة لصد الهجمات التحريضية العنيفة المتتالية عليها وتخوينها، بادرت إلى تسريب مقاطع فيديو تدل على صحة وجود تعذيب وتنكيل في “سديه تيمان” لتبرير مقاضاة المتورطين. وفي البداية نفت أي صلة بالتسريب، حتى اضطرت للاعتراف والاستقالة، وسط دعوات لإقالتها بسبب تورطها بالكذب وتقديمها تصريحًا كاذبًا للمحكمة العليا، وهو ما يُعتبر مخالفة خطيرة في التقاليد القضائية الإسرائيلية.

الفضيحة الجوهرية مفقودة

بيد أن الضجة المتركزة على “كذب المدعية العسكرية” والغبار المنبعث منها لا تغطي حقائق وخلاصات خطيرة، منها محاولة السواد الأعظم من الجهات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية طمس الفضيحة الجوهرية المتمثلة بتعذيب أسرى فلسطينيين حتى الموت، وسط محاولات يقودها وزير القضاء ياريف ليفين لقبر الملف من خلال استغلال “كذب المدعية العسكرية” وتبرئة المتهمين.

كما تظهر تفاعلات المسألة أن خطاب الكراهية في إسرائيل يتسع ويتعمق، والحديث ليس عن الكراهية للفلسطينيين فحسب، بل للمختلف الإسرائيلي أيضًا. فمنتديات التواصل الاجتماعي العبرية، منذ صباح أمس، مزدحمة جدًا بالعنصرية والقومجية والكراهية والتطرف.

ويشير معلقون إسرائيليون إلى خطورة الظاهرة، مؤكدين أنها قد تدفع إلى اغتيال جديد على شاكلة اغتيال رابين، الذي تحل ذكرى اغتياله اليوم. ومن هؤلاء المعلقة السياسية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” حنين آرتسي سرور، التي قالت إنه ما أن قيل إن المدعية العسكرية قد اختفت حتى “قامت القيامة”، فسارع بعضهم إلى القول إنها ماتت، وأشاروا إلى من قتلها، فيما شمت كثيرون، ودعا آخرون إلى اعتقال المستشارة القضائية للحكومة.

وتتابع: “بالنسبة لأشخاص كثر، كل شيء واضح ومفهوم. لا يوجد لديهم خوف ولا ذهول مما حصل ويحصل، بل غضب مقدس أو تبرير أعمى ملتهب”.

الحرب لم تطفئ الخلافات الداخلية، كما يُستدل من تفاعلات هذه القضية أيضًا أن الفجوة بين معسكرين إسرائيليين متصارعين على هوية إسرائيل وروحها وعلى السلطة قد اتسعت. وهذا ما دفع صحيفة “هآرتس” إلى تكريس افتتاحيتها اليوم بعنوان “ينقضون على الفرصة من أجل مواصلة التدمير”، للتحذير من استثمار اليمين الصهيوني مسألة المدعية العسكرية طمعًا في تعزيز الانقلاب القضائي.

وتشير إلى أن رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو، بدلًا من محاولة خفض ألسنة اللهب وتخفيف حدة السجالات الداخلية، قد صبّ الزيت على النار.

نتنياهو، المتهم من قبل المعارضة بالمشاركة في التحريض على رابين حتى قتله عام 1995، يؤجّج الانقسام بقوله إن المدعية العسكرية بتسريب فيديو التعذيب قامت بـ”عملية تخريبية دعائية” ضد إسرائيل، متجاهلًا الجرائم ضد الإنسانية وأفعال وأقوال وزرائه المنضوية تحت تعريف جريمة حرب، بل إن نتنياهو نفسه مطلوب على خلفية ذلك للعدالة الدولية.

ويتقاطع معه البروفيسور في القضاء يديديا شتيرن (رئيس معهد سياسات الشعب اليهودي ومحاضر في كلية الحقوق في جامعة بار إيلان)، محذرًا من اغتيال سياسي جديد، بقوله، ضمن مقال تنشره صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، إن “الخطر ما زال هنا، وإن 80% من الإسرائيليين يخشون تكرار الاغتيال لأن جذور العنف السياسي التي قادت إلى قتل رابين لم تُعالج… التحريض والكراهية”.

كما تباكى نتنياهو على الصدق وانتقد الكذب ومحاولة ترميم الواقع البشع الناجم عن ثقافة الافتراء، وهو بذلك ينضم إلى سعي زملائه في اليمين لتضخيم الكذب لغاية في نفوسهم، متجاهلين أكاذيبهم المرضية. لقد كذبت المدعية العسكرية بقولها في البدايات إنها لم تسرّب قبل اعترافها، لكن الكذب في إسرائيل بات جزءًا من الثقافة السياسية اليوم أكثر من الماضي، ونتنياهو يُعتبر الكاذب الأكبر فيها.

الكذب في إسرائيل بات جزءاً من الثقافة السياسية اليوم أكثر من الماضي، ونتنياهو يُعتبر الكاذب الأكبر فيها

ويتوقف المعلق السياسي البارز ناحوم برنياع، ضمن مقال تنشره صحيفته “يديعوت أحرونوت” اليوم، ليعترف بأن “ثقافة الكذب في إسرائيل منتشرة جدًا، بل صارت الهواء الذي نتنفسه… وصار الوزراء الذين ننتخبهم والمعايير التي نأتي بها إلى المحكمة”.

وفي سياق الحديث عن الكذب وثقافته في إسرائيل، سبق أن نعت وزير المالية المستوطن نتنياهو، قبل نحو عامين، بأنه “كذّاب ابن كذّاب”.

وما تشهده إسرائيل اليوم، أكثر وأخطر من أي فترة مضت منذ قيامها على أنقاض الشعب الفلسطيني عام 1948، يذكّر بما قاله الفيلسوف اليهودي الراحل يشعياهو لايبوفيتش، بأن الاحتلال مصدر معظم الشرور، حيث كان يؤكد في مقالاته ومحاضراته أن استمرار احتلال الأرض الفلسطينية سيفسد الإسرائيليين وعلاقاتهم مع بعضهم البعض، مشبهًا العنف بالنار.

بيد أن ما يجري اليوم هو عكس وصية لايبوفيتش، فالضفة الغربية، بالتزامن مع حرب الإبادة على غزة، تشهد حرق البيوت والمركبات واقتلاع كروم الزيتون وعربدة المستوطنين وتهجير الفلسطينيين بالجملة (120 بؤرة استيطانية جديدة منذ تشكيل حكومة الاحتلال الحالية تُضاف إلى 180 بؤرة قائمة أصلًا). وهذا كله من شأنه أن ينتج ثقافة عنف أكبر وأخطر بين الإسرائيليين أنفسهم، نتيجة ما يُعرف بـ”الاقتداء”، أي اقتداء الشارع بالقيادات والمؤسسات.

بيد أن صوت هذه التحذيرات الإسرائيلية يبقى صرخة في البرية، فما تشهده الضفة الغربية المحتلة ليس فرية ولا كذبة، بل واقع من السلب والنهب والقتل ينذر بتعقيد الصراع على الطريقة البلقانية، وربما بانفجار جديد.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية