ميديابارت: هكذا وجّهت السعودية ضربة قوية في جنوب اليمن وبعثت رسالة واضحة بشأن نفوذها في هذا البلد 

حجم الخط
0

باريس- “القدس العربي”:

قال موقع “ميديابارت” إن المملكة العربية السعودية وجّهت ضربة قوية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك في جنوب اليمن، البلد الذي كان الطرفان قد تحالفا فيه ضد جماعة الحوثي منذ عام 2015.

واعتبر الموقع الفرنسي أن ما جرى يشكّل دليلاً إضافياً على التحولات الجديدة في موازين القوى الإقليمية، مضيفاً أن منطقة الشرق الأوسط تعيش اضطرابات عميقة؛ فقد شهدت لعقود طويلة حروباً مدمّرة، وتدخّلات خارجية كارثية، وأنظمة قمعية سقطت أو تعززت، وحروباً أهلية متواصلة. وخلال العامين والنصف الأخيرين، جاءت الحرب الموصوفة بالإبادة ضد غزة، إلى جانب الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتعددة، لتزيد من زعزعة التوازنات الإقليمية.

وأوضح “ميديابارت” أن مركز الثقل السياسي والاقتصادي والرمزي انتقل من المشرق إلى شبه الجزيرة العربية، موضّحاً أن دونالد ترامب، الذي نُصّب حديثاً رئيساً سابعاً وأربعين للولايات المتحدة، عندما قام بأول جولة خارجية له، لم يتوجه إلى القاهرة ولا بغداد ولا حتى القدس، بل بدأ زيارته بالرياض ثم الدوحة، واختتمها في أبوظبي.

وأشار الموقع الاستقصائي الفرنسي إلى أن هذا التحول لم يبدأ اليوم، لكنه تسارع بشكل واضح في الفترة الأخيرة، وكذلك الحال بالنسبة للتنافس بين قوتين إقليميتين هما الإمارات بقيادة محمد بن زايد آل نهيان، والسعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان، يقول “ميديابارت”، مضيفاً أن محمد بن زايد كان يُقدَّم طويلاً في الأوساط الغربية بوصفه “المرشد” لمحمد بن سلمان، كونه أكثر خبرة ودهاءً وحذراً، ومتوافق مع الهواجس الغربية المتعلقة بمحاربة الإسلام السياسي.

غير أن هذه الصورة انهارت تحت وطأة الأمر الواقع، أو بالأحرى تحت القنابل السعودية التي دمّرت شحنة أسلحة ومركبات إماراتية في ميناء المكلا اليمني، كانت موجّهة إلى ائتلاف انفصالي يمني هو “المجلس الانتقالي الجنوبي”.

وخلال أسبوعين فقط، بعثت السعودية رسالة واضحة مفادها أن اليمن منطقة نفوذها الحصري، وأنها تريد أن تكون القوة الأولى في المنطقة، في رسالة تحذيرية للإمارات، يقول “ميديابارت”، مذكِّراً أن البلدين كانا قد تحالفا في مارس/آذار عام 2015 لمحاربة الحوثيين المدعومين من إيران، الذين سيطروا حينها على صنعاء وميناء الحديدة.

لكن سرعان ما ظهرت التباينات في الأهداف والاستراتيجيات؛ فبينما دعمت الإمارات الانفصاليين الجنوبيين، واصلت السعودية دعم الحكومة المعترف بها دولياً التي تدعو إلى وحدة اليمن.

ونقل “ميديابارت” عن الباحثة فاطمة دازي-هني، قولها إن تضارب المصالح كان واضحاً منذ عام 2017، إذ لم يكن الطرفان يخوضان الحرب نفسها فعلياً في اليمن.

وأشار “ميديابارت” إلى أن الحرب خلّفت مئات آلاف القتلى بسبب القصف والنزوح والمجاعة والأوبئة، لكن الاهتمام الدولي تراجع مع تعقّد النزاع وبُعده الجغرافي. وبعد أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، بات اليمن يُختزل دولياً في هجمات الحوثيين على إسرائيل والملاحة البحرية.

ومضى الموقع الفرنسي مذكِّراً بأن الانفجار الحقيقي للخلاف وقع في جنوب وشرق اليمن نهاية عام 2025، بسبب السيطرة على محافظتي المهرة وحضرموت، اللتين تعتبرهما السعودية مجالاً حيوياً لأمنها القومي. واعتبر مراقبون أن عبور الانفصاليين المدعومين إماراتياً لهذه “الخطوط الحمراء” دفع الرياض إلى الرد العسكري.

وأضاف “ميديابارت” أن المجلس الانتقالي الجنوبي شنّ هجوماً مطلع ديسمبر/ كانون الأول الماضي للسيطرة على أراضي الجنوب اليمني السابق، ما شكّل إحراجاً كبيراً للرياض، خصوصاً أن قيادات المجلس كانت جزءاً من الترتيبات السياسية التي دعمتها السعودية.

ونقل “ميديابارت” عن الباحث لوران بونفوا، قوله، إن السعودية تُحاول منذ عام 2022 الخروج من المستنقع اليمني عبر تقديم بعض التنازلات للحوثيين، وهو ما شجّع الإمارات على محاولة فرض أجندتها الخاصة، لكن الرياض قررت الرد بقوة.

وأوضح الموقع الفرنسي أن السعودية قصفت مواقع للمجلس الانتقالي في المكلا وعدن، واستخدمت لهجة دبلوماسية حادة، مطالبة الإمارات بسحب قواتها من اليمن، وهو ما أعلنت أبوظبي التزامها به. لاحقا، فرّ رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، إلى جهة مجهولة، ويُعتقد أنه وصل إلى أرض الصومال ثم إلى الإمارات. واعتبر الموقع أن ذلك يعكس تراجع الدعم الإماراتي له وتحوّل موازين القوى لصالح السعودية.

وأضاف “ميديابارت” أن وفد الجنوب الموجود في الرياض يخضع لعزلة إعلامية، وتضاربت الأنباء حول مخرجات المفاوضات، بما في ذلك إعلان ثم نفي حلّ المجلس الانتقالي.

ومضى الموقع الفرنسي قائلاً إن الخلاف بين الرياض وأبوظبي ليس يمنياً فقط، بل يمتد إلى ملفات إقليمية أخرى، مثل القرن الإفريقي، والسودان، والعلاقات مع إسرائيل، والتنافس على كسب دعم واشنطن.

واعتبر “ميديابارت” أن التحالفات في الشرق الأوسط تتغير بسرعة، وأن الصراعات غالباً ما تكون عنيفة، فيما تبقى الشعوب المدنية هي الخاسر الأكبر.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية