الرباط- «القدس العربي»: بعد مرور سنتين ونصف على زلزال 8 أيلول/سبتمبر 2023، الذي شهدته أقاليم ضواحي مدينة مراكش، كشف تقرير جديد أصدره مرصد «برنامج إعادة البناء بعد زلزال الأطلس الكبير»، التابع لـ «الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة/ ترانسبرانسي المغرب»، عن اختلالات متعددة في تنفيذ برنامج إعادة البناء والتأهيل بالمناطق المتضررة. وأوضح التقرير أن وتيرة إنجاز المشاريع تسير ببطء ملحوظ، مع تسجيل تفاوتات اجتماعية ومجالية في الاستفادة من الدعم، ما يعكس فجوة بين الطموحات السياسية التي رافقت إطلاق البرنامج والواقع الميداني الذي يعيشه السكان.
التقرير الذي اعتمد منهجية تجمع بين البحث الوثائقي والتحليل الكمي والنوعي إلى جانب استطلاع ميداني، استند إلى معطيات شملت 454 أسرة في القرى الأكثر تضررًا بإقليمي الحوز وشيشاوة. وخلصت نتائجه إلى أن عملية إعادة الإعمار لم تكتمل بعد، سواء على المستوى المادي أو الاجتماعي، حيث ما تزال آثار الكارثة حاضرة بقوة في الحياة اليومية للسكان، مع استمرار معاناة عدد كبير من الأسر من أوضاع معيشية صعبة وظروف إيواء غير مستقرة.
تباين في المعطيات
على مستوى السكن، أكد التقرير أن نسبة كبيرة من الأسر تضررت منازلها بفعل الزلزال، فيما لا يزال عدد مهم منها خارج مساكنه الأصلية. ويعيش العديد من المتضررين في خيام أو حاويات أو مساكن هشة، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرا على استمرار مرحلة الطوارئ رغم مرور فترة طويلة على الكارثة. كما سجل المرصد تناقضات في الأرقام الرسمية المتعلقة بحجم الأضرار، إذ جرى الإعلان في البداية عن نسبة مرتفعة من حالات الانهيار الكلي قبل أن يتم تخفيضها لاحقا بشكل كبير، ما يثير تساؤلات حول منهجية الإحصاء المعتمدة ومدى دقة المعطيات التي استندت إليها اللجان المكلفة بتقييم الأضرار.
هذا التباين في المعطيات انعكس بدوره على مسار الاستفادة من الدعم المالي المخصص لإعادة البناء، حيث أشار التقرير إلى أن عددا محدودا فقط من الأسر حصل على منحة 140 ألف درهم (حوالي 13,800 دولار أمريكي)، المخصصة للمساكن المنهارة كليا، بينما توصلت أسر أخرى بمبالغ أقل بكثير، تتراوح بين 20 ألفا و80 ألف درهم (حوالي 1980 دولاراً إلى 7920 دولاراً)، الأمر الذي يطرح إشكالات مرتبطة بقدرة هذه الأسر على استكمال أشغال البناء في ظل ارتفاع تكاليف المواد واليد العاملة. كما سجل التقرير وجود حالات إقصاء من الدعم أو تأخر في صرفه، إضافة إلى صعوبات إدارية ومالية واجهت عددا من المستفيدين خلال مراحل إعادة البناء.
وفي الجانب الاجتماعي، كشف التقرير عن تداعيات اقتصادية حادة خلفها الزلزال على السكان المحليين. فقد فقدت نسبة مهمة من أرباب الأسر مصادر دخلها، حيث يعاني 42 في المائة من المستجوبين من البطالة، بينما يعيش نحو نصفهم بأقل من 1000 درهم شهريا (حوالي 100 دولار). وكشف التقرير أن 16.3 في المئة من الأسر بالحوز تديرها نساء أرامل.
وأظهر البحث الميداني صعوبات كبيرة تواجهها النساء ربات الأسر، إذ إن 21 في المئة منهن يعانين من صعوبات في التعامل مع برنامج إعادة الإعمار ومع السلطة المحلية، إضافة إلى صعوبات مالية وأخرى مع مقاولات البناء، ما يبين عدم مراعاة خصائص النساء في البرامج العمومية.
أما على مستوى الخدمات الأساسية، فقد أبرز التقرير استمرار اختلالات بنيوية في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبنيات التحتية. ففي قطاع التعليم، ما تزال مئات المؤسسات التعليمية خارج الخدمة في عدد من الأقاليم المتضررة، وهو ما يهدد السير العادي للدراسة ويضع مستقبل آلاف التلاميذ على المحك. كما يعاني القطاع الصحي من نقص في التجهيزات والموارد البشرية، في وقت لم يتم فيه بعد افتتاح بعض المشاريع الاستشفائية التي كان من المفترض أن تعزز العرض الصحي بالمنطقة. وإلى جانب ذلك، ما تزال بعض الطرق في المناطق الجبلية غير مكتملة أو في وضعية خطرة، رغم تسجيل تقدم جزئي في بعض الأوراش.
شهادة لأحد الضحايا
الناشط المدني منتصر إثري، أحد ضحايا زلزال الحوز الذي فقد منزله بالكامل دون أن يستفيد من أي تعويضات، وقدّم شهادته خلال المؤتمر الصحافي المخصص لتقديم التقرير، حيث أكد أن ما ورد في هذا الأخير يؤكد أن عملية إعادة الإعمار لم تُستكمل بعد، وأن عددا كبيرا من الأسر لا يزال يعيش دون سكن لائق. وأضاف أن البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية في المناطق المتضررة ما تزال تعاني اختلالات واضحة ومستمرة، في ظل ما وصفه بتحكم بعض الأعوان في مسارات الاستفادة وغياب الشفافية، إلى جانب تسجيل تجاوزات واختلالات في تدبير ملفات الضحايا.
وأوضح المتحدث لـ «القدس العربي»، أن حالات الإقصاء والحرمان من الدعم ما تزال متواصلة، مبرزًا أن بعض هذه الأوضاع رافقتها اعتقالات مرتبطة بالاحتجاج والمطالبة بالحقوق. واعتبر أن هذه الوقائع باتت معروفة للعموم، وقد كشفت عنها تقارير حقوقية وتحقيقات صحافية ميدانية تناولت أوضاع المتضررين في القرى المنكوبة.
وأشار إلى أن عددا من الأسر حُرمت من الدعم والتعويضات بناء على مبررات شفوية، من قبيل اعتبارها «غير مقيمة في المنطقة»، فقط لأن صاحب الملف يحمل عنوان البطاقة الوطنية في المدينة التي يعمل فيها، رغم أنه فقد منزله بالكامل ولا يملك غير البيت الذي تهدّم جراء الزلزال. وتساءل في هذا السياق عن الكيفية التي يُحرم بها مواطن من حقه في التعويض عن منزل أفنى سنوات من العمل في بنائه لفائدة أسرته، ليُمنع من الدعم بقرار إداري، في الوقت الذي استفادت فيه حالات أخرى توجد في الوضعية نفسها.
كما أكد أن هناك أسرا عديدة تقطن داخل القرى المتضررة لم تحصل على بعض التعويضات المستحقة، مشيرًا أيضا إلى الإكراهات المرتبطة بكون آلاف المتضررين لم يتوصلوا سوى بالدعم المخصص للهدم الجزئي، رغم أن منازلهم انهارت بالكامل، بل إن بعضهم حصل على رخص وتصاميم لإعادة البناء، وفق ما أكده لـ «القدس العربي».
واعتبر أن ملف التعويضات شهد، بحسب تعبيره، عددا من الخروقات والتلاعبات، وهو ما تشير إليه تقارير حقوقية ومدنية مختلفة، معربًا عن أمله في أن تتدخل وزارة الداخلية لوضع حد لهذه المعاناة، وتسوية الملفات العالقة، وتعميم التعويضات على جميع المتضررين، مع محاسبة المتورطين في أي تلاعب بملفات الضحايا.
وختم منتصر إثري بالتأكيد على أن الأسر التي تحتجّ منذ سنتين هي في الأساس الأسر المقصية التي لم تتلقَّ أي تعويضات، ويُقدَّر عددها، وفق تحقيق حقوقي، بحوالي 16 في المئة من المتضررين، مشددًا على أن هذه الحالات لا علاقة لها بالأسر التي قد تكون لديها مشاكل مرتبطة بالإرث. وأعرب في الأخير عن أمله في أن تبادر الجهات المعنية إلى التدخل العاجل لإنهاء هذه المعاناة المستمرة.
إشكالات الحوْكمة والتنسيق
وبالعودة إلى التقرير، كشفت المعطيات عن إشكالات على مستوى الْحَوْكَمة والتنسيق المؤسساتي، حيث سجّل هيمنة وزارة الداخلية على مختلف مراحل تنفيذ عملية إعادة الإعمار، مقابل محدودية الإمكانات البشرية واللوجستية المتوفرة لدى وكالة تنمية الأطلس الكبير، التي لم تتوفر عند انطلاقها سوى على عدد محدود من الموظفين لتدبير برنامج يمتد على عدة أقاليم. كما انتقد التقرير بطء اجتماعات اللجنة البين وزارية وضعف إشراك السكان المتضررين في اتخاذ القرارات المرتبطة بإعادة البناء.
وسجل التقرير كذلك توترات اجتماعية مرتبطة بملف المتضررين، مشيرا إلى تسجيل حالات احتجاج من طرف السكان للمطالبة بتسريع وتيرة إعادة الإعمار وتحسين شروط الاستفادة من الدعم. كما وثّق التقرير عددا من الحالات المرتبطة بالتضييق على الحركة الاحتجاجية، إلى جانب تسجيل وفيات لأشخاص كانوا لا يزالون يقيمون في خيام أو مساكن متداعية.
وفي ضوء هذه المعطيات، خلص مرصد «ترانسبرانسي المغرب» إلى أن التعثر الذي يعرفه برنامج إعادة الإعمار لا يرتبط أساسا بنقص الموارد المالية، بل يعكس إشكالات أعمق تتعلق بضعف الرؤية الاستراتيجية والحوْكمة والتنسيق بين المتدخلين، إضافة إلى محدودية الشفافية في تدبير الموارد. ودعا التقرير إلى فتح تحقيق برلماني وإجراء افتحاص شامل من طرف «المجلس الأعلى للحسابات» يشمل مختلف جوانب البرنامج، مع التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة تشاركية تعزز العدالة الاجتماعية وتضمن إشراك السكان المتضررين في صياغة القرارات المتعلقة بإعادة بناء مناطقهم.