ميلاد جديد

عندنا يقترب عيد الميلاد، يقترب عيد السلام. هذا هو الشعار الذي أحاول دائما رفعه في مثل هذه المناسبة التي دائما نطمح إلى جعلها تقترن بأجواء هدوء وسكون، كثيرا ما تبدو لنا عصية على الظفر. وكثيرا ما تقترن هذه الأجواء أيضا مع صور.. صور تقليدية لشجرات الميلاد المزينة بأضوائها الخيطية، صور أطفال تعلو الابتسامات والضحكات وجوههم، صور للمارة …
إنها صور لي ولك ونحن نملأ جميعا الأرصفة منسجمين وتواقين معا إلى غد أفضل. صور لي ولك. بكل تأكيد. لأن أجواء عيد الميلاد لا تتعلق فقط بالطقوس الدينية والتجربة الروحية المسيحيتين، بل ترقى، جنبا إلى جنب مع المنطوق المقدس وإلى إرساء هوية خاصة مميزة وفارقة. وإذا كانت هذه الهوية تتسم بثبات جوهرها، فيمكن أيضا أن يصاحب ثبات الجوهر تحول الألوان. هنا، أحببت أن ألون ميلاد هذه السنة بمقال صدر عن صحيفة «القدس العربي» قبل سنوات، تناول التطريز الفلسطيني، وكيف أن «التطريز فن عريق مارسه أهل فلسطين، وقد استخدموا اللون بطريقة عفوية بدهية، والخيط بدل القلم للرسم، والتعبير الصادق عن دفء الشمس».

أجواء عيد الميلاد لا تتعلق فقط بالطقوس الدينية والتجربة الروحية المسيحيتين، بل ترقى، جنبا إلى جنب مع المنطوق المقدس وإلى إرساء هوية خاصة مميزة وفارقة

أجل. لقد اختير هذا المقال كموضوع لامتحانات مناظرات الأقسام التحضيرية في فرنسا في مادة اللغة العربية. وقد ربط هذا المقال موضوع التطريز الفلسطيني بموضوع الهوية، عبر خاصية القطبة تحديداً. هنا، بهذه المناسبة، تعلقت الصفات والموصوفات بالهوية – الهوية الوطنية كما أورد المقال- وكأن الموضوع، فني بطبعه، قد جعل من الهوية كوكبا تعلقت به مدارات الفن بأنواعها. وليس هنا مجرد الحديث عن «الوحدات الزخرفية»، ذلك الذي يحول الهوية إلى تعبير ملون دافئ، بل «مزاج وتكوين نفسي وروحي». وهنا يكمن بيت القصيد. بيت قصيد يعلو ولا يعلى عليه، مثل الحق، فـ»لئن استهدفت العواصف كيان الشعب الفلسطيني»، فقد «حُفظت أصول قويت على الإعصار وبقيت آثار تمردت على الاندثار». يقول المقال في بلاغة مبناه ومعناه. الصورة قائمة تعلو على الصورة القاتمة، الشكل أولا: أنواع هندسية، متداخلة، «القوس والمثلث والدائرة والمستطيل والمعين»، لكن ليس هناك شكل بلا مضمون.
والمضمون فريد.. إنه البيئة، وقلما تجد البيئة مركبة لنشيد المقاومة والصمود. «وحدات من البيئة لم ينقلوها نقلا آليا» بل اختاروا الصياغة لتخدم هدفا.. هدفا جماليا وأكثر، هدف الانسجام مع البشرية جمعاء، شؤونا وشجونا.» جميل.. جميل أن يدرج المقال ثمار الحياة وأشجارها، حسب العمر والمناسبة، بل أكثر من جميل: جمالي ومشترك، فالشعوب واحدة أمام «زهر الورد واللوز والبرتقال والزيتون وقطوف العنب».. كما هي واحدة أمام «الطيور التي أحبتها والعصافير والبط». مشترك أيضا اعتماد «موتيفات فنية» ترمز إلى يوميات الحياة العملية كالـ»المشط والمفتاح والسلسلة والقنديل..». بيت القصيد يلوح لنا مرة أخرى، وبصورة أخرى: «لقد تعددت أنواع الثياب وألوانها وأشكالها وطرق زخرفتها بتنوع المناسبات والسن، فللزفاف ثوبه وللعمل ثوبه وللرقص الشعبي في المناسبات الاجتماعية والفنية للفتيات ثيابهن وللمسنات ثيابهن أيضا».
أليست هذه، بكل بساطة، صورة أسرة؟ صورة أسرة موسعة بخاصيات موروثها وتقاليدها تعلو ولا يعلى عليها، أيضا، محيلة بنا إلى كل أسر العالم، وطارحة الإشكالية الكونية، إشكالية السلام التي دائما نصبو بها إلى ميلاد جديد.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية