ميديابارت: ترامب يستقبل نتنياهو وسط تعطّل خطته للسلام في قطاع غزة الذي يواجه خطر الاستنزاف

حجم الخط
0

باريس- “القدس العربي”:

تحت عنوان: “قطاع غزة.. خطر الاستنزاف”، قال موقع “ميديابارت” الاستقصائي الفرنسي إنه في وقت يتزعزع فيه وقف إطلاق النار أكثر فأكثر يومًا بعد يوم، تدفع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الوسيطة والدول العربية نحو تسريع العملية التي يُفترض أن تقود إلى السلام في قطاع غزة. غير أن “المرحلة الثانية” تبدو صعبة الانطلاق.

أضاف الموقع الفرنسي أن الانتهاكات بمختلف أنواعها يومية وكثيرة، وقد تم إحصاء أكثر من أربعمائة انتهاك ارتكبتها إسرائيل منذ بدء وقف إطلاق النار بموجب الخطة الأمريكية. وما يزال يتعيّن على حركة حماس تسليم جثمان رجل خُطف في السابع من أكتوبر.

أما المساعدات الإنسانية، التي تعرقلها الإدارة العسكرية الإسرائيلية، فلا تدخل وفق ما هو منصوص عليه في خطة ترامب، ولا يملك سكان غزة ملاجئ قادرة على حمايتهم من تقلبات الطقس الشتوي، ولا معدات هندسية تتيح البدء في تنظيف الأرض. وقد غمرت المياه خيامًا مؤقتة مجددًا يوم الأحد بعد ليلة من الأمطار الغزيرة. ومع ذلك، يضغط الجميع للدخول في المرحلة الثانية: الدول الوسيطة، وعلى رأسها مصر وقطر وتركيا، وجميع من رحّبوا بـ“قمة السلام” في شرم الشيخ التي أشادت بخطة ترامب، إضافة إلى الرئيس الأمريكي نفسه.

الانتهاكات بمختلف أنواعها يومية وكثيرة، وقد تم إحصاء أكثر من أربعمائة انتهاك ارتكبتها إسرائيل منذ بدء وقف إطلاق النار بموجب الخطة الأمريكية

هذا التناقض – يضيف “ميديابارت”- ليس سوى ظاهري. فهذه المرحلة الثانية ستشكّل، إذا ما تم تنفيذها فعليًا، الدخول في مسار سياسي. ورغم هشاشته، يُتصوَّر في الدوائر القيادية والدبلوماسية حول العالم أن الحديث عن حوكمة الأراضي الفلسطينية قد يبعد خطر استئناف الحرب الإبادية.

ينقل الموقع الفرنسي عن نيكولا دو-بويار، الباحث المشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، قوله: “الولايات المتحدة لا تريد عودة الحرب في الوقت الحالي، لأن لديها أولويات أخرى، من بينها فنزويلا. كما أن ترامب التزم بوعد تحقيق السلام. والدول الثلاث الوسيطة بدورها وضعت مصداقيتها الإقليمية والدولية على المحك”.

كما أن استئناف تدمير قطاع غزة سيلحق ضررًا بمصالحها: فقطر تسعى من خلال هذا الملف إلى ترسيخ دورها كقوة وساطة في نزاعات أخرى، ومصر تخشى أكثر من أي شيء آخر تهجيرًا جماعيًا لسكان غزة نحو سيناء، بينما تهتم تركيا باستقرار سوريا، يقول “ميديابارت”.

رغم تقاطع هذه المصالح، ورغم الدعوات الملحّة، لا شيء يتقدّم.. فالاجتماع الذي عُقد في فلوريدا في 19 ديسمبر بين الوسطاء الثلاثة وستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لدونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، وهو الأول منذ توقيع وقف إطلاق النار، لم يُسفر عن أي نتيجة.

الانتقال إلى المسار السياسي

من المؤكد أن المرحلة الثانية ستكون محورًا أساسيًا في اللقاء الجديد بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي في 29 ديسمبر، وهو اللقاء الخامس منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وذلك رغم أن بنيامين نتنياهو يعتزم الدفع باتجاه حرب جديدة ضد إيران، بحسب ما أفادت به قبل أيام شبكة NBC News الأمريكية. ومن المقرر أن يُعقد اللقاء في مار-إيه-لاغو، مقر إقامة ترامب في فلوريدا حيث يقضي عطلة نهاية العام، يُتابع “ميديابارت”.

رغم أن تعبير “المرحلة الثانية” لا يرد صراحة في أي من النصوص، والكلمات لها أهميتها في المعاهدات الدولية، إلا أنه يحظى بإجماع كونه يشير إلى الانتقال من وقف الأعمال القتالية إلى المسار السياسي

مفارقة أخرى: رغم أن تعبير “المرحلة الثانية” لا يرد صراحة في أي من النصوص، والكلمات لها أهميتها في المعاهدات الدولية، إلا أنه يحظى بإجماع كونه يشير إلى الانتقال من وقف الأعمال القتالية إلى المسار السياسي، وقد استُخدم من قبل في خطط تسوية سابقة، مثل خطة شهر يناير من العام الجاري، التي لم تشهد آنذاك أي بداية لتنفيذها.

من المفترض أن تعمل هذه المرحلة على إعادة بناء حوكمة القطاع الساحلي الذي تعرّض لدمار واسع، وعلى تحقيق الاستقرار فيه. ولهذا، تنص الوثيقتان المرجعيتان دوليًا، خطة ترامب ذات العشرين نقطة، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، على نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حماس، وعلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي الفلسطينية، يُشير الموقع الفرنسي.

يُفترض أن يتم هذا المسار تحت إشراف “مجلس سلام”، وهو هيئة انتقالية مهمتها، بحسب نص قرار 2803، “توجيه عملية إعادة إعمار غزة وتنسيق تمويلها […] إلى حين أن تنجز السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحاتها كما هو منصوص عليه في مقترحات عدة، من بينها خطة السلام لعام 2020 للرئيس ترامب والمبادرة الفرنسية-السعودية، وأن تصبح قادرة على استعادة السيطرة على غزة بأمان وفي ظروف ملائمة”.

سيترأس هذا المجلس، وفق رغبة دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي نفسه، فيما لم يتم بعد تحديد بقية أعضائه. وقد طُرح اسم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير ليكون نائبًا له، ما أثار موجة اعتراضات في الدول العربية. فبلير، الداعم المتحمس لجورج بوش الابن في تدمير العراق والفاعل الأساسي في “اللجنة الرباعية” للشرق الأوسط خلال أعوام 2002 إلى 2010، ترك صورة رجل أعمال منحاز كليًا للمصالح الإسرائيلية. ويبدو أن اسمه أُبعد في نهاية المطاف لصالح نيكولاي ملادينوف، الدبلوماسي ووزير الدفاع البلغاري السابق، المعروف بقربه الشديد من دولة الإمارات العربية المتحدة، الحليف الأوثق لإسرائيل في الخليج.

من المرجّح أن تكون السمة الأساسية لمجلس السلام هذا أنه سيكون في الواقع تجمعًا لشخصيات دولية تحظى برضى دونالد ترامب. ومع ذلك، سيكون عليه الإشراف على إدارة محلية تكنوقراطية بلا سلطة سياسية، تتألف من فلسطينيين من قطاع غزة تقبل بهم جميع الأطراف، وتتولى تسيير الشؤون اليومية. وسيكون عمل هذه القوة شرطًا لانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية، باستثناء منطقة عازلة كانت قائمة بحكم الأمر الواقع قبل السابع من أكتوبر.

من المرجّح أن تكون السمة الأساسية لمجلس السلام أنه سيكون في الواقع تجمعًا لشخصيات دولية تحظى برضى دونالد ترامب. ومع ذلك، سيكون عليه الإشراف على إدارة محلية تكنوقراطية بلا سلطة سياسية، تتألف من فلسطينيين من قطاع غزة تقبل بهم جميع الأطراف، وتتولى تسيير الشؤون اليومية

مضى “ميديابارت” قائلاً إنه غالبًا ما يكون الانتقال من النظرية إلى التطبيق، ومن النوايا إلى الواقع الميداني، محفوفًا بالمخاطر في سياق النزاعات. وتنفيذ المرحلة الثانية يمثّل مثالًا صارخًا على ذلك، نظرًا لكثرة العقبات. أول هذه العقبات هو الغموض الشامل وغياب المعنيين الأساسيين، أي الفلسطينيين. فلا شيء محددا، لا ولايات الهيئات المختلفة، ولا تركيبتها، ولا الجدول الزمني. ولم يُناقش أي شيء مع ممثلين فلسطينيين.

وينقل “ميديابارت” عن معين رباني، الباحث المشارك غير المقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة: “كل شيء لا يزال بحاجة إلى تفاوض. وهنا نرى التناقض الجوهري في الخطة برمتها. فغزة يُفترض أن توضع تحت وصاية دولية، مع دور رمزي للفلسطينيين يقتصر على جمع النفايات وإدارة الصرف الصحي، دون أي دور للسلطة الفلسطينية. لكن الدول التي يُفترض أن تساهم ماليًا أو عسكريًا في هذه الوصاية أوضحت أنها تشترط أفقًا سياسيًا يتمثل في تقدم موثوق ولا رجعة فيه، ووفق جدول زمني واضح، نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة. كما أعلنت رفضها أن تعمل كميليشيا إسرائيلية أو أن تقاتل حماس نيابة عن إسرائيل”.

العقبة الثانية، الناتجة عن الأولى، هي صعوبة التجنيد. ويقول مصدر قريب جدًا من المفاوضات: “لتشكيل الحكومة التكنوقراطية – يضع الجميع لوائحهم السلطة الفلسطينية، وحماس، ومصر — وفي النهاية يقوم الأمريكيون بفحص الأسماء وتحديد أي فلسطيني مقبول وأيهم غير مقبول. أنا شخصيًا لن أشارك في إدارة محلية أتلقى فيها أوامري من الأمريكيين، أي من الإسرائيليين”.

ولا تتدافع الدول للانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية. فتركيا ترغب في المشاركة، لكن إسرائيل ترفض ذلك، معتبرة أن أنقرة قريبة جدًا من حماس، وفي حالة حرب غير معلنة معها في سوريا. ويشرح نيكولا دو-بويار: “إندونيسيا، ودول الخليج، ومصر، والأردن لا تريد أن يُنظر إليها من قبل الفلسطينيين كقوة احتلال، قد تعيد تجربة القوة المتعددة الجنسيات في لبنان عام 1982”.

تلك القوة وجدت نفسها رغمًا عنها طرفًا في النزاع، وانسحبت في النهاية بعد استهداف القوات الأمريكية والفرنسية بتفجيرين في أكتوبر 1983.

التنازل الجزئي لحماسوالخط الأحمر الإسرائيلي

تخشى الدول المعنية أن تجد نفسها مضطرة لنزع سلاح حماس غير المتحمسة لذلك، أو أن تواجه مجموعات مسلحة، أو حتى أن تصطدم بجنود إسرائيليين غير راغبين في الانسحاب. فعلى الأرض، لا يظهر أطراف الحرب أي رغبة في تسهيل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترامب كما وردت في الوثائق.

وترفض حماس أي تدخل سياسي خارجي، وتؤكد أن القضايا الوطنية يجب أن تُحل عبر “نقاش فلسطيني داخلي يفضي إلى توافق قائم على المصالح العليا لشعبنا الفلسطيني، ورفض الوصاية والإملاءات الخارجية على قرارنا الوطني المستقل”، يشير “ميديابارت“.

رفض حماس أي تدخل سياسي خارجي، وتؤكد أن القضايا الوطنية يجب أن تُحل عبر “نقاش فلسطيني داخلي يفضي إلى توافق قائم على المصالح العليا لشعبنا الفلسطيني”

وتبدي الحركة اعتزازها بانتزاع وقف إطلاق النار بعد “عامين من مقاومة أسطورية”، دون أي إشارة إلى نزع سلاحها، رغم أن ذلك يشكّل عنصرًا أساسيًا في خطة السلام. وبحسب مصدر قريب من المفاوضين، فإن حماس أبلغت الاستخبارات المصرية استعدادها لتسليم أسلحتها الثقيلة، مثل قذائف الهاون وراجمات RPG والطائرات المسيّرة، وكشف مواقع تصنيع السلاح.

غير أن هذا يُعد تنازلًا محدودًا، إذ إن مخزونها من هذا النوع من الأسلحة ضعيف أصلًا، فضلًا عن أن كتائب عز الدين القسام باتت مجموعات متفرقة تفتقر إلى قيادة موحدة قادرة على فرض قرارات المستوى السياسي. ويضيف المصدر: “إذا احتفظت بالأسلحة الخفيفة، فستحتفظ بالسيطرة على السكان وستواصل حكم القطاع”.

في المقابل، قبلت إسرائيل بوقف إطلاق النار تحت ضغط أمريكي، لكنها تُظهر ميدانيًا أنها لا تنخرط في مسار لإنهاء الحرب بشكل كامل. فالجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر على ما لا يقل عن 54% من القطاع، ويواصل تحريك “الخط الأصفر” غربًا، ما يقلّص المساحة التي يتكدس فيها السكان. وهناك حديث، بحسب مصادر عدة، عن احتلال دائم للجزء الشرقي من غزة، تُمنح فيه إعادة الإعمار للفلسطينيين “الجديرين”، فيما يُترك الجزء الغربي في حالة خراب دائم.

ويبدو أن إسرائيل تطبق في غزة الاستراتيجية نفسها المعتمدة في لبنان منذ توقيع وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024: موجات من الاغتيالات المستهدفة وقتل المدنيين، مقرونة بتوسّع ميداني.

فهل يمكن للمرحلة الثانية أن ترى النور في هذه الظروف؟ يتساءل “ميديابارت”.. يقول معين رباني: “يمكن لترامب أن يعلن إنشاء مجلس السلام ويقدّمه كأعظم خطوة نحو السلام في الشرق الأوسط منذ ثلاثة آلاف عام، بينما تبقى الأوضاع على الأرض على حالها. فبالنسبة له، المظاهر هي الأهم. وسيتكيّف الجميع مع ذلك ما دامت غزة لم تعد تتصدر العناوين. بما في ذلك دول الخليج”.

لكنه يستدرك فورًا: “من الواضح أن هذا الوضع القائم لا يحل شيئًا، ولا يمكن أن يستمر إلى الأبد”. وباختصار، فإن تمني الصمود لسكان الشرق الأوسط يبدو أمنية معقولة لعام 2026، أما تمني السلام، فما يزال أقرب إلى اليوتوبيا، يقول “ميديابارت”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية