طلق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، خلال مقابلة تلفزيونية أمس تصريحات تقول إنه «في مهمة تاريخية وروحانية ومرتبط عاطفيا برؤية إسرائيل الكبرى»، وهي رؤية ترتكز على مزاعم بأن الحدود التاريخية لإسرائيل تمتد من نهر الفرات شرقا إلى نهر النيل جنوبا.
تأتي هذه التصريحات في وقت تصاعدت فيه أشكال من الغضب العالميّ من مجمل الحلفاء السياسيين لإسرائيل في الغرب احتجاجا على قرار حكومة نتنياهو توسيع حربها لاحتلال مدينة غزة في تجاهل لكل الدعوات الأممية والدولية والحقوقية لوقف الإبادة الجماعية والتجويع كسلاح حربي ضد الفلسطينيين.
يوظّف نتنياهو، في تصريحاته الآنفة، التأويلات اللاهوتية في خطابه السياسي، كما فعل حين استخدم، بعد عملية «طوفان الأقصى»، تعبيرات تكررت حرفيا من نبوءة بلعام التوراتية التي يقدّم فيها نفسه لا كزعيم دولة بل كمنفذ إرادة إلهية يقود خلالها «الشعب ـ الأسد» نحو مصيره المرسوم منذ آلاف السنين.
كما استخدم نتنياهو، بعد بدء الهجوم على غزة، نبوءة من سفر إشعياء، الذي يذكر سقوط دمشق والسامرة، وأن بابل ستشكل خطرا على «مملكة يهوذا»، كما يذكر خراب مصر، ويقول إن منفيي إسرائيل «ينقضون على أكتاف الفلستيين غربا ويغزون أبناء المشرق معا، ويستولون على بلاد أدوم وموآب، ويخضع لهم بنو عمون» الخ.
يعرف سياسيو العالم والمنطقة والإسرائيليون أنفسهم أن نتنياهو هو «ثعلب» السياسة الذي يستسهل توظيف كل شيء لخدمة بقائه في السلطة، بدءا من «إدارة» زوجته وتدخلاتها في شؤون السياسة والمال وهجمات ابنه يائير على خصومه السياسيين، ومرورا بأشكال الأكاذيب الهائلة التي لا ينفكّ يكرّرها على مسامع العالم (كما جرى في إعلاناته المتكررة على سنوات عن إنجاز ايران قنبلتها النووية) والمزاوجة المثيرة للسخرية بين الإعلانات عن القوة الإسرائيلية التي لا يمكن صدّها، وعن كون إسرائيل هي الضحيّة المسكينة لـ«الإرهابيين الفلسطينيين»، وصولا إلى تلبّسه حالة «النبيّ التوراتي»، على صورة مقابلته مع قناة «آي 24» الإسرائيلية أمس.
«نتنياهو اللاهوتي»، على ما يظهر، هو «الحالة الصلبة» من «نتنياهو السائل» كما يظهر ضمن أوضاع عائلته المتهمة بالفساد، وائتلافه الحكومي الذي يعجّ بالمتهمين بالجرائم (بدءا من المحاكم الأممية إلى المحاكم الإسرائيلية نفسها) وتعود هذه الحالة إلى الفكر الذي نشأ عليه بتأثير من والد بنتسيون (بن صهيون) وجدّه نتان ميلوكوفسكي، الذي ربطته علاقة بزئيف جابوتنسكي، أحد غلاة الصهاينة المؤسسين، والذي كان يدعو إلى إقامة «إسرائيل الكبرى»، ولا يعترف بوجود شعب فلسطيني.
يستخدم نتنياهو إرثه الشخصي هذا من الفكر اليهودي (القياميّ) الذي يبشّر بالكوارث (زوال إسرائيل) لكنّه على عكس إشعياء، يعتقد أنه يمكن تجنب هذا الزوال عبر تغيير الواقع الجغرافي والتاريخي في فلسطين التاريخية، باستئصال الفلسطينيين، وبتوسيع إسرائيل على حساب حدود الدول العربية، على ما نراه حاليا في سوريا ولبنان، واستهداف الخطر المسبق، على ما جرى في قصف مفاعل العراق، والحرب الأخيرة التي شنت على إيران.
يشكّل هذا الجمع بين اللاهوتي والأرضي في «رؤية» نتنياهو خطورة هائلة على المنطقة العربية ودولها وحدودها وكياناتها التاريخية والاجتماعية والسياسية تذكر بـ «التجربة» التي شكّلها تنظيم «الدولة الإسلامية» والتي شكّلت خطرا على دول المنطقة والعالم لسنوات، باستثناء أن مشروع نتنياهو يحظى، حتى الآن، بتغطية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو أمر سيستمر حتى الوصول إلى «نقطة الغليان» التي توقف «نتنياهو اللاهوتي» أو تبدأ معها منطقة المشرق بالتفكك.